تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

ع- في الدعاوي

القاضي يطالب المدّعي بالكتاب المكتوب على المدّعي عليه بالخطّ المعروف المرشح لأمثاله والبيّنة المثبتة فيه، فان لم يكن فالشهود بغير كتاب، ولا اقلّ في عددهم من اربعة فما فوقها إلّا ان تكون عدالة الشاهد مقررة عند القاضي فيجيزها ويقطع الحكم بشهادة ذلك الواحد من غير ان يترك التجسّس في السرّ والاستدلال بالعلامات في العلانية وقياس بعض ما يظهر له الى بعض والاحتيال لاستنباط الحقيقة كما كان يفعله اياس بن معاوية، فإن عجز المدّعي عن اقامة البيّنة لزم المنكر اليمين ويجوز ان يصرفه الى المدّعي ويقبله عليه فيقول له: احلف انت على صحّة دعواك حتى اخرجها اليك؛ والأيمان اجناس كثيرة بحسب مقدار الدعوى، فبالشيء اليسير مع رضاء الخصم باليمين يقول بين يدي خمسة نفر من علماء البراهمة: ان كنت كاذبا فله من ثواب اعمالي ما يساوي ثمانية اضعاف ما يدّعيه عليّ، وفوق هذه اليمين: ان يعرض عليه شرب «البيش» المعروف ببرهمن وهو شرّ انواعه فإنّه ان كان صادقا لم يضرّه شربه، وفوق هذه: ان يجاء به الى نهر شديد الجري عميق القرار، او الى بئر بعيدة القعر كثيرة الماء فيقول للماء: انت من اطهار الملائكة عارف بالسرّ والعلانية فاقتلني ان كنت كاذبا

واحرسني ان كنت صادقا، ثمّ يحتوشه خمسة نفر ويلقونه فيه، فإنّه ان كان صادقا لم يغرق فيه ولم يمت، وفوق هذه: ان يوجّه القاضي كلي الخصمين الى موضع اشرف اصنام تلك المدينة او المملكة، فيصوم المنكر عنده ذلك اليوم، ثمّ يلبس ثيابا جددا بالغد ويقف هناك مع خصمه، ويصبّ السدنة على الصنم ماء ويسقونه ايّاه، فإنّه ان كان كاذبا قاء الدم من ساعته، وفوق هذه: ان يوضع المنكر في كفّة الميزان ويعادل بما يوازيه من الأثقال ثمّ يخرج منها ويترك الميزان على حاله، فيستشهد على صدقه الروحانيّين والملائكة والأشخاص السماويّة واحدا بعد آخر ويثبت جميع ما يقوله في كاغذه ويشدّ على رأسه، ويعاد بحاله الى الكفّة، فإنّه ان كان صادقا ثقل عن الوزن الأوّل، وفوق هذه: انّه يؤخذ سمن ودهن حلّ بالسويّة ويغليان في قدر، ويطرح فيها لعلامة الإدراك وردة يكون ذبولها واحتراقها تلك العلامة، وإذا بلغ غايته طرح في تلك القدر قطعة ذهب ويؤمر المنكر بإخراجها بيده، فإنّه ان كان محقّا اخرجها، ثمّ عظمى الأيمان: ان تحمي زبرة حديد الى حدّ تكاد تذوب وتوضع بالكلبتين على كفّ المنكر ليس بينها وبين الجلد سوى ورقة عريضة من اوراق النبات تحتها حبّات ارزّ في قشورها قليلة متفرّقة، ويؤمر بحملها سبع خطوات ثم يرمي بها الى الأرض.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.