من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ابتداء الممالك مملكة الهند
وهي عند جميع ملوك الكفّار بإجماع منهم مملكة الحكمة، والحكمة من الهند بدؤها. وزعموا أنّهم أوّل من ضمّ المملكة ونصب لها ملكا، فأوّلهم البرهمن الأكبر، وهو الذي أظهر المملكة والحكمة وابتدعهما وصنع السّيوف وآلات الحرب وشيّد الهياكل ورصّعها بالجواهر وصوّر الأفلاك والبروج والكواكب وجعل ذلك كتابة قريبة إلى العقول وأثبته في الأفهام وأشار إلى المبدأ الأوّل المعطي لسائر الموجودات [وجودها]، وذلك الكتاب كتاب السّند هند أي دهر الدّهور، ومنه تفرّعت الكتب: كتاب المجسطي والأرجبهد وغيرهما. وكان اعتقاد البرهمن أنّ الخالق نور لا كالأنوار التي نراها بالأعين لأنّه (نور عليم) سميع بصير. وتزعم الرّوم وغيرها أنّهم إنّما يعبدون أسماء لا يعرفون معناها. وهو أوّل من تكلّم في أوج الشمس وأنّه يقيم في كلّ برج ثلاثة آلاف سنة وأنّه إذا انتقل الأوج إلى البروج الجنوبية انتقلت العمارة فصار العامر غامرا والغامر عامرا. وقد زعموا أنّ في كلّ ستّة وثلاثين ألف سنة يفنى العالم وينشأ عالم آخر، وذلك مدّة قطع الكواكب الثابتة أوج الشمس، وإذا أنشأ الله عالما آخر ألهمهم إلى المنافع والمضارّ وما يعمرون به الأرض، وهذا مذكور في كتاب السّند هند.
وقد كان البرهمن جمع سبعة من حكمائهم فقالوا: تعالوا ننظر من العالم [ما سرّه] ومن أين أقبلنا وإلى أين نمرّ وهل إخراجنا من عدم إلى وجود حكمة أم [ضدّ ذلك و] هل خالقنا ومخترعنا يجتلب منفعة أم هل يدفع بفنائنا مضرّة، وما وجه إبلائه إيّانا وإفنائه لنا بعد إيجادنا. فقال الحكيم الأوّل: أترى أحدا من الناس أدرك الأشياء الحاضرة والغائبة على حقيقة الإدراك فظفر بالبغية واستراح بالثقة؟ وقال الحكيم الثاني: لو تناهت حكمة الخالق في حدّ العقول لكان ذلك نقصا في حكمته وكان الغرض غير مدرك والتقصير مانعا من الإدراك. قال الحكيم الثالث: الواجب أن نبتدئ بمعرفة أنفسنا التي هي أقرب الأشياء إلينا قبل أن نتفرّغ إلى علم ما بعد عنّا. وقال الحكيم الرّابع: لقد ساء موقع من وقع موقعا احتاج فيه إلى معرفة نفسه. وقال الحكيم الخامس: من ها هنا وجب الاتّصال بالعلماء الممدّين بالحكمة. وقال الحكيم السّادس: يجب على المرء المحبّ لنفسه أن (لا يغفل عن ذلك) لا سيّما إذا كان المقام في هذه الدّار ممتنعا.
وقال الحكيم السّابع: ما أدري ما تقولون غير أنّي خرجت إلى الدنيا مضطرّا وعشت فيها حائرا وأخرج منها كارها.
واختلف الهند ممّن خلف وسلف في آراء هؤلاء السّبعة وأقوالهم وتنازعوا في مذاهبهم، فافترقوا على سبعين فرقة، منهم من يثبت الخالق والرسل عليهم الصّلاة من الله والسّلام، ومنهم النّافي للرّسل، ومنهم النافي لكلّ ذلك.
وقد زعموا أنّ البرهمن هو آدم والأكثر منهم على أنّه ملك الهند. والهند تزعم
أنّ آدم سابع سبعة من الآدميّين وأنّ كلّ أدمي منهم كان مدّة ولده ونسله سبعة آلاف سنة، ولا يجعلون للدهر ابتداء ولا انتهاء، ويقول إنّ الله أوّل لا ابتداء له ودائم لا نفاذ له ولا غاية، يخلق عالما بعد عالم وجيلا بعد جيل وينشئ أمّة بعد أمّة، فكما لا تعقل أوّليته ولا غايته فكذلك لا يحيط عباده بمعرفة حكمته ولطف قدرته. والهند تزعم أنّهم يدركون بالرّقي والوهم ما أرادوا به وأنّهم يحلّون ويعقدون بزعمهم.
وكان ملك البرهمن ثلاثمائة سنة وستّين سنة وولده يعرفون بالبراهمة إلى وقتنا هذا والهند تعظّمهم، وهم على مرّ السّنين لا يغتذون بشيء من الحيوان ولا يشربون الخمر ولا الأنبذة، وفي رقاب الرجال والنساء منهم خيوط صفر متقلّدين بها كحمائل السّيوف فرقا بينهم وبين غيرهم من أنواع الهند.
ثم ملك بعده الباهيود ابنه فسلك مسلك أبيه. وفي أيّامه عملت النّرد مثالا للمكاسب وإنّها لا تزال بالكيس. وملك مائة سنة. وقد قيل إنّ أردشير وضع النرد وجعلها اثني عشر شكلا عدد الشّهور والكلاب ثلاثين عدد أيّام الشّهر والفصّين مثالا للقدر وتقلّبه.
ثمّ ملك دينام- وقيل اسمه دبشلم - وهو واضع كتاب كليلة ودمنة (الذي نقله ابن المقفّع وصنّف سهل بن هارون للمأمون كتابا سمّاه ثعله وعفره عارض به كليلة ودمنة). وكان ملكه مائة وعشرين سنة.
ثمّ ملك بلهيت وصنعت في أيّامه الشّطرنج بيّن فيه الظفر الذي يناله الحازم والنكبة التي تلحق الجاهل.
وللهند في الشطرنج سرّ يسرّونه في تضاعيف حسابها ويتغلغلون بذلك إلى ما علا من الأفلاك ويجعلونه متّصلا بالأجسام السّمائية. ولم تزل كلّ طائفة تستعمل عليها فنون الملح والنوادر المضحكة المدهشة، ويزعمون أنّ ذلك ممّا يبعث على لعبها وانصباب الموادّ وصحيح الأفكار، وهو بمنزلة الارتجاز للمقاتل والحدّ للمغنّي. وقال بعض الشعراء:
نوادر الشطرنج في وقتناأحرّ من ملتهب الجمر
كم من ضعيف اللعب كانت لهعونا على مستحسن القمر
وذكر بعض أهل النظر من الإسلاميّين أنّ واضع الشّطرنج كان عدليّا مستطيعا فيما يفعل وأنّ واضع النرد كان مجبرا، فبيّن باللعب بها أنّه لا استطاعة له بل تصرّفه في أمره على حسب ما يوجبه القدر. ولذلك قال الشّاعر الكاتب المعروف بكشاجم:
لا خير في النرد لا يغني ممارسهافضل الذكاء إذا ما كان محروما
تزيل أفعال فصّيها بحكمهماضدّين في الأمر ميمونا ومشؤوما
فما تكاد [ترى] أخا أدبيفوته القمر إلّا كان مظلوما
وقال أبو نواس:
ومأمورة بالأمر تأتي بغيرهولم تتّبع في ذاك غيّا ولا رشدا
إذا قلت لم تفعل وليست مطيعةوأفعل ما قالت فصرت لها عبدا
وقال اليعفيلي: لم تلته الملوك والسّادة وأهل المروّة والشّرف بشيء أحسن من الشطرنج وإنّها حكمة وأدب وتدبير ونظر، ولم تضعها الحكماء لتكون لعبا ولا لهوا ولا هزلا، وإنّما وضعتها للبيان يتبيّن بها صحّة النظر في ابتداء الأمور وعواقبها، ولا يكون إقدام المقدم إلّا بعد رؤية ولا تأخير المتأخّر إلّا بعد هزم. وقد لعب بها التابعون ورخص فيها. وحدّثنا سليمان بن داود عن
ابن معاوية الضرير عن الزّبير بن عدي قال: رأيت الشعبي يلعب بالشطرنج وإلى جانبه قطيفة، فإذا مرّ به جماعة أدخل رأسه فيها، وكان يجيز شهادة اللاعب بها ما لم يكن قمارا ولم يؤخّر بسببها صلاة. وكان الرشيد حبس موسى بن جعفر بن محمّد في دار السّندي بن شاهك، فربّما خرج عليهم من الموضع الذي هو فيه فيراهم يلعبون بها فيقومون عنها فيقول لهم: ارجعوا فإنّه أحسن ما تشاغل به الناس ما لم يكن فيه قمار.
وملك بلهيت ثمانين سنة، ثمّ ملك كورث، وهو الذي عمل له الكتاب الأعظم في الأدواء والعلل وعلاجها وشكّلت الحشائش وصوّرت. وبعد ملكه تحزّبت أحزاب الهند وتفرّقت آراؤها ومملكتها، فتملّك أرض السّند ملك وأرض القنّوج [ملك] - وهو بروزة سمة لهم ولا بحر له- وأرض القشمير ملك والمانكير ملك- وهي الحوزة الكبرى- فسمّي البلّهرى فصارت سمة لمن طرأ من الملوك في هذه الحوزة إلى وقتنا هذا. وبلاد البلّهرى يقال لها الكمكم ومنها يجلب السّاج وبها يكون ... وهي مملكة واسعة، وقد ذكرنا أنّ من حوله من الملوك يصلون إليه.
وينضاف الى مملكة الهند ملك الزّابج وهي مملكة المهراج ملك الجزائر، وهذه المملكة فرق ما بين الهند والصّين. ومعنى المهراج عندهم ملك الملوك.
قال: وليس له مملكة غير الجزائر وليس في ملوك الهند أكثر خيرا منه ولا أقوى دخلا، ويقال إنّ دخل قمار الدّيوك خاصّة يبلغ كلّ يوم في مملكته خمسين منّا من ذهب. ويكون بطواران من جزائره كافور ومعدنه جزيرة رامنا.
ومن كبار ملوكهم ملك قمار والبرانية ملكة الجزائر. وملك قمار قليل المملكة تكون في مملكته مسيرة أربعة أشهر، ويركب له خمسون ألفا إلّا أنّه أحسن الملوك مكافأة يكافئ على الجزء بمائة جزء، وهو أشبههم سيرة بالمسلمين.
ومنهم ملك يقال له الفارفطي و [ملك يقال له] الصّيلمان وينتهي جنده إلى سبعين ألفا إلّا أنّ فيلته قليلة وهي أجرأ فيلة الهند. ومنهم ملك يقال له نجانة وهو شريف منهم وهم السّلوقيّون، ولا يتزوّجون إلّا فيهم لشرفهم. والكلاب السّلوقية إنّما وقعت من بلادهم، فأمّا الصندل الأحمر إنّما يكون في بلاد نجانة. ويليه ملك يقال له الجرر، العدل في مملكته مستفيض ولو أنّ رجلا نشر ذهبا ولؤلؤا يمينا وشمالا في سبل مملكته وطرقات جهاته لما رزأ أحد منهم شيئا. والعرب تدخل إلى بلاده بالتجارات كثيرا، فإن سألوه عند انصرافهم خفرا قال لهم: إن حدث بأموالكم حادث فارجعوا بذلك عليّ فأنا الضامن. له ثقة بأمن بلاده وانتشار العدل في رعيّته، وهو شجاع وذو مكيدة في الحرب وإن لم يقاوم جيشه حبس كبراءهم.
وملك يقال له دهرم. قال الجيهاني: إنّي سمعت من أثق به يقول: ربّما خرج في معسكره بثلاثمائة ألف فصاعدا. ومن بلاده يجلب العود الهندي وليس من
شجر بلاده، إنّما هو يقع هناك من بلاد ملك يقال له القامروب وليس لأحد عود هندي إلّا لملك القامروب، وهو ملك قليل الجيش ومملكته تصل ببلاد الصين، وهؤلاء الملوك كلّهم مخرّمو الآذان.
قال ح: وأهل مملكته يسمّونه ملك الحولا وله في مملكته مدينة يقال لها هذكيرة سوقها نحو من فرسخ وبلاده تشرع على بحر الأغباب- وهو بحر خبيث- ومن مدائن مملكته (مياسر وسمندر وهركر). ويعمل بمياسر حصر من الخيزران لا يشاركهم فيها أحد. والذي يجلب إلى بلادهم الشّنك، وهو أنفق شيء في بلادهم، والودع وهو النون الذي تتّخذ منه الأبواق، فإنّهم يتّخذون منه الحلي لنسائهم ويخترقونهم بدلا من الذهب والفضّة وهم يتبايعون بالودع ويسمّونه الكنج، وهو أعزّ عندهم من الذهب، وربّما اشتريت جارية بالودع وأخرى بالذهب، فتفخر التي اشتريت بالودع وتقول: أنا اشتريت بالكنج.
وملك يقال له الطرسول، وهم بيض الألوان يلبسون القمص السّحولية ولهم شعور يدلونها، وهو بلد واسع المملكة. ويليه ملك يقال له الموجه، والمسك عندهم كثير ومدينتهم حصينة جدّا. وملك يقال له المابد، وبلاده متّصلة ببلاد الصين. ويقال إنّ هؤلاء الثلاثة الطرسول والموجه والمابد يقاتلون ملوك الصين. فأوّل بلادهم على البحر متّصلة ببلاد الصين مسيرة سنتين. وملوكهم يلبسون الحلي والجوهر الفاخر والأسورة والقلائد والوشائح مثل النّساء.
قال: وبين البلّهرى ونجانة ملك يقال له الطاقى - هذه عبارة سمته- وهو ضيّق المملكة كثير المال عامر البلاد وأهل مملكته لهم بياض وجمال ليس يشركهم في ذلك غيرهم.
وملك سرنديب والصوليان- غير الصيلان التي تقدّم ذكرها- يسكن ملكها مدينة بيحور يحيط بها سوران ولها أربعة أبواب: باب من جهة الجنوب يقال له باب البلادج، [والبلادج] عندهم الصّهريج الذي يجتمع فيه الماء من المطر، [وباب] يعرف بباب هوسته، وهذا الباب الذي يخرج منه النصارى بصلبانهم في معايشهم، والثالث يقال له باب الفصيل وهو الذي يدخل منه الملك وحرمه، والباب الرابع يقال له باب العشور وهو الذي يعشر فيه أمتعة التجّار. وفيها أديان شتّى من المسلمين واليهودية والنصارى والمجوسية والثنوية، وأقربهم من الملك رئيس الثنوية فإنّه بنى له بجانب قصره دارا وأنزله فيها. وسيوفهم وحرابهم وجميع ما يصنعون من حديدهم لا يقاربه شيء في المضاء والحدّة.
أخبرني العذري قال: حدّثني ابن الحسن البخاري التّاجر أنّه قدم على ملك سرنديب وهو صاحب مطية وأدخل عليه مع أصحاب المطايا. قال: ورأينا في يده ياقوتتين حمراوين تتّقدان كالجمرتين زنة كلّ واحدة منهما خمسون مثقالا، وهو يلعب بهما من يد إلى يد. وأخبرنا الملك أنّه ممّا يتوارثه ملوك ذلك البلد في قديم الدهر وأنّه لا يوجد مثلهما في جميع بلاد الدّنيا. ورأينا في
عنقه سلك جوهر فيه ثلاثون حبّة مثل بيض الحجل زنة كلّ حبّة منها عشرة مثاقيل كأنّها قد خرطت خرطا مع تصدّع بياضها وجودة فريدها، إلّا أنّ في بعضها حبّتين متّصلتين غير منفصلتين. قال: وأمر الملك فوزنت بين يديه ونحن شهود.
والهند متّصلون بخراسان ممّا يلي الجبال والسّند متّصلة بأرض التّبت. والهند في سياستهم وعقولهم بخلاف سائر السّودان من الزنج والأحابيش وغيرهم.
وقد ذكر جالينوس: في الأسود عشر خصال لا توجد في غيره: تفلفل الشعر وخفّة الحاجبين وانتشار المنخرين وغلظ الشفتين وتحديد الأسنان ونتن الجلد وسواد الخلق وتشقّق الأطراف وطول الذكر وكثرة الطرب- وكثرة طربه لفساد دماغه وضعف عقله ولحمو موضعه ومنشئه جذبت الرّطوبات إلى أعلاه وأهدلت شفتيه وقصرت أنفه وعظّمته وأشالت»
رأسه، فخالف بذلك مزاج دماغه عن الاعتدال، فلم تقدر النفس على إظهار فعلها فيه كاملا. وقد كان طاوس لا يأكل ذبيح الزنج ويقول: هو مشوّه الخلق.
وكان [أبو] العبّاس الراضي بالله ابن المقتدر لا يتناول شيئا من يد الأسود.
والهند لا تملّك الملك حتّى يبلغ أربعين سنة ولا تكاد ملوكهم تظهر لعوامّهم إلّا في برهة من الدهر معروفة لأنّ في نظر العوامّ إليها دائما عندها خرقا لهيبتها واستخفافا لحقّها، ورئاستهم وسياستهم صحيحة. هم يمنعون من شرب المسكر ويعيبون شاربه، وإذا صحّ عندهم ذلك من ملك من ملوكهم استحقّ عندهم الخلع.
قال الجيهاني: ولا يشربه من ملوكهم إلّا ملك المهل وهو صاحب جزيرة سرنديب، فإنّه يحمل إليه من بلاد العرب، وأشدّهم فيه ملك قمار فإنّه يعاقب في السّكر والزنا بالقتل. والزنا عند سائر ملوكهم مباح إلّا في المحصنين، وملك قمار أشدّهم غيرة. قال الكندي: قال أبو عبد الله: وقد رأيت تجّار الهند لا يشربون الشراب قليله ولا كثيره ويعافون الخلّ لذلك فيحمضون ماء الأرزّ ويستعملونه.
والملك مقصور في أهل البيت وكذلك القضاء والوزراء وسائر المراتب لا تغيّر ولا تبدّل.
ومن اعتقاد الهند وأحكامهم قالوا إنّ أصل كتب الهند وسنّتهم من قمار وحكمهم أنّ من ذبح بقرة ذبح بها، وعبّاد قمار لا يقربون المسلمين ويقولون لهم: إنّكم أنجاس لأنّكم تأكلون لحم البقر. وذكر بعض من لابسهم من المسلمين أنّه سمع رجلا من كبار عبّادهم يقول: كشامرشون، قال: ففهمته عنه ومعناه بالهندية: يا من ليس كمثله شيء. قال: فعجبت من ذلك فقلت له: أتعرف ما تقول؟ قال: وا عجباه وتعرفون أنتم ما تقولون؟ قلت له: فلم تعبدون الأصنام من دونه؟ قال: هذه قبلتنا يا جاهل.
ومن عقوبة ملك قمار على شرب الخمر أن تحمى مائة حلقة من حديد بالنار، ثمّ توضع على بدن الرجل فربّما أتلفت نفسه. ومن رأوه من المسلمين يشرب فهو عندهم خسيس لا يعتنون به ويقولون: هذا رجل ليس له قدر في بلاده. وأصل العباد في بلد قمار ويقولون إنّ فيها مائة ألف عابد، وهم أصحاب تسبيح ومعهم سبح لا تفارقهم. ولملك قمار ثمانون قاضيا، ولو ورد عليهم ولد الملك لأنصفوا منه وأقعدوه مقعد الخصم، ووجهوا عليه صريح الحكم.
وأهل قمار ليس عندهم صنم وإنّما يتقرّبون إلى شيء يسمّونه اللّنج من حجارة يكون في ارتفاع قامة الإنسان في صورة إحليل الرجل، وظهر لهم بجبل قمار في شجر عود الطيب، وهو جبل عريض طويل على صورة هذا اللنج الذي من حجارة، فعمل عليه سقف من ذهب وعبدوه أيضا.
ولفراش ملك قمار أربعة آلاف امرأة.
ومن عجيب حكم المهراج في بلاد قنصور، وهم قوم يتحالفون بالنار، إذا خاصم الرجل لصاحبه في دين أو زناء بمحصنة أو سرقة يأمر السّلطان فتؤخذ قطعة حديد قدر رطل أو أكثر فيحمونه بالنار، ثمّ يعمدون إلى ورق هناك يشبه ورق الغار في الغلظ والمتانة وتوضع منها سبع ورقات في كفّه، ثمّ تؤخذ تلك الحديدة بالكلّاب فتوضع على تلك الأوراق، فيمرّ بها ذاهبا وراجعا مقدار ما يخطر الماشي مائة خطوة، فإن احترقت يده والورق جميعا ألزم الذنب، فإن كان عليه القتل قتل، وإن كان عليه الغرم أغرم، وإن لم يكن
له مال كان عبدا للسّلطان يبيعه، وإن لم تحرقه النار قيل للمدّعي: إنّك مبطل. وحكم آخر: يغلّى الماء في قدر يحبس يوما إلى اللّيل حتّى يصير لو قطرت منه قطرة في يد إنسان لأحرقته، ثمّ يطرح فيه خاتم حديد ويقال للمدّعى عليه: أدخل يدك فتناول الخاتم الذي هو في هذا الماء، فيدخل يده فيه فيتناوله، فإن كان بريّا أخرج يده سالمة، وإن كان مقارفا للذنب نضجت يده. وليس في بلاد الصين من هذه الأحكام شيء. ولهم بدائع من الملاهي لا توجد عند غيرهم.
ومن طريف أخبارهم أنّ ملكا من ملوك قمار ولي هذا الصقع الذي يضاف العود القماري إليه- وهو شاطئ بحر وجبال لا جزيرة له، وهم يجتنبون كثيرا من القاذورات مثل الزناء وغيره ويتشبهون كثيرا من خلق الإسلام، وهذه المملكة موازية لمملكة المهراج صاحب الجزائر، وبين موضع ملك صاحب قمار والبحر مسيرة يوم- فتذوكر عنده يوما عظم مملكة المهراج وجلالها.
فقال لوزيره: في نفسي شهوة أحبّ بلوغها، وكان حدثا متسرّعا. فقال:
ما هي؟ فقال: كنت أحبّ أن أرى رأس المهراج بين يديّ. فعلم الوزير أنّ الحسد أثار ذلك الفكر في نفسه، فأنكر الوزير ما سمع منه وقال: إنّه لم يتقدّم منّا ومنهم خلاف ولا ترّة ولا رأى فريق منّا ومنهم سوءا من الآخر، وينبغي أن لا يعيد الملك هذا القول ولا يأخذ فيه مع أحد. وبين موضع مملكة المهراج ومملكة قمار نحو عشرة أيّام في البحر. فلم يسمع منه وأذاع ذلك في قوّاده حتّى اتّصل بصاحب المهراج وكان جزلا محنّكا. فأمر بإعداد ألف مركب بآلتها وتجهيزها بأكمل السّلاح وأهل العناء والنجدة بما تحمله كلّ مركب فيها، وأشاع أنّه يريد التنزّه في جزائر مملكته وكتب إلى ملوك الجزائر بما عزم عليه من زيارتهم وأمر بتلقّيه محتفلين ليرهب من والاه.
فلمّا استتمّت أموره دخل المراكب فعمد إلى قمار واتّصل بدار مملكة صاحبها، وله نهر يصبّ في البحر، فصيّر فيه رجاله فأتوه على حال غرّة وأحدقوا به، فاحتوى على مملكته وأمر مناديا أن ينادي بالأمان في الناس، وقعد على سرير المملكة وقد أخذ صاحب السّرير أسيرا. فأحضره وأحضر وزيره وقرّره على تمنّيته، فلم يجد جوابا. فقال له المهراج: أمّا إنّك لو تمنّيت [مع ما تمنّيته من إباحة أرضي وملكها لاستعملت ذلك فيك، لكنّك تمنّيت شيئا بعينه فأنا فاعله بك] لتكون عظة لمن بعدك. وضرب عنقه وجعله في طست بين يديه وقال للوزير: جزيت من وزير خيرا، فانظر من يصلح للملك بعد هذا الجاهل فأقمه مقامه. وانصرف راجعا إلى بلاده من غير أن يمدّ هو أو أحد من أصحابه [يده] إلى شيء ممّا كان في بلاده وحمل الرأس معه. فلمّا قعد في مملكته وعلى سريره على غدير لبن الذهب وضع الرأس بين يديه في طست ودعا وجوه أهل مملكته وأخبرهم خبره. ثمّ أمر بالرأس فغسل وطيّب ووجّه به إلى الملك القائم بمدينة قمار وكتب إليه: إنّما حملنا على ما فعلنا بصاحبك بغيه علينا، وقد بلغنا منه ما أردنا ورأينا ردّ رأسه إليك إذ لا درك لنا في حبسه والسّلام. واتّصل الخبر بالملوك فعظم المهراج في أعينهم، وصارت بعد ذلك ملوك قمار تقوم بوجوهها كلّ صباح [نحو] بلاد الزّابج فتسجد تعظيما للمهراج.
قال س: وأعظم ملوك الهند الآن البلّهرى وأكثر ملوك الهند تتوجّه في صلاتها نحوه. وبين دار مملكة البلّهرى والبحر ثمانون فرسخا سندية- الفرسخ من ثمانية أميال.
ومن مدن الهند المشهورة قامهل، وهي أوّل حدود الهند (إلى موضعها) إلى صيمور، وهي مدينة كبيرة أيضا، وكنبايه وسوباره وأساول وجداول وسندان والجندرور والسّنداوذ. فمن كنبايه إلى صيمور بلد البلّهرى، ويعرف الملك باسم الناحية. والغالب على هذا البلد الكفر وفيهم مسلمون لا يلي عليهم في زماننا من قبل بلّهرى إلّا مسلم يستخلفه عليهم، وكذلك في كثير من البلدان التي في أطراف المسلمين، فيغلب عليها ملك الكفر كالخزر واللّان وغيرهم لا يقبل المسلمون هناك مضي حكم الكافر ولا يقيم عليهم شهادة إلّا المسلمون وإن قلّوا. وزيّ المسلمين هناك واحد في اللّبسة وإرسال الشّعور.
وبين المنصورة وقامهل ثماني مراحل، وبين قامهل وكنبايه أربع مراحل.
وكنبايه على نحو فرسخ من البحر. وبين سوباره وسندان نحو خمس مراحل، وهي أيضا على نصف فرسخ من البحر. وبين سندان وصيمور خمس مراحل، وبين صيمور وسرنديب خمس عشرة مرحلة.
وأعظم أنهارهم نهر مهران، وقد تقدّم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب، ونهر سندروذ، وهو يصبّ في مهران بين بسمد والملتان، ونهر جندرور، وهو نهر كبير من أعذب المياه وهو في نواحي المنصورة.
وزعموا أيضا أنّ الهند اسم نهر هناك وبه سمّيت الهند.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع