من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
سد- فيما لغير البرهمن من الرسوم في عمره
أمّا «كشتر» فإنّه يقرأ «بيذ» ويتعلّمه ولا يعلّمه، ويقرّب للنار ويعمل بما في البرانات، وإن كان فيما ذكرنا من المواضع التي يعمل فيها مندل للأكل عمله مثلّثا، ويسوس الناس ويقاتل عنهم فإنّه مخلوق لذلك، ويقلّد فردا من «جنجوى» المثلّث وفردا آخر كرباسيّا، وذلك عند استتمام اثنتي عشرة سنة من سنّه، وأمّا «بيش» فإليه الفلاحة والعمارة ورعى السوائم وإزاحة علل البراهمة، ويجوز ان يتقلّد جنجوى واحدا فقط معمولا من خيطين، وأمّا «شودر» فهو للبرهمن كعبد يتصرّف في أشغاله ويخدمه، وإن أراد للتقشّف ان لا يخلو من جنجوى تقلّد الكرباسيّ فقط، وكلّ عمل يخصّ البرهمن من التسابيح وقراءة بيذ وقرابين النار فهو محظور عليه حتى أنّه وبيش أن صحّ عليهما أنّهما قرءا بيذ رفعتهما البراهمة الى الوالي فقطع لسانهما، وأمّا ذكر الله وعمل البرّ والصدقة فهو غير ممنوع عنه، وكلّ من تعاطى ما ليس لطبقته ان يتعاطاه كالبرهمن التجارة و «شودر» الفلاحة فهو آثم وإن قصر مقدار اثمه عن السرقة؛ وقد ذكروا في أخبارهم: أنّ الأعمار كانت في أيّام «رام» الملك طويلة مقدّرة معلومة، ولذلك لم يمت فيها ولد قبل والده، وأنّه اتّفق موت ابن لبرهمن وهو حيّ،
فحمله أبوه الى باب الملك وقال له: انّ هذا لم يبتد في أيّامك إلّا بفساد في الأرض ووزير يرتكب في مملكتك، فأخذ رام في الفحص عن ذلك إلى أن دلّ على «جندال» يجتهد في العبادة وتعذيب النفس، فركب اليه ووجده على شطّ نهر «كنك» قد علّق نفسه منكوسا، فأوتر رام قوسه وضرب بالسهم قتبته فأنفذه، وقال: هو ذا! اقتلك على خير ليس إليك فعله، ورجع وقد عاش ابن البرهمن الموضوع على بابه؛ ثمّ سائر الناس دون جندال ممّن ليسوا من الهند يسمّون «امليج» أي انجاس وهم الذين يقتلون ويذبحون ويأكلون لحم البقر، وهذه كلّها من تفاضل الدرجات التي يتّخذ فيها بعضهم لبعض سخريّا، وإلّا فقد قال «باسديو» في طالب الخلاص: أنّ العاقل قد سوى عنده البرهمن وجندال والصديق والعدوّ والأمين والخائن بل الحيّة وابن عرس، فإن كان العقل هو الذي سوى فالجهل هو الذي فصل وفضل، وقال باسديو لأرجن: إذا كانت عمارة العالم هي المقصودة ولم يطّرد السياسة فيها إلّا بالقتال لقمع الفساد وجب علينا معشر العقلاء ان نعمل ونقاتل لا لإتمام نقصان فينا ولكن لوجوبه من جهة الإعلاج ونفي الخراب، ثمّ يتأسّى بنا الجهّال في الفعل تأسّي الصغار بالكبار من غير أن يعرفوا حقائق الأغراض في الأفعال، فإنّ طباعهم عن الطرق العقليّة نافرة وإنّما يستعملون قهرا حتى يعملوا بحسب ما يثير لهم حواسّهم من الشهوة والغضب، ويكون العاقل العارف على خلافهم.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع