من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر بيوت النّيران
فأما بيوت النيران واتّخاذها فأوّل من رأى ذلك أفريدون، وقبل غيره قبله. وذلك أنّه وجد نارا يعظّمها أهلها ويعتكفون على عبادتها، فسألهم عن خبرها ووجه الحكمة منهم في عبادتها، فأخبروه بأشياء اجتذبت نفسه إلى
عبادتها وأنّها واسطة بين الله وبين خلقه] لأنها [من] جنس الآلهة النّورية، وأنّ بالنور صلاح هذا العالم. والنورية تجذب الحيوان كالفراش الطائر والوحش والغزلان، ومن الطير ما يصاد بالسّرج ليلا وكما يصاد السّمك من الماء ببلاد البصرة ليلا في الزواريق المسرّجة من جهتها، فيظهر السّمك من الماء حتّى يقع في جوف الزورق. والنور عندهم أصل لكلّ حيّ ومبدأ لكلّ نام، ولهم فيه كلام يكثر عن إيراد مجمله فكيف مفصله؟
فاتّخذ بيتا للنّار بطوس وبيتا بمدينة بخارا، ثمّ اتّخذ الملوك بعده بيوت النّار في المماليك.
ومن البيوت الباقية لها المعظّمة عند أهلها بيت مدينة دارابجرد من أرض فارس كان زرادشت قد أمر يستاسف الملك أن يطلب نارا كان يعظّمها [جمّ]، فطلبت فوجدت في مدينة خوارزم، فنقلها يستاسف إلى دارابجرد، وهي تسمّى آذرجوي، وتفسيره نار النهر، [وذلك أنّ] آذر أحد أسماء النّار وجوي من أسماء النهر، وهذا بالفارسية الأولى.
والمجوس تعظّم هذه النار الآن أشدّ تعظيم وهي أعظم نيرانهم.
وكان لهم بيت نار بإصطخر من أرض فارس يعظّمونه، وهو الآن لا نار فيه، والناس يذكرون أنّه مسجد سليمان. قال س: قد دخلته [وهو] على نحو فرسخ من مدينة إصطخر، فرأيت بنيانا عجيبا وهيكلا عظيما، وفي
أعلاه صور من الصخر محكمة عظيمة المقدار من الخيل وسائر الحيوان يحيط بذلك كلّه سور عظيم ممتنع من الحجر فيه صور الأشخاص قد شكلت وأثبتت وأتقنت، يزعم من جاور هذا الموضع أنّها صور الأنبياء ﵈. وفي جوف هذا الهيكل الريح غير خارجة منه في ليل ولا نهار لها هبوب وخفوق، يذكر من هناك من المسلمين أنّ سليمان حبس الرّيح فيه وأنّه كان يتغذّى ببعلبكّ من أرض الشّام ويقيّل بمدينة تدمر في الملعب المتّخذ فيها، وهي في البرّية بين العراق ودمشق وبينها وبين أرض الشّام ستّة أيّام، ثم يتعشّى بهذا المسجد. وبتدمر خلق من العرب من قحطان وبمدينة جور التي يضاف إليها الماء ورد بيت للنّار بناه أردشير له يوم عيد، وهو على عين هناك عجيبة وإليه متنزّهاتهم. وفي وسط جور بنيان كانت تعظّمه الفرس يعرف بالطربال خربه المسلمون. وإنّما فضل ماء وردهم لصحّة التربة وصفاء الهواء. قالوا إنّ سكّانها في غاية الحسن من اعتدال الحمرة والبياض. وبين جور وشيراز - وهي قصبة فارس- عشرون فرسخا.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع