من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
سج- فيما يخص البرهمن ويجب عليه مدى عمره ان يفعله
عمر البرهمن بعد مضيّ سبع سنين منه منقسم لأربعة أقسام، فأوّل القسم الأوّل هو السنة الثامنة يجتمع اليه البراهمة لتنبيهه وتعريفه الواجبات عليه وتوصيته بالتزامها واعتناقها ما دام حيّا، ثمّ يشدّون وسطه بزنّار ويقلّدونه زوجا من «جنجوى» وهو خيط مفتول من تسع قويّ وفرد ثالث معمول من ثوب، يأخذ من عاتقه الأيسر الى جنبه الأيمن، ويعطى قضيبا يمسكه وخاتم حشيشة يسمّى «دربهى» يتختّم به في البنصر اليمنى، ويسمّى هذا الخاتم «ببتر»، والغرض فيه التيمّن والبركة في عطاياه من تلك اليد، والتشديد فيه دون التشديد في أمر «جنجوى» فإنّ جنجوى ممّا لا يفارقه البتّة، فإن وضعه حتى أكل أو قضى حاجته خاليا عنه كان بذلك مذنبا لا يمحضه عنه غير الكفّارة بصوم أو صدقة؛ وقد دخل في القسم الأوّل الى السنة الخامسة والعشرين من سنيه ووجدت ذلك في «بشن يران» الى السنة الثامنة والأربعين، والذي يجب عليه فيها هو أن يتزهّد ويجعل الأرض وطاءه ويقبل على تعلّم «بيذ» وتفسيره وعلم الكلام والشريعة من أستاذ يخدمه آناء ليله ونهاره، ويغتسل كلّ يوم ثلاث مرّات ويقيم قربان النار في طرفي النهار، ويسجد لأستاذه بعد القربان، ويصوم يوما ويفطر يوما مع الامتناع عن
اللحم أصلا، ويكون مقامه في دار الأستاذ ويخرج منها للسؤال والكدية من خمسة بيوت فقط كلّ يوم مرّة عند الظهيرة أو المساء، فما وجد من صدقة وضعه بين يدي استاذه ليتخيّر منه ما يريد، ثمّ يأذن له في الباقي، فيتقوّت بما فضل منه، ويحمل الى النار حطبها من شجرتي «پلاس» و «درب» لعمل القربان، فالنار عندهم معظّمة وبالأنوار مقتربة وكذلك عند سائر الأمم، فقد كانوا يرون تقبّل القربان بنزول النار عليه ولم يثنهم عنها عبادة أصنام أو كواكب أو بقر وحمير أو صور، ولهذا قال بشّار بن برد: والنار معبودة مذ كانت النار: وأمّا القسم الثاني فهو من السنة الخامسة والعشرين الى الخمسين وفي بشن پران بدل هذه الخمسين سبعون، وفيه يأذن له الأستاذ في التأهّل، فيتزوّج ويقيم الكذ خذاهيّة ويقصد النسل على أن لا يطأ امرأته في الشهر اكثر من مرّة عقب تطهّر المرأة من الحيض، ولا يجوز له أن يتزوّج بامرأة قد جاوز سنّها اثنتى عشرة، ويكون معاشه أمّا من تعليم البراهمة و «كشتر» وما يصل اليه منه فعلى وجه الإكرام لا على وجه الأجرة وإمّا من هديّة تهدى اليه بسبب ما يعمل لغيره من قرابين النار وإمّا بسؤال من الملوك والكبار من غير الحاح منه في الطلب أو كراهة من المعطي، فلا يزال يكون في دور هؤلاء برهمن يقيم فيها أمور الدين وأعمال الخير، ويلقّب «برهت»، وإمّا من شيء يجتنيه من الأرض أو يلتقطه من الشجر، ويجوز له أن يضرب يده في التجارة بالثياب وبالفوفل وإن لم يتولّها واتّجر له «بيش» كان أفضل لأنّ التجارة في الأصل محظورة بسبب ما يداخلها من الغشّ والكذب، وإنّما رخّص فيها للضرورة إذا لا بدّ منها، وليس يلزم البرهمن للملوك ما يلزم غيره لهم من الضرائب والوظائف، فأمّا التتابع بالدوابّ والبقر والاصباغ والانتفاع بالربا فإنّه محرّم عليه، وصبغ النيل من بين الأصباغ نجس اذا مسّ جسده وجب عليه الاغتسال، ولا يزال يقلس ويقرأ على النار ما هو مرسوم لها؛ وأمّا القسم الثالث فهو من السنة الخمسين الى
الخامسة والسبعين وفي «بشن پران» بدل الخمسة والسبعين تسعون، وفي هذا القسم يتزهّد ويخرج من الكذ خذاهيّة ويسلّمها والزوجة الى أولاده ان لم تصحبه الى الإصحار، ويستمرّ خارج العمران على السيرة التي سارها في القسم الأوّل، ولا يستكنّ بسقف، ولا يلبس إلّا ما يواري سوءته من لحاء الشجر، ولا ينام إلّا على الأرض بغير وطاء، ولا يتغذّى الّا بالثمار وبالنبات وأصوله، ويطوّل الشعر ولا يتدهّن؛ وأمّا القسم الرابع فهو الى آخر العمر، يلبس فيه لباسا أحمر ويأخذ بيده قضيبا، ويقبل على الفكرة وتجريد القلب من الصداقات والعداوات ورفض الشهوة والحرص والغضب، ولا يصاحب أحدا البتّة، فإذن قصد موضعا ذا فضل طلبا للثواب لم يقم في طريقه في قرية أكثر من يوم وفي بلد أكثر من خمسة أيّام، وإن دفع له أحد شيئا لم يترك منه للغد بقيّة، ولم يكن له غير الدؤوب على شرائط الطريق المؤدّي الى الخلاص والوصول الى «موكش» الذي لا رجوع فيه الى الدنيا؛ وأمّا ما يلزمه في جميع عمره بالعموم فهو أعمال البرّ وإعطاء الصدقة وأخذها، فإنّ ما يعطي البراهمة راجع الى الآباء، ودوام القراءة وعمل القرابين والقيام على نار يوقدها ويقرّب لها ويخدمها ويحفظها من الانطفاء ليحرّق بها بعد موته، واسمها «هوم»، والاغتسال كلّ يوم ثلاث مرّات في «سند» الطلوع وهو الفجر وفي سند الغروب وهو الشفق وفي نصف النهار بينهما، أمّا بالغداة فمن أجل نوم الليل واسترخاء المنافذ فيه، فيكون طهرا من كائن النجاسة واستعدادا للصلاة، والصلاة هي تسبيح وتمجيد وسجدة برسمهم على الإبهامين من الراحتين الملتصقتين نحو الشمس، فإنّها القبلة أينما كانت خلا الجنوب، فليس يعمل شيء من أعمال الخير نحو هذه الجهة ولا يتقدّم اليها إلّا في كلّ شيء رديء، وأمّا وقت زوال الشمس عن نصف النهار فإنّه مرشّح لاكتساب الأجر، فيجب ان يكون فيه طاهرا، والمساء وقت العشاء والصلاة ويجوز ان يفعلهما فيه من غير اغتسال،
فليس أمر الاغتسال الثالث مثل الأوّل والثاني في التأكّد، وإنّما الاغتسال الواجب عليه بالليل في أوقات الكسوفات بسبب اقامة شرائطها وقرابينها؛ وتغدّى البرهمن في جميع عمره في اليوم مرّتين عند الظهيرة والعتمة، فإذا أراد الطعام ابتدأ بإفراز الصدقة منه لنفر أو نفرين وخاصّة للبراهمة المستوحشين الذين يجيئون وقت العصر للسؤال، فإنّ التغافل عن اطعامهم اثم عظيم، ثمّ للبهائم والطير وللنار، ويسبّح على الباقي ويأكله، وما فضل منه فيضعه خارج الدار ولا يقرب منه إذ لا يحلّ له وإنّما هو لمن سنح واتّفق من محتاج اليه سواء كان انسانا أو طائرا أو كلبا أو غيره، ويجب أن يكون آنية مائة على حدة وإلّا كسرت، وكذلك آلات طعامه، وقد رأيت من البراهمة من جوّز مؤاكلته أقاربه في قصعة واحدة وأنكر ذلك سائرهم؛ ويلزمه ان يسكن فيما بين نهر «السند» نحو الشمال وبين نهر «جرمنمت» نحو الجنوب، ولا يتجاوزهما الى حدود الترك وحدود كرنات والبحر في جانبي المشرق والمغرب، فقد ذكر أنّه لا يحلّ له المقام في أرض لا تنبت الحشيشة التي يتختّم بها في البنصر ولا ترتعي فيها الغزلان السود الشعر، وتلك صفة ما وراء الحدود المذكورة، فإن اجتازها الى ما وراءها كان مذنبا ولزمته الكفّارة، فأمّا البلاد التي لا يطيّن فيها جميع أرض البيت المهيّأ للطعام ولكن يجعل لكلّ واحد من الآكلين مندل بصبّ الماء على موضع وتطيينه بأخثاء البقر فيجب أن يكون شكل مندل البرهمن مربّعا، وقد زعم من يعمل المندل في سببه: أنّ موضع الأكل يتنجّس بالأكل؛ وأنّه إذا فرغ منه غسل وطيّن ليطهر، فإن لم يكن الموضع النجس معينا تحسب سائر المواضع لأجل الاشتباه، ومحرّم عليه بالنّص خمسة أصناف من النبات هي: البصل والثوم والقرع وأصل نبات كالجزر يسمّى «كرنجن» ونبات آخر ينبت حول حياضهم يسمّى «نالي».
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع