من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
عج- في حقّ الميّت في جسده والأحياء في أجسادهم
كانت أجساد الموتى فيما مضى من الأزمنة الأولى تدفع الى السماء بأن تلقى في الصحارى مكشوفة لها ويخرج المرضى اليها وإلى الجبال ويتركون فيها، فإن ماتوا كانوا كما قلنا وإن أبلّوا رجعوا بأنفسهم إلى منازلهم، ثمّ جاء بعد ذلك من تولّى وضع السنن وأمرهم بدفعها الى الريح، فأقبلوا على بناء بيوت لها مسقّفة بحيطان مشبّكة يهبّ الريح منها عليها على مثال الحال في نواويس المجوس، ومكثوا على ذلك برهة الى أن رسم لهم «ناراين» دفعها الى النار فمنذ ذلك الوقت يحرقونها فلا يبقى منها شيء من وضر أو عفونة أو رائحة إلّا ويتلاشى بسرعة ولا يكاد يتذكّر؛ والصقالبة في زماننا يحرقون الموتى ويتخيّل من جهة اليونانيّين أنّهم كانوا فيهم بين الإحراق وبين الدفن، قال «سقراط» في كتاب «فادن» لمّا سأله «أقريطن» على أيّ نوع يقبره فقال: كيف ما شئتم أن انتم قدّر تم عليّ ولم أفرّ منكم، ثمّ قال لمن حوله: تكفّلوا بي عند أقريطن ضدّ الكفالة التي تكفّل هو بي عند القضاة فإنّه تكفّل على أن أقيم وأنتم فتكفّلوا على أن لا أقيم بعد الموت، بل اذهب ليهون على أقريطن إذا رأى جسدي وهو يحرق أو يدفن فلا يجزع ولا يقول: أنّ سقراط يخرج أو يحرق أو يدفن، وأنت يا أقريطن فاطمئنّ في دفن
جسدي، وافعل ذلك كما تحبّ ولا سيّما بموجب النواميس، وقال «جالينوس» في تفسيره لعهود «بقراط»: أنّ من المشهور من أمر «اسقليبيوس » أنّه وقع الى الملائكة في عمود من ناركما يقال في «ديونوسس» و «ايرقلس» وسائر من عنى بنفع الناس واجتهد، ويقال أنّ الله فعل بهم ذلك كيما يفنى منهم الجزء الميّت الأرضيّ بالنار ثمّ يجتذب بعد ذلك جزءهم الذي لا يقبل الموت ويرفع أنفسهم الى السماء، وهذه اشارة الى الإحراق وكأنّه لم يكن إلّا للكبار؛ وكذلك يقول الهند أنّ في الإنسان نقطة بها الإنسان انسان، وهي التي تتخلّص عند انحلال الأمشاج بالإحراق وتبدّدها، ورأوا في هذا الرجوع أنّ بعضه يكون بشعاع الشمس تتعلّق به الروح وتصعد وأنّ بعضه يكون بلهيب النار ورفعها ايّاها كما كان يدعو بعضهم أن يجعل الله طريقه اليه على خطّ مستقيم لأنّه أقرب المسافات ولا يوجد الى العلو إلّا النار أو الشعاع، وكان الأتراك الغزّيّة ذهبوا الى ما يشبهه في الغريق فإنّهم يضعون جيفته على سرير في الشطّ ويعلّقون حبلا من قائمته ويلقون طرفه في الماء ليصعد به روحه للبعث، ثمّ قوّى عقيدة الهند في ذلك قول «باسديو» في علامة المتخلّص من الرباط: أنّ موته يكون في «أوتراين» في النصف الأبيض من الشهر فيما من سرج مسرجة أي فيما بين الاجتماع والاستقبال في أحد فصلى الشتاء والربيع، وإلى هذا ذهب «ماني» في قوله: أنّ أهل الملل يعيّروننا بأنّا نسجد للشمس والقمر ونقيمهما كالوثن، لأنّهم لم يعرفوا حقيقتهما وأنّهما مجازنا وباب خروجنا الى عالم كوننا كما شهد بذلك عيسى، زعم، قالوا وقد أمر البدّ بارسال جثث الموتى في الماء الجاري، فلذلك يطرحها الشمنيّة أصحابه في الأنهار؛ فأمّا الهند فيرون من حقّ جثّة الميّت على الورثة أن تغسل وتعطّر وتكفن ثمّ تحرق بما أمكن من صندل أو حطب، وتحمل بعض عظامه المحترقة الى نهر «كنك» وتلقى
فيه ليجري عليها كما جرى على عظام أولاد «سكر» المحترقة فأنقذهم من جهنّم وحصّلهم في الجنّة، وباقي رماده يطرح في بعض الأدوية الجارية، ويقبر موضع احتراقه ببناء شبه ميل عليه مجصّص، ولا يحرق من الأطفال ما قصر سنّه عن ثلاث، ثمّ يغتسل من يتولّى ذلك مع ثيابه يومين بسبب جنابة الميّت، ومن عجز عن الإحراق مال به الى الإلقاء في الصحراء أو في الماء الجاري؛ وأمّا حقّ الحيّ في جسده فلا يميل فيه الى الإحراق إلّا الأرملة التي تؤثر اتّباع زوجها أو الذي مل حياته وتبرّم بجسده من مرض عياء وزمانة لازمة أو شيخوخة وضعف، ثمّ لا يفعله مع ذلك ذو فضيلة وإنّما يؤثره «بيش» أو «شودر» في الأوقات المرجوّة الفاضلة طلبا لحال أفضل ممّا هو عليه عند العود، ولا يجوز ذلك بالنصّ لبرهمن أو «كشتر» ولأجل هذا يقتل نفسه من يقتلها منهم في أوقات الكسوف أو يستأجر من يغرقه في نهر «كنك» ويتولّى امساكه حتى يموت؛ وعلى ملتقى نهري «جمن» وكنك شجرة عظيمة تعرف بپرياك من جنس الشجر التي تسمّى «بر»، وخاصّيّتها أنّه يبرز من فروعها نوعان من الأغصان أحدهما الى فوق كما لسائر الأشجار والآخر الى أسفل على هيئة العروق غير مورق، فإن دخل الأرض صار للغصن بمنزلة العماد، وهيّئ ذلك لها لفرط انبساط فروعها، وعند هذه الشجرة المذكورة يقتل أولئك أنفسهم بأن يصعدونها ويرمون بأنفسهم الى ماء كنك؛ وحكى يحيى النحويّ أنّ قوما في جاهليّة اليونانيّين أنا أسميّهم زعم عبدة الشيطان كانوا يضربون أعضاءهم بأسيافهم ويلقون أنفسهم في النيران ولم يكونوا يألمون بهما، وكما حكينا عن الهند فكذلك قال «سقراط» بالسويّة: لا ينبغي لأحد أن يقتل نفسه قبل أن يسبّب الآلهة له اضطرارا ما وقهرا كالذي حضرنا الآن، وقال أيضا: أنّا معشر الناس كالذين في حبس ما، وإنّه لا ينبغي أن نهرب ولا أن نحلّ أنفسنا منه فإنّ الآلهة تهتمّ بنا لأنّا معشر الناس خدماء لهم.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع