تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

سح- في المباح والمحظور من المطاعم والمشارب

الإماتة في الأصل محظورة عليهم بالاطلاق كما هو على النصارى والمانويّة، ولكنّ الناس يقرمون الى اللحم وينبذون فيه وراء ظهورهم كلّ امر ونهي، فيصير ما ذكرناه مخصوصا بالبراهمة لاختصاصهم بالدين ومنع الدين ايّاهم عن اتّباع الشهوات، كالمثال فيمن هو فوق اساقفة النصارى من «مطران» و «جاثليق» و «بطرك» دون من يسفل عنهم من «قسّ» و «شمّاس» الّا من ترهبن منهم زيادة على رتبته، وإذا كان الأمر على هذا ابيحت الإماتة بالتحنيق وإمساك النفس في بعض الحيوان دون بعض، وحرّمت الميتة من المباحات اذا ماتت حتف انفها؛ فأمّا المباحات فهي الضأن والمعز والظباء والأرانب و «كنده» القرنيّ الأنف والجواميس والسمك والطير المائيّة والبرّية منها كالعصافير والفواخت والدراريج والحمام والطواويس وما لا يعافه النفس ممّا لم يرد به حظر، والمنصوص على تحريمه البقر والخيل والبغال والأحمرة والأبعرة والفيلة والدجج الأهليّة والغربان والببغاء والشارك وبيض جميعها بالاطلاق والخمر الّا لشودر؛ فإنّ شربها مباح له وبيعها محظور عليه كبيع اللحم؛ وقد قال بعضهم انّ البقر كان قبل «بهارث» مباحا ومن القرابين ما فيه قتل البقر الّا انّه حرّم بعد بهارث لضعف طباع الناس عن القيام بالواجبات كما جعل «بيذ» وهو في الأصل واحد اربعة اقسام تسهيلا على الناس، وهذا كلام قليل المحصول فإنّ تحريم البقر ليس بتخفيف

ورخصة وإنّما هو تشديد وتضييق، وسمعت غير هؤلاء يقولون انّ البراهمة كانت تتاذّى بأكل لحمان البقر، لأنّ بلادهم جروم وبواطن الأبدان فيها باردة والحرارة الغريزيّة فيها فاترة والقوّة الهاضمة ضعيفة يقوّونها بأكل اوراق التنبول عقب الطعام ومضغ الفوفل، فيلهب التنبول بحدّته الحرارة وينشف ما عليه من النورة البلّة ويشدّ الفوفل الأسنان واللثة ويقبض المعدة، ولمّا كان كذلك حظروه للغلظ والبرودة، وأنا اظنّ في ذلك احد امرين، امّا السياسة فإنّ البقر هي الحيوان الذي يخدم في الأسفار بنقل الأحمال والأثقال وفي الفلاحة بالكرب والزراعة وفي الكذخذاهيّة بالألبان وما يخرج منها، ثمّ ينتفع بأخثائه بل في الشتاء بأنفاسه، فحرّم كما حرّمه الحجّاج لمّا شكى اليه خراب السواد، وحكى لي انّ في بعض كتبهم: انّ الأشياء كلّها شيء واحد وفي الحظر والإباحة سواسية، وإنّما تختلف بسبب العجز والقدرة، فالذئب يقتدر على حطم الشاة فهي اكلته والشاة تعجز عنه وقد صارت فريسته، ووجدت في كتبهم ما شهد بمثله إلّا انّ ذلك يكون للعالم بعلمه اذا حصل فيه على رتبة يستوي فيها عنده البرهمن و «جندال» وإذا كان كذلك استوت عنده ايضا سائر الأشياء في الكفّ عنها، فسواء كانت كلّها حلالا اذ هو مستغن عنها او كانت حراما فإنّه غير راغب فيها، فأمّا من له فيها ارب باستحواذ الجهل عليه فبعض له حلال وبعض عليه محرّم والسور بينهما مضروب.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.