تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر الهواتف

فأمّا الهواتف فقد كانت كثرت في العرب واتّصلت بديارهم لا سيّما بين يدي مولد النبي ﷺ، وهي أصوات مسموعة من غير رؤية متصوّت. وقد ذكر

جماعة أنّ ذلك من قبل التوحّد في القفار والتفرّد في الديار. والإنسان إذا توحّد توحّش، وإذا توحّش فكّر، وإذا فكّر وجل فداخلته الظنون الكاذبة والهموم السودانية الفاسدة، فوهّمته المحال من الأصوات والأشخاص.

والعرب لا تختلف أنّ علقمة بن صفوان بن أميّة بن حجر الكندي جدّ مروان بن الحكم لأمّه قتلته الجنّ وأنّ شقّ اعترض له، فقال علقمة:

شقّ ما لي ولك: اغمد عنّي منصلك: تقتل من لا يقتلك فقال شقّ:

عننت أو عننت لك.. كيما أبيح مقتلك.. فاصبر لأمر حمّ لك فضرب كلّ واحد منهما صاحبه فخرّا ميّتين. وممّن قتلته الجنّ حرب ابن أميّة وربته (؟) الجنّ وقتلت مرداس بن أبي عامر والد العبّاس ابن مرداس وقتلت الغريض لشعر غنّاه كانت نهته عنه، وهذا متعارف عندهم مشهور.

وقد ذكر أبو عبيدة عن منصور بن يزيد الطائي أنّ قبر حاتم طيّء حوله قدور حجارة عظيمة من بقايا قدوره التي كان يطعم فيها مكفّأة في نواحيه. وعن يمين قبره أربع جوار من حجارة وعن شماله مثلهنّ محتجرات على قبره كالنائحات لم ير مثل بياض أجسامهنّ وجمال حسنهنّ، وربّما رآهنّ الرائي فيفتتن بهنّ ويميل إليهنّ، فإذا دنا منهنّ رأى حجارة. وهم يزعمون أنّها من عمل الجنّ، فهنّ بالنهار كما وصفوه، وإذا هدأت العيون ارتفعت أصوات الجنّ بالنياحة عليه. قالوا: ونحن في منازلنا نسمع ذلك إلى طلوع الفجر.

وكان رجل يكنّى أبا الخيبري مرّ في نفر من أصحابه بقبر حاتم فجعل يناديه:

أبا الجعد اقرنا. فقالوا له: تنادي رمّة بالية. فقال: إنّ طيّئا تزعم أنه لم ينزل به أحد إلّا قراه. فنزلوا فانتبه أبو الخيبري مذعورا ينادي:

ووا راحلتاه. فقال له أصحابه: ما بالك؟ قال: خرج حاتم من قبره بالسّيف وأنا أنظر حتّى نحر راحلتي. فنظروا فإذا بها منجدلة لا تنبعث، فقالوا: قد والله قراك. وظلّوا يأكلون لحمها شواء وطبيخا، ثمّ أردفوه وانطلقوا سائرين، فإذا راكب بعير يقود آخر قد لحقهم وقال:

أيّكم أبو الخيبري؟ قال الرجل: أنا. قال الراكب: أنا عديّ بن حاتم وإنّ حاتما جاءني الليلة فذكر أنّك استقريته واستبطيته وهو ينشدك:

أبا الخيبري وأنت امرؤظلوم العشيرة شتّامها
أتيت بصحبك تبغي القرىلذي حفرة صدحت هامها
أتبغي لي الضيم عند المبيتوحولك طيء وأنعامها
فإنّا سنشبع أضيافناونأتي المطيّ فنعتامها

وقال الشّاعر في عديّ بن حاتم:

أبوك أبو سباقة الخير لم يزللدن شبّ حتّى مات في الخير راغبا
قرى قبره الأضياف إذ نزلوا بهولم يقر قبر قبله الدهر راكبا

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.