من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر الأنهار والعيون
اختلف النّاس في الأنهار، فقالوا إنّها في الأرض كالعروق في البدن. وقال آخرون: حقّ الماء أن يكون على سطح، فلمّا اختلفت الأرض فكان منها العالي والهابط انحاز الماء إلى أعماق الأرض، فلمّا انحصرت [المياه] في الأعماق طلبت التنفّس لضغط الأرض من أسفل فتنبثق حينئذ عيونا وأنهارا.
فأمّا النيل فإنّ مبعثه من تحت جبل القمر وراء خطّ الاستواء بسبع درجات ونصف من اثنتي عشرة عينا، فيجتمع في بحيرتين كالبطائح. قال: وهاتان البحيرتان هنا في البلاد المحترقة الجنوبية التي لا يكون فيها نبات ولا حيوان، ثمّ يتشعّب من كلّ بطيحة ثلاثة أنهار تجتمع مع جميعها إلى بطيحة في الإقليم الأوّل، فيخرج من هذه البطيحة نيل مصر. ثمّ ينبعث بين جبال ورمل، ثمّ
يخترق أرض السّودان ممّا يلي بلاد الزنج ويطيف بأرض النّوبة، فيتشعّب منه خليج يصبّ إلى بحر الزنج، وهو بحر جزيرة قنبلو، وسنذكرها إن شاء الله. فيخرق البحر أكثر من ميل عذبا حلوا يتكدّر إبّان زيادة النيل وفيه السّوسمار»
- وهو التمساح الكائن في نيل مصر- ويسمّى الورل أيضا. وذكر أنّ النيل يجري على وجه الأرض تسعمائة فرسخ- ويقال ألف- بين عامر وغامر. وقال غيره إنّ مسافة جريانه من لدن منبعه إلى مصبّه في البحر خمسة آلاف وتسعمائة وثلاثون ميلا، ويقال إنّه يجري في الخراب غير العمران مسيرة أربعة أشهر، في بلاد المسلمين مسيرة شهر وفي بلاد السّودان مسيرة شهرين.
قال الجاحظ: وكلّ نهر في الأرض مخالف للنّيل وهو مستقبل الشّمال.
قال الشّاعر:
مصر ومصر شأنها عجيبوماؤها يجري به الجنوب
وبالنّيل السّمك الرعاد، من صاد منها سمكة لم تزل يده ترعد ما دام في شبكته أو شصّه. وجبل آمد يراه أهله، من انتضى سيفه ثمّ أولجه فيه وقبض على قائمه بجميع يديه اضطرب السّيف في يديه وارتعد هو ولو كان أشدّ الناس. وإذا أحدّ بحجارة ذلك الجبل سكين أو سيف وحمل عليه الحديد لم يؤثّر فيه ويجذب الإبر والمسالّ أشدّ جذب من جبال المغنطيس، ولا يبطل الثوم عمله كما يبطل المغنطيس، بل تبقى تلك القوّة في ذلك الحديد على مرّ الأيّام. وحجر الجبل نفسه لا يجذب الحديد فإن أحدّ عليه سيف أو سكين جذب الحديد، وهذه عدّة أعاجيب.
وإلى بلاد أسوان من صعيد مصر تصعد المراكب من فسطاط مصر. وعلى أميال من أسوان جبال وأحجار يجري النيل في وسطها، وهذا الموضع فارز بين سفن الحبشة في النيل وسفن المسلمين. فيقطع النيل الصعيد ثمّ يمرّ بالفسطاط ثمّ بأرض الفيوم ثمّ يمرّ هابطا فينقسم خلجانا إلى أرض تنّيس ودمياط والإسكندرية كلّ يصبّ إلى البحر الرومي، وقد أحدث بحيرات في هذا الموضع.
د: إذا انتهى إلى دمياط يصبّ في بحيرة كبيرة فيها جزائر، منها تنّيس. فماء تنّيس وجزائر تلك البحيرة عذب إذا هبّت الجنوب، وهم عند ذلك يطرقون بها إلى مصانع صنعوها لذلك، فإذا هبّت الشّمال ملح ماء البحيرة. وقد كان النيل إذ بنى الإسكندر هذه المدينة يتّصل بأسواقها ويمرّ في سككها، وقد بلّطت مجاريها بالمرمر، ثمّ صار الآن النيل منهم على نحو يوم وصار شربهم من الآبار، وهذا ممّا قدّمناه. قال د: والنيل يتشعّب دون الفسطاط شعبتين، فتصير شعبة إلى الرشيد بقرب الاسكندرية وتصير شعبة أخرى إلى دمياط.
فأمّا خليج النيل الذي يتشعّب إلى بحر الزنج [فهو فارز بين بلاد الزنج وبين أقاصي بلاد] أصناف الأحابيش، ولولا هذا الخليج ومفاوز ورمال تليه لم يكن للحبشة مقام في بلادها مع الزنج لكثرة الزنج وبطشها.
وأمّا نهر بلخ الذي يسمّى جيحون- وهو جيحان- وقد جعلها اثنين وهو صحيح. قال: وجيحان منبعه من [بلاد] الرّوم ويجتاز بين المصيصة وكفربيّا ويصبّ في بحر الشّام، ولم يزد على هذا. وقد ذكر س نحو هذا في جيحون ووفّقه أحمد على ذلك فقال: هما نهران، وذكره عن الجيهاني.
قال: منبعث نهر جيحون من بلاد التبّت يقبل من الشرق مع الصبا فيمرّ ببلاد وخّان ويسمّى هناك وخّاب، ثمّ يصير إلى أعلى حدود بلخ ممّا يلي المشرق، ثمّ ينعطف إلى ناحية الشّمال مع الجنوب إلى أن يصير إلى الترمذ، ثمّ يقبل منها إلى زمّ ثمّ إلى خوارزم، فيمرّ بمدينتها، فإذا جاوزها تشعّبت منه أنهار وخلجان ذات اليمين وذات الشمال، فصارت منه [بطائح] وآجام ومروج أسفل من مدينة خوارزم بنحو أربعة فراسخ، ثمّ يمرّ مستقبل الشمال بين الجرجانية- أسفل من المدينة بأربعة وعشرين فرسخا- وبين دور المزداخكان من الشاطئ الشرقيّ، وبه يدعى السّمك هو وابك. فإذا انحدر من هذه المواضع تشعّب منه شعب ذات اليسار إلى ورغدة، وهي المسمّاة بساكرة، وهي أسفل من الجرجانية بأربعة فراسخ، فتصير منه هناك بطائح تسمّى الخلجان، وهو الموضع الذي يصاد فيه السّمك المجلوب من خوارزم إلى النواحي. ويجري بقية النهر إلى البحيرة المذكورة.
قال الجيهاني: ودور هذه البحيرة نحو مائة فرسخ، بين التّنبيه: مستفتها
مسافتها نحو من أربعين يوما في مثلها. ج: وماؤها ملح وليس لها مغيض ظاهر، ويقع فيها نهر جيحون ونهر الشّاش وأنهار غيرهما كثيرة، فلا يعذب ماؤها ولا يزيد فيها. ويشبه- والله أعلم- أن يكون بينها وبين بحر الخزر خرق يتّصل بمائها، وبين البحرين نحو عشرين مرحلة على السّمت.
وأضيق أعبار جيحون على رباط بلخ عرضه نحو ميلين. هذا كلّه من التنبيه.
فأمّا نهر بلخ الذي يسمّى جيحون- وهو نهر المصيصة- فإنّه يجري من أعين فيمرّ ببلاد الترمذ واسفرائين من بلاد خراسان حتّى يأتي بلاد خوارزم، فيفترق في مواضع هناك ويمضي باقيه فيصبّ في بحيرة الجرجانية أسفل خوارزم.
وليس في العمران بحيرة أعظم منها لأنّ طولها مسيرة شهر في نحو ذلك من العرض ودورها أربعمائة فرسخ، وإليها يصبّ نهر فرغانة والشّاش وعليها مدينة للتّرك يقال لها الجديدة فيها المسلمون. والسّفن تجري في هذه البحيرة.
وقد زعم قوم من أهل الخبرة أنّ مبتدأ نهر جيحون يستمرّ خارجا إلى بلخ، ثمّ يصبّ في البحر، وهو يصبّ في ساحل المصيصة من البحر الرّومي. ومقدار جريه على الأرض مائة وخمسون فرسخا، وقيل أربعمائة.
وقد زعم قوم أنّه يصبّ في مهران السّند. [وذكر الجاحظ أن مهران السّند] من نيل مصر واستدلّ بوجود التمساح فيه. ذكر ذلك في كتاب
الأمصار. ونهر مهران السّند يخرج من أعين مشهورة في أعلى بلاد السّند من أرض فتح من مملكة بوروة.
الفرات: مبدؤه من بلاد قالى قلا من ثغور أرمينية من جبل هناك يدعى أفردخش على نحو يوم من قالى قلا، ثمّ يجري في بلاد الروم إلى أن يأتي ملطية، وإذا توسّط بلاد الروم تجلّبت إليه مياه كثيرة وأنهار، ثمّ ينتهي إلى جسر منبج ثمّ إلى بالس، ويمرّ بصفّين في موضع حرب أهل العراق وأهل الشّام، وينتهي إلى الرقّة والرّحبة وهيت والأنبار. وتأخذ منه هناك أنهار مثل نهر عيسى الذي ينتهي إلى مدينة السّلام فيصبّ في دجلة، وغيرها. ثمّ يأخذ الفرات إلى بلاد سورا وقصر ابن هبيرة والكوفة والجامعين والنّرس والطّفوف، إلى البحيرة التي بين البصرة وواسط.
د: وهو يقبل من الشّمال فيكون مقدار جريانه على وجه الأرض نحو خمسمائة فرسخ، وقيل ستّمائة فرسخ. وقد كان الفرات ينتهي إلى بلاد الحيرة ونهرها بيّن إلى هذا الوقت، فيعرف بالعتيق»
، وعليه كانت وقعة المسلمين مع رستم، وهي وقعة القادسية، فيصبّ في البحر الحبشي، وكان البحر يومئذ في الموضع المعروف بالنّجف، وقد تقدّم ذكر هذا. ويقع في الفرات في أرض الجزيرة نهر الخابور بموضع يسمّى قرقيسيا.
وبالبطائح تجتمع هذه المياه وهي ثلاثون فرسخا في ثلاثين، حدّ منها جزيرة العرب وحدّ أرض ميسان وحدّ دجلة بغداد وحدّ مصبّ الفرات والنّهروان.
وهذه البطائح هي مزارعهم وأشجارهم. وقد أخرجت من هذه البطائح أنهار منها نهر مرة- ونهر مرة منسوب إلى مرة بن أبي عثمان مولى عبد الله بن أبي بكر، (وهو عبد الرحمن بن أبي بكر) الصدّيق كتبت عائشة بالوصاة به إلى زياد فأقطعه ذلك النهر، وفيض البصرة يقع في نهر الأبلّة حتّى يخرج إلى دجلة العوراء، ثمّ يقع في بحر الهند، وفيض البصرة هو نهرها الذي البصرة عليه.
وأمّا الدجلة فإنّها تخرج من الإقليم الخامس من بلاد آمد من ديار بكر، موضع يعرف بحصن ذي القرنين، وتصبّ إليها أنهار سريط وساتيدما الخارجة من بلاد أرزن وميّافارقين، وتمرّ بالموصل ويصبّ فيها نهر الخابور الخارج من بلاد أرمينية، والتقاؤه بدجلة [بين مدينة باسورين وقبر سابور] من بلاد قردى- وقال: تلك من بلاد الموصل. وهذه الديّار ديار بني حمدان وفيها يقول الشّاعر:
بقردى [وبازبدى] مصيف ومربعوعذب يحاكي السّلسبيل برود
وبغداد ما بغداد أمّا ترابهافجمر وأمّا حرّها فشديد
وليس هذا نهر الخابور الذي يجري من مدينة رأس العين ويصبّ في الفرات.
ثمّ (تمرّ دجلة) فيصبّ فيها أسفل من الموصل [نهر الزّاب] بين الموصل وجرد والحديثة على فراسخ من الحديثة من الجانب الشرقي، فهذا
الزاب الأكبر والأصغر الواردان من بلاد أرمينية وآذربيجان. ثمّ تنتهي إلى تكريت وسامرّا وبغداد، فيصبّ فيها نهر عيسى وغيره التي ذكرنا أنّها تتشعّب من الفرات. ثمّ تخرج دجلة عن بغداد فتصبّ فيها أنهار كثيرة مثل النهر المعروف بنهر بين ونهر روان ممّا يلي (جرجرايا والسّيب ونيل النعمانية). وإذا خرجت الدجلة عن مدينة واسط تفرّقت أنهارا آخذة إلى بطيحة البصرة مثل سردود وسابس والمصبّ الذي ينتهي إلى القطر وفيه تجري أكثر سفن البصرة من بغداد وواسط. ومقدار جريان دجلة ثلاثمائة فرسخ، وقيل أربعمائة.
وقال أحمد بن عمر: أمّا دجلة الّتي تدعى اليوم بالعوراء فإنّها كانت قبل الإسلام تستقيم (من عند المذار)، وهي اليوم منقطعة فتمرّ ما بين المذار وعبدسى من كور دست ميسان حتّى تخرج عند الخيزرانة فوق فم الصّلح بحضرة واسط، فتمرّ حتّى تأتي المدائن، فكانت سفن البحر تجري من بلاد الهند فتدخل في دجلة البصرة حتّى تأتي المدائن. فتمرّ حتّى تخرج فوق فم الصّلح فتصير إلى دجلة بغداد فتأتي المدائن. ثمّ إنّها خرقت الأرض حتّى مرّت بين يدي واسط حتّى صبّت ماءها في هذه البطائح، والبطائح يومئذ أرض تزرع متّصلة بأرض العرب ومن قبائلها يشكر وباهلة وبنو عبس متّصلة بناحية ميسان وأرضها. فغلب الماء على ما كان من تلك الأرضين منخفضا، فتلك المواضع معروفة بالبطائح تسمّى سرطغان وطستخان قد يرى أثرها في الأرض- أعني أرض البطائح- تحت الماء عند ركود الماء وصفائه فيعلم أنّها
كانت أرضين. وصارت البطائح الأولى وما والاها صحاري ومفاوز، ويصيب المارّة فيها في الصّيف سموم شديد. فلم يبق اليوم من دجلة العوراء إلّا من المذار إلى بحر الهند، وذلك مقدار ثلاثين فرسخا، وهي دجلة البصرة وإليها ينتهي مدّ البحر وجزره.
وكان كسرى أبرويز قد سكر دجلة عند الخيزرانة وإنّه أراد أن يعيد الماء إلى دجلة العوراء وأنفق عليها مالا عظيما، فأعياه ذلك وجرت في موضعها الذي هي اليوم فيه بين يدي واسط. ورام بعد ذلك خالد بن عبد الله أن يسكرها وأنفق الأموال في ذلك، فصفت دجلة ذلك البنيان وخرقته، وآثار ذلك البناء ترى إذا قلّ الماء في دجلة من آجرّ وصاروج، وربّما عطبت فيه السّفن المارّة.
وأمّا سيحان فهو في الثغر الشّامي، وهو نهر أذنة ومخرجه من نحو ثلاثة أميال من مدينة ملطية، ويجري في بلاد الرّوم وليس عليه للمسلمين إلّا مدينة أذنة بين مدينة طرسوس والمصيصة، ويصبّ في البحر الرومي من الثغر الشّامي.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع