من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر الأخبار عن انتقال البحار
ذكر صاحب المنطق أنّ موضع البرّ قد يكون بحرا وموضع البحر قد يكون برّا. قال: وليس مواضع الأرض الرطبة أبدا رطبة ولا اليابسة أبدا يابسة.
قال: وللمواضع شباب وهرم وحياة كما في الحيوان.
قال س: وقد كان البحر فيما سلف في الموضع المعروف بالنجف- وهو بالحيرة - وكانت ترسى هناك سفن الهند والصين ترد على ملوك الحيرة.
فصار بين الحيرة وبين البحر الآن مسيرة أيّام كثيرة، ومن رأى النجف وأشرف عليه تبيّن له ما وصفنا. ولمّا أقبل خالد بن الوليد في سلطان أبي بكر ﵁ بعد فتح اليمامة وقتل كذّابها يريد الحيرة تحصّن منه أهلها في الحصن الأبيض، وفيه كان إياس بن قبيصة، وقصر القادسية وقصر بني نفيلة وقصر بني مازن. قال: وهذه قصور الحيرة. قال: وهي في وقتنا هذا سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة خراب، وبين هذه القصور وقصر القادسية ثلاثة أميال.
وسمّيت القادسية لأنّ الأعاجم جعلوا قساء من قادس خراسان، وقادس يومئذ أسفل منها [اليوم]، ممّا يلي عين الشّمال. وذكر الحكماء أنّ رستم لمّا أراد العبور أمر بسكر العتيق بحيال قادس، فباتوا ليلتهم يسكرونه بالتراب والقصب والبراذع حتّى جعلوه طريقا، فاستتمّ بعد ما ارتفع النهار من الغد. وذلك عند عبوره للقاء سعد بن أبي وقّاص.
فنزل خالد بالنجف وبعث إليهم أن ابعثوا رجلا من عقلائكم. فبعثوا إليه عبد
المسيح بن عمرو بن قيس بن حيّان بن بقيلة الغسّاني. وبقيلة هو الذي بنى القصر الأبيض، ودعي بقيلة لأنّه خرج يوما وعليه [ثياب] خضر فقال قومه: ما هذا إلّا بقيلة. وعبد المسيح هو الذي أتى سطيحا يسأله عن رؤيا الموبذان وارتجاج الإيوان وما كان من ملك بني ساسان، فأتى عبد المسيح خالدا- وله يومئذ ثلاثمائة سنة وخمسون سنة- وأحبّ أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله. قال له خالد: من أين أفضى أثرك؟ قال: من صلب أبي.
قال: فمن أين جئت؟ قال: من بطن أمّي. قال: فعلى ما أنت ويحك؟
قال: على الأرض. قال: أتعقل؟ قال: أي والله وأقيد. قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال: اللهمّ اخزهم من أهل بلدة فما يزيدوننا إلّا غمّا، أسأله عن شيء فيجيبني عن غيره. قال: لا والله ما أجبتك إلّا عن سؤالك، فسل عمّا بدا لك. قال: أعرب أنتم أم نبط؟
قال: نبط استعربنا وعرب استنبطنا. قال: فحرب أم سلم؟ قال: بل سلم. قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها للسّفيه نمنعه حتّى يأتي الحكيم فينهاه. قال: كم من سنة أتت عليك؟ قال: خمسون وثلاثمائة. قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترقى إلينا من هذه النجف بمتاع الهند والصين وأمواج البحر تضرب ما تحتك، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تأخذ مكتلها فتضعه على رأسها لا تتزوّد إلّا رغيفا، فلا تزال في قرى عامرة وعمائر متّصلة وأشجار مثمرة ومياه عذبة غدقة حتّى ترد الشّام، وتراها اليوم قد أصبحت فيافا، كذلك دأب الله في البلاد والعباد.
قال: فوجم خالد لما سمعه وعرف من هو، وكان مشهورا في العرب بصحّة العقل وطول العمر. قال: ومعه سمّ ساعة يقلّبه في يديه. فقال له خالد: ما هذا معك؟ قال: سمّ ساعة، فإن يك عندك ما يسرّ به ويوافق أهل بلدتي قبلته وحمدت الله عليه، وإن يكن الأخرى لم أكن أوّل من ساق إلى بلده ذلّا، فآكل السمّ وأستريح. قال له خالد: هاته. وأخذه ووضعه في راحتيه
ثمّ قال: بسم الله وبالله بسم الله ربّ الأرض وربّ السّماء، بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السّماء، وهو السّميع العليم. ثمّ اشترطه فلحقته غشية، ثمّ سرى عنه وأفاق كأنّما نشّط من عقال.
فانصرف العبادي إلى قومه- والعباديّون هم النّسطورية من النّصارى- فأخبرهم بما رأى وقال: يا قوم صالحوه فإنّ القوم مصنوع لهم وأمرهم مقبل وأمر بني ساسان مدبر، وسيكون لهذه الأمّة شأن. ثمّ تحدّث بها هنات وهنات. فصالحوه، وقال عبد المسيح:
أبعد المنذرين أرى سواماتروّح بالخورنق والسّدير
فصرنا بعد هلك أبي قبيسكمثل الشّاة في اليوم المطير
تقسّمنا القبائل من معدّعلانية كأيسار الجزور
كذاك الدّهر دولته سجالفيوم من مساة أو سرور
ونحو هذا ما حدث في الجانب الآخر الشّرقي ببغداد من المواضع المعروفة برقّة الشّماسية وما نقل إليها من الجانب الغربي من الضياع التي كانت بين قطربّل ومدينة السّلام، فإنّ ذلك عدد من ضياع قطربّل. وقد كان لأهلها مطالبات مع أهل الجانب الشّرقي ممن يملك رقة الشماسية بحضرة الوزير علي بن عيسى وما أجاب في ذلك.
قال: وذكر جماعة أنّ السّنة التي بعث فيها رسول الله ﷺ إلى كسرى
- وذلك سنة سبع- زاد الفرات والدجلة زيادة لم ير مثلها واتّسعت بثوق عظيمة حملت السّكور والمسنّيات، وطلب الماء الوهاد، وجهد أبرويز أن يردّ مسنّياتها ويقيم شادرواناتها، فغلبه الماء وطما على العمارات فغرق الكور والسّطوح، وشغلت الأعاجم بحرب العرب. فلمّا [ولّي معاوية] ولّى عبد الله بن درّاج مولاه خراج العراق، فغلب الماء المسنّيات والسّكور واستخرج له من الأرض ما بلغت غلّته خمسة عشر ألف ألف. واستخرج الحجّاج أيّام الوليد من البطيحة نحو خمسين فرسخا في مثلها.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع