من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
عا- في العقوبات والكفّارات
مثال الحال فيهم على شبيه بحال النصرانيّة فإنّها مبنيّة على الخير وكفّ الشرّ من ترك القتل اصلا ورمي القمصان خلف غاصب الطيلسان وتمكين لاطم الخدّ من الخدّ الأخرى والدعاء للعدوّ بالخير والصلوات عليه، وهي لعمري سيرة فاضلة ولكنّ اهل الدنيا ليسوا بفلاسفة كلّهم، وإنّما اكثرهم جهّال ضلّال لا يقوّمهم غير السيف والسوط، ومذ تنصّر «قسطنطينوس» المظفّر لم يسترح كلاهما من الحركة فبغيرهما لا تتمّ السياسة، كذلك الهند، فقد ذكروا انّ امور الايالة والحروب كانت فيما مضى الى البراهمة وفي ذلك كان فساد العالم من جهة انّهم اجروا السياسة على مقتضى كتب الملّة من السيرة العقليّة ولم يطرد ذلك لهم مع ذوي العيث والزعارّة، وكاد الأمر يعجزهم عن القيام بما اليهم من امر الديانة فتضرعوا الى ربهم فيه، حتى افردهم «براهم» لما اليهم وجعل السياسة والقتال الى «كشتر»، ولذلك صار معاش البراهمة من السؤال والكدية، وحصلت العقوبات في الناس بالذنوب من جهة الملوك لا العلماء؛ فأمّا امر القتل فإنّ القاتل اذا كان برهمنا والمقتول من سائر الطبقات لم يلزمه إلّا كفّارة وهي تكون بالصوم والصلاة والصدقة، وإن كان المقتول برهمنا ايضا كان امره الى الآخرة ولم يجزه
كفّارة اذ الكفارة تمحو الذنوب وليس شيء يمحو من البرهمن كبائر الآثام وعظماها قتل البرهمن ويسمّى وزره «برهم هت» ثمّ قتل البقر ثمّ شرب الخمر ثمّ الزناء وخاصّة مع من هو لأبيه او لأستاذه، على انّ الولادة لا يقتصّون من «برهمن» او «كشتر» ولكنّهم يستصفون ماله وينفونه من ممالكهم، وأمّا من دون البراهمة وكشتر فإن قتل بعضهم بعضا يكفّر بكفّارة ولكنّ الولاة يقيمون فيهم القصاص للاعتبار؛ وأمّا السرقة فعقوبة السارق بمقدارها، فإنّها ربّما اوجبت التنكيل بالافراط والتوسّط وربّما اوجبت التأديب، والتغريم وربّما اوجبت الاقتصار على الفضيحة والتشهير، فإن كان المقدار عظيما سمل الولاة البرهمن او قطعوه من خلاف وقطعوا كشتر ولم يسملوه وقتلوا غيرهما، وعقوبة الزانية ان تخرج من بيت الزوج وتنفى؛ وكنت اسمع انّ من يهرب من المماليك الهنديّين عائدا الى بلادهم ودينهم يفرض عليه للكفّارة صيام وينقع في اخثاء البقر وأبوالها وألبانها ايّاما معدودات حتى يختمر فيها، ويخرج من النجاسة ويطعم ما يشبه ما هو فيه وأمثال ذلك، فسألت البراهمة عنه فأنكروه وزعموا ان لا كفّارة له ولا رخصة في اعادته الى ما كان فيه وكيف والبرهمن اذا طعم في بيت «شودر» ايّاما يسقط عن طبقته ولا يعود اليها!
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع