تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

سط- في المناكح والحيض وأحوال الأجنّة والنفاس

النكاح ممّا لا يخلو منه امّة من الأمم لأنّه مانع عن التهارج المستقبح في العقل وقاطع للاسباب التي تهيّج الغضب في الحيوان حتى يحمل على الفساد، ومن تأمّل تزاوج الحيوانات واقتصار كلّ زوج منها بزوجة وانحسام اطماع غيره عنهما استوجب النكاح واحتوى السفاح انفة للقصور عن رتبة ما هو دونه من الحيوانات؛ ولكلّ امّة فيه رسوم وخاصّة من ادّعى منهم شريعة وأوامر له إلاهيّة، ومن شأن الهند ان يكون التزويج فيهم على صغر السن ولذلك يعقده الأبوان لأبنائهم، فيقيم البراهمة فيه رسوم القرابين ويبثّ فيهم وفي غيرهم الصدقات، وتظهر آلات الأفراح، ولا يسمّى بينهما مهر، وإنّما يكون فيه للمرأة صلة بحسب الهمّة ونحلة معجلة لا يجوز ارتجاعها إلّا ان تهبها المرأة بطيبة من نفسها، ولا يفرق بين الزوجين إلّا الموت اذ لا طلاق لهم، وللرجل ان يتزوّج بأكثر من واحدة الى اربع، وما فوق الأربع محرّم عليه إلّا ان تموت احدى من تحت يده منهنّ فيتمّم العدد بغيرها ولا يتجاوزه، وأمّا المرأة اذا مات زوجها فليس لها ان تتزوّج، وهي بين احد امرين- إمّا ان تبقى ارملة طول حياتها وإمّا ان تحرق نفسها وهو افضل حاليها لأنّها تبقى في عذاب مدّة عمرها، ومن رسمهم في نساء ملوكهم

الإحراق شئن او أبين احتراسا عن زلّة تندر منهنّ، ولا يتركون منهنّ إلّا العجائز او ذوات الأولاد اذا تكفّل الابن بصيانة الأمّ وحفظها؛ والقانون في النكاح عندهم انّ الأجانب افضل من الأقارب، وما كان ابعد في النسب من الأقارب فهو افضل ممّا قرب فيه، فأمّا ما جرى على استقامة الى اسفل اعني ابنة الأولاد وأولاد الأولاد وإلى اعلى من امّ وجدّة وأمّهاتهنّ فمحرّم اصلا، وأمّا ما انحرف عن الاستقامة وتفرّع الى الجانبين من اخت وبنت اخت وعمّة وخالة وبناتهما فكذلك في التحريم إلّا ان يتباعد بالأنسال خمسة ابطن متوالية في الولاد، فيزول التحريم حينئذ مع بقاء الكراهة، ومنهم من يرى عدّة النساء بحسب الطبقات حتى يكون للبرهمن اربعا ولكشتر ثلاثا ولبيش اثنتين ولشودر واحدة، ويجوز لكلّ واحد من اهل الطبقات ان يتزوّج في طبقته وفيما دونها ولا يحلّ له ان يتزوّج من طبقة فوق طبقته، ويكون الولد منسوبا الى طبقة الأمّ دون الأب، فإن كانت امرأة البرهمن مثلا برهمنا كان الولد كذلك وإن كانت شودرا كان شودرا، ولكنّ البراهمة في زماننا وإن حلّ لهم ذلك لا يفعلونه ولا يتجاوزون في التزويج غير طبقتهم؛ وأمّا الحيض فإنّ اكثره بالرؤية ستّة عشر يوما وبالتحقيق هو الأربعة الأيّام الأولى، وإتيان المرأة فيها محظور بل قربها في البيت كذلك فإنّها حينئذ نجسة، فإذا انقضت الأيّام الأربعة واغتسلت طهرت وحلّ اتيانها وإن لم ينقطع عنها الدم فإنّ ذلك ليس بحيض وإنّما هو مادّة للاجنّة وواجب على البرهمن اذا اراد اتيان النساء طلبا للولد ان يقيم قربانا للنار يسمّى «كربادهن» وإنّما لا يفعل لأنّه يحتاج فيه الى حضور المرأة والحياء يمنع عن ذلك، فيؤخّر ويجمع الى الذي يتلوه في الشهر الرابع من الحبل ويسمّى «سيمنتونن» فإذا وضعت المرأة حملها اقيم قربان ثالث بين الولادة وبين الارضاع يسمّى «جات كرم» ولا يسمّى باسم إلّا بعد انقضاء ايّام النفاس، وقربان الاسم يسمّى «نام كرم»، وما دامت المرأة نفساء لم تقرب من آنية ولم يؤكل في دارها

شيء ولم يوقد نارا فيها «برهمن»، وتلك الأيّام تكون لبرهمن ثمانية ولكشتر اثني عشر ولبيش خمسة عشر ولشودر ثلاثين، ومن دونهم فغير معدود ليس له في الرسوم حدّ محدود، وأكثر الرضاع ثلاثة احوال من غير وجوب، والعقيقة في الثالثة وثقب الأذن في السابعة او الثامنة؛ ويظنّ الناس بالزناء انّه مباح عندهم، كما شرط «اصبهبذ كابل» ايّام فتحها وإسلامه ان لا يأكل لحم بقر ولا يتلوّط، وليس الأمر عندهم كما يظنّ ولكنّهم لا يشدّدون في العقوبة عليه، والآفة فيه من جهة ملوكهم، فإنّ اللواتي تكنّ في بيوت الأصنام هنّ للغناء والرقص واللعب لا يرضى منهنّ «برهمن» ولا سادن بغير ذلك، ولكنّ ملوكهم جعلوهنّ زينة للبلاد وفرحا وتوسعة على العباد، وغرضهم فيهنّ بيت المال ورجوع ما يخرج منه الى الجند اليه من الحدود والضرائب، وهكذا كان عمل عضد الدولة وأضاف اليه حماية الرعيّة عن عزاب الجند.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.