من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
سه- في ذكر القرابين
انّ اكثر «بيذ» مشتمل على قرابين النار وصفة كلّ واحد منها، وتختلف في المقدار حتى لا يقدر على بعضها الّا كبار الملوك، مثل «اسميت» المعمول بالدابّة المسرّحة في العالم ترتعي من غير مانع والجنود تتبعها وتسوقها وتنادي عليها: انّها لملك العالم فليبرز اليها من يأبى ذلك، والبراهمة خلفها تقيم قرابين النار عند روثها، فإذا جالت أكناف العالم كانت طعمة للبراهمة ولصاحبها، وتخلف أيضا في المدّة حتى لا يقدر عليها إلّا من طال عمره وذلك معدوم في هذا الزمان، فلذلك تعطّل كثير منها وبقي القليل للاستعمال، والنار عندهم اكّالة لجميع الأشياء، ولذلك تتنجّس من مداخلة النجاسات ايّاها كالماء، وبسبب ذلك لا يتساهل الهند فيهما اذا كانا عند من ليس منهم لتنجّسهما به، وما أطعمت النار من نصيبها فهو راجع الى «ديو» لأنّها تخرج من أفواههم، والذي يطعمها البرهمن هو دهن وحبوب مختلفة من حنطة وشعير وأرزّ يلقيها فيها، ويقرأ من بيذ ما هو مفروض لذلك إن كان القربان لنفسه، ولا يقرأ شيئا عليها ان كان لغيره؛ وذكر في كتاب «بشن دهرم»: انّه كان فيما مضى من جنس «ديت» رجل قويّ شجاع وفي الملك متوسّع يسمّى «هرناكش»، وله ابنة تسمّى «دكيش» دامت على الاجتهاد في العبادة وامتحان النفس بالصوم والزهادة، فاستحقّت الإثابة
بمكان في العلو، وتزوّج بها «مهاديو»، فلمّا خلا بها- ومن شأن «ديو» ان يطيل المباشرة ويبطئ الإنزال- فظنت النار للأمر وغارت خوفا أن يتولّد منهما نار مثلهما، فقصد بهما للتكدير والافساد، وحين رآها مهاديو عرق جبينه من شدّة الغيظ حتى سال على الأرض، فتشرّبته وحبلت منه بالمرّيخ وهو «اسكند» صاحب جيش ديو، وتناول «ردر» المفسد نطفة مهاديو ورمى بها، فتفرّقت في بطن الأرض وهي الرقيق الرخراخ، وأمّا النار فإنّها برصت وساخت من فرط الخجل والتشوير الى «پاتال» الأرض السفلى، ولمّا افتقدها ديو أقبلوا على طلبها والبحث عنها، فدلّتهم الضفدع عليها، وحين رأتهم فارقت مكانها واختفت في شجرة «أشوت» ودعت على الضفدع أن تكون ناقصة الصياح مبغّضة الى القلوب، ثمّ دلّتهم الببغاء على مكانها، فدعت عليها بانقلاب اللسان حتى يكون أصله نحو طرفه، وقال لها ديو: ان انقلب لسانك فكوني بالمآنس ناطقة وللطيّبات آكلة، وهربت النار من شجرة شوت الى شجرة «شمّى»، فغمز بها الفيل، فدعت عليه أيضا بانقلاب اللسان، فقال له ديو: ان انقلب لسانك فكن مشاركا للإنس في مطاعمهم فطنا لكلامهم، ثمّ عثروا على النار فتلكّت عن الكون معهم وهي برصاء، فأصلحوها وأزالوا برصها وأعادوها اليهم مكرّمة، جعلوها فيما بينهم وبين الناس واسطة تأخذ انصباءهم منهم وتوصلها اليهم.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع