من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
عب- في المواريث وحقوق الميّت فيها
الأصل عندهم في المواريث سقوط النساء منها ما خلا الابنة، فإنّ لها ربع ما للابن بنصّ على ذلك في كتاب «من»، فإن لم تكن متزوّجة انفق عليها الى وقت التزويج وكان جهازها من ميراثها، ثمّ قطعت النفقة حينئذ عنها، وأمّا الزوجة فإنّها ان لم تحرق نفسها وآثرت الحياة كان على الوارث رزقها وكسوتها ما دامت، وديون الميّت على الوارث يقضيها ممّا ورث او من صلب ماله سواء خلّف الميّت شيئا او لم يخلّف، وكذلك النفقات المذكورة تلزمه على كلّ حال؛ والأصل في الورثة وهم ذكران لا محالة انّ الاسفل عن الميّت او كد امرا وأحقّ بالإرث من الذي يعلوه اعني انّ الابن وأولاده اولى من الأب والأجداد، ثم ما كان في جنبة واحدة من السفل والعلو فالأقرب الى الميّت اولى من الأبعد عنه اعني انّ الابن اولى من ابن الابن والأب اولى من الجدّ، وما عدل عن الاستقامة النسليّة كالإخوة فأضعف ولا يرثون الّا عند عدم الأقوى، فمعلوم من ذلك انّ ابن الابنة اولى من ابن الأخت وأنّ ابن الأخ اولى من كليهما، فإن كانوا عدّة في جنس واحد كالأبناء او كالاخوة فالقسمة بينهم بالسويّة، وخنثاهم في جملة الذكران، فإن لم يكن للميّت وارث كانت التركة الى بيت مال الوالي إلّا ان يكون الميّت برهمنا، فليس للوالي على تركته سبيل ولكنّها تكون للصدقة فقط؛ وأمّا ما لزم الوارث اقامته من حقوق الميّت في السنة الأولى فهو ستّ عشرة ضيافة يطعم فيها ويتصدّق منها في كلّ واحد من
اليوم الحادي عشر والخامس عشر من يوم موته وفي كلّ شهر مرّة، وللتي في سادس الشهور منها مزيّة على غيرها في الكثرة والجودة، وقبل تمام السنة بيوم وهي تكون له وللاجداد ثمّ خاتمة السنة وقد انقضت حقوقه بانقضائها، فان كان الوارث ابنا وجب عليه الحداد والحزن واجتناب النساء طول هذه السنة ان كان ولد حلال ومن مغرس طيّب، ويجب ان يعلم انّ الطعام يحرم على الورثة يوما واحدا من اوّل هذه السنة، ويجب عليهم معما ذكرنا من الصدقات الستّ عشرة ان يهيّئوا فوق باب الدار شبه رفّ بارز من الجدار مكشوف للسماء يضعون عليه كلّ يوم قصعة طبيخ وكوز ماء الى تمام عشرة ايّام من وقت الموت، عسى ان الروح لم تستقرّ بعد فتتردّد حول الدار في جوع او عطش؛ وإلى قريب منه اشار «سقراط» في كتاب «فادن» في النفس الحائمة حول المقابر لما عسى ان يكون فيها من بقيّة المحبّة الجسدانيّة، وفي قوله: قد قيل في النفس انّ من عادتها ان تجمع من كلّ واحد من اعضاء الجسد شيئا ينضمّ ويكون في هذا العالم سكناه وفي الذي بعده اذا فارقت الجسد وانحلّت منه بموته، ثمّ في عاشر هذه الأيّام يتصدّق باسمه طعام كثير وماء بارد، وبعد اليوم الحادي عشر يوجّه كلّ يوم من الطعام ما يكفي نفسا واحدة ودرهم معه الى بيت «برهمن» ويداوم ذلك طول ايام السنة ولا يقطع الى آخرها.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع