من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)
عد- في الصيام وأنواعها
الصيام كلّها عندهم تطوّع ونوافل ليس منها شيء مفروض، والصوم هو إمساك عن الطعام مدّة ما، ثمّ يختلف بحسب مقدار المدّة وبحسب صورة الفعل، فأمّا الأمر المتوسّط الذي به تحصل شريطة الصوم فهو أن يعيّن اليوم المصوم ويضمر اسم من يتقرّب به إليه ويصام لأجله من الله أو أحد الملائكة أو غيرهم، ثمّ يتقدّم هذا الفاعل ويجعل طعامه في اليوم الذي قبل يوم الصوم عند الظهيرة وينظّف الأسنان بالتخليل والسواك وينوي صوم الغد، ويمتنع من وقتئذ عن الطعام، فإذا أصبح يوم الصوم استاك ثانية واغتسل وأقام فرائض يومه، وأخذ بيده ماء ورمى به في جهاته وأظهر اسم من يصوم له بلسانه وبقي على حاله الى غد يوم الصوم، فإذا طلعت الشمس فهو بالخيار في الإفطار ان شاءه في ذلك الوقت وإن شاء أخّره الى الظهيرة، فهذا النوع يسمّى «أوب باس» وهو الصوم لأنّ الأكل إذا كان من الظهيرة الى الظهيرة يسمّى «يك نكد» ولا يسمّى صوما؛ ومنه نوع آخر يسمّى «كرجر» وهو: أن يطعم في يوم ما وقت الظهيرة وفي اليوم الثاني وقت العتمة، ولا يأكل في اليوم الثالث إلّا ما يدفع اليه غير مطلوب، ثمّ يصوم اليوم الرابع، ومنه نوع يسمّى «پراك» وهو: أن يجعل طعامه وقت الظهيرة ثلاثة
أيّام متوالية، ثمّ يحوّله الى وقت العتمة ثلاثة أيّام متوالية، ثم يصوم ثلاثة أيّام متوالية لا يفطر فيها البتّة، ومنه نوع يسمّى «جندراين» وهو: ان يصوم يوم الاستقبال ويتناول في اليوم الذي يتلوه من الطعام قدر مضغة ملء الفم ويضعفها في اليوم الذي بعده ويجعلها في اليوم الثالث ثلاثة أضعافها الى أن يبلغ يوم الاجتماع على هذا التزايد، فيصومه ثمّ يتراجع من المقدار الذي بلغه طعامه بنقصان مضغة مضغة الى أن يفنى عند بلوغ الاستقبال، ومنه نوع يسمّى «ماسواس» وهو:
أن يصوم بالوصال أيّام شهر متوالية لا يفطر فيها بتّة؛ ثمّ يفصّلون ثواب هذا الصوم في الشهور عند العود بعد الممات، ويقولون: إذا واصل صوم أيّام «جيتر» نال الغنى وقرّة العين بنجابة الأولاد، وإذا واصل «بيشاك» تراّس على قبيلته وعظم في جيشه، وإذا واصل «جيرت» حظي بالنساء، وإذا واصل «آشار» نال اليسار، وإذا واصل «شرابن » نال العلم، وإذا واصل «بهادرپت» نال الصحّة والشجاعة والغنى والمواشي، وإذا واصل «أشوجج» لم يزل مظفّرا على اعدائه، وإذا واصل «كارتك» جلّ في الأعين ونال ارادته، وإذا واصل «منكهر» نال الولادة في أطيب مملكة وأخصبها، وإذا واصل «پوش» نال الحسب الرفيع، وإذا واصل «ماك» أصاب أموالا لا تحصى، وإذا واصل «بالكن» عاد محبّبا، ومن واصل جميع الشهور فلم يفطر في السنة إلّا اثنتي عشرة مرّة مكث في الجنّة عشرة آلاف سنة وعاد منها الى أهل بيت ذي شرف ورفعة وحسب؛ وفي كتاب «بشن دهرم»: أنّ «ميتري» امرأة «جاكملك» سألت زوجها عمّا يفعله الإنسان حتى ينجو أولاده من الشدائد ومن عاهات البدن، فأجابها بأنّ من ابتدأ بدوي في شهر «پوش» وهو الثاني من كلّ واحد من نصفيه وصام أربعة أيّام متوالية
يغتسل في أوّلها بالماء وفي ثانيها بالسمسم وفي ثالثها بالوجّ وفي رابعها بالعطر المركّب المخلوط وتصدّق في كلّ واحد منها وسبّح بأسماء الملائكة وفعل مثل ذلك في كلّ شهر الى تمام السنة لم يصب أولاده في العود شدّة ولا آفة ونال هو مراده كما ناله «دليب» و «دشنت» و «جنات» أراداتهم لمّا فعلوه.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع