تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

بحر باب الأبواب

فأمّا بحر باب الأبواب، وهو بحر الخزر والجيل والدّيلم وجرجان وطبرستان وأنواع من الترك، فينتهي من إحدى جهاته نحو بلاد الخوارزم من بلاد خراسان، ويعرف أيضا بالبحر الخراساني، وطوله نحو ثمانمائة ميل وعرضه ستّمائة ميل، وهو مدوّر الشّكل إلى الطول، وهذا هو بحر الأعاجم معمور من جميع جهاته. وهذا البحر كثير التنّانين وكذلك بحر الشّام.

وقد اختلف النّاس في التنّين، فمنهم من رأى أنّه ريح سوداء تكون في قعر البحر فتظهر إلى الجوّ فتلحق بالسّحاب كالزّوبعة إذا ثارت من الأرض واستدارت وأثارت معها الغبار وهشيم الأرض والنّبات ثمّ ذهبت في الجوّ صعداء، فيتوهّم الناس أنّها حيّات سوداء لسواد السّحاب وذهاب الضّوء وترادف الرّياح. ومنهم من رأى أنّها دوابّ تكون في قعر البحر فتعظم وترعى دوابّ البحر، فيبعث الله عليها ملائكة وسحبا فتخرجها منه، وهي على صورة الحيّة السّوداء لها بريق ولمعان، لا يمرّ ذنبه بشيء إلّا أتى عليه من بناء أو شجر أو جبال، وربّما تنفّس فأحرق الأشجار الكثيرة، فتلقيه السحب في بلاد ياجوج وماجوج. يروي عن ابن عبّاس. وقال قوم إنّها حيّة البرّ تلقيها السّيول في البحر فتعظم وتطول أعمارها فيبقى عمر الواحدة خمسمائة عام.

والفرس تزعم أنّ له رؤوسا سبعة وتسمّيه الأجدهاق. وهذا من الأخبار التي رواها حشوية أصحاب الحديث أنّ قبّة في وسط البحر الأخضر على أربعة أركان من الياقوت الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق ينحدر من كلّ ركن من هذه الأركان نهر ينقسم إلى جهات أربع في ذلك البحر غير مخالط ولا ممايع حتّى ينتهي إلى سواحل البرّ، أحدها النّيل والثاني سيحان والثالث جيحان والرّابع الفرات.

ومنها [أنّ] الملك الموكّل بالبحر يضع عقبه [في] أقاصي بحر الصّين فيفور البحر ويكون المدّ، ثمّ يشيل عقبه فيرجع الماء إلى مركزه. وإن كان كلّ ما ذكرنا عنه ممكنا فإنّه من طريق الأفراد ولم يجيء مجيء التواتر الموجب للعلم والعمل، فإذا صحّت هذه الآثار وجب التسليم والانقياد. وسيأتي ذكر بناء الباب إن شاء الله.

وعلى هذا البحر ممّا يلي الباب والأبواب الموضع المسمّى باغة، وهي النّفاطة من هنا يحمل النفط الأبيض، وهناك آطام وهي عيون النيران تظهر من الأرض وترى في الليل على مسافات كأطمة صقليّة وأطمة وادي برهوت من بلاد الشحر وحضر موت وأطمة أشك بين بلاد فارس والأهواز ترى بالليل من مسيرة أربعين فرسخا، والأطمة العظيمة التي في مملكة المهراج ملك جزائر الزابج، والمهراج سمة لكلّ من ملكها، يلحق لهب هذه الأطمة بأعنان السّماء لذهابها في الجوّ ويسمع منها كالذّي يسمع من أصوات الرعد والصواعق، وربّما ظهر منها صوت عجيب مفزع يسمع من البلاد النائية فينذر بموت بعض ملوكهم، وربّما كان أخفض من ذلك ينذر بموت بعض رؤسائهم، قد عرفوا ذلك بطول التجارب والعادات على قديم الزمان، وإنّ ذلك غير مختلف من التنبيه.

فهذه البحار الخمسة: البحر الأعظم بحر أقيانس والبحر الحبشي [والبحر] الرومي والبحر الخزري وبحر مانيطش فيها إلّا أنّه صغير عنها، وليس شيء من هذه البحار يتّصل بالبحر الحبشي، وأمّا سائرها فمتّصلة وهي من بحر واحد إلّا أنّ بحر الخزر قد اختلف فيه هل يتّصل ببحر أقيانس أو لا.

والصّحيح عندنا أنّه لا يتّصل بشيء من هذه البحار. قال: وقد زعموا أنّ خليج القسطنطينية الآخذ من مانيطش متّصل ببحر أيضا، وذلك لا يصحّ.

وحدّ بحر فارس ممّا يلي المشرق من فوهة دجلة العوراء وينتهي آخره إلى جزيرة يقال لها تيز مكران وهي حدّ أوّل السّند. وحدّ بحر فارس من الغرب من فوهة دجلة العوراء إلى أن ينتهي إلى غبّ عدن. وفي شرقيّة من المدن بلاد فارس ومكران وكرمان، وفي غربيّه بلاد العرب وهي البحرين وعمان ومسقط وسقطرة إلى أن يبلغ غبّ عدن وهي آخر جزيرة العرب، وهناك الموضع الذي يقال له الدّوارع، وهو طريق في البحر يؤخذ منه إلى بحر جدّة.

وممّا يلي من البحر الفارسي شاطئ الفرات يؤخذ فيه حبّ اللؤلؤ القطري الجيّد.

وحدّ بحر الهند ممّا يلي المشرق جزيرة تيز مكران وآخر بلاد الصين، وحدّه ممّا يلي المغرب أوّل غبّ عدن وآخره بلاد الزّنج. فإذا قطع الراكب البحر هنا من غبّ مدينة عدن فإنّ أوّل أرض يصل إليها جزيرة يقال لها بربر وفيها جنس من الزنج يتّصلون ببلاد السّودان. وفي تلك الناحية العربية بلاد الزّنج والزّابج وأمم كثيرة كلّهم يمطرون في الصيف ما خلا أعلى بلادهم التي بعدت من البحر كبلاد التّبت وكابل وغيرهما.

ولم يحدّ لنا شمال هذين البحرين ولا جنوبهما ولا من سكن تلك النّاحيتين، ومن أراد الصّين والهند من ركّاب بحر الهند فإنّما يميل إلى شرقيّه ويدور عليه

حتّى يصير في غربيّه لأنّهم إذا قطعوه موسّطه يبقون في ظلمات لا تنفرج إلّا أقلّ من ستّ ساعات في كلّ يوم.

وأمّا بحر الشّام، وهو البحر الرّومي، فإنّه لا تجري فيه جارية ولا يستطاع ركوبه منذ تسير الشمس في أوّل العقرب الى أن تصل إلى الحوت وذلك أربعة أشهر، لأنّ الشمس تتباعد وتحدث فيه الرياح العواصف والأهوية المهلكة وبخاصّة الناحية الشمالية منه.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.