من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
جملة من القول في جزيرة العرب وذكر شيء من أخبارها
قال جعفر بن محمّد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب فقال:
مكّة والمدينة واليمامة واليمن. قال يعقوب: والقرح أوّل تهامة. قال أبو عبد الله: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأمّا العرض فما بين يبرين إلى منقطع السّماوة، وحفر أبي موسى على خمس مراحل من البصرة. قال الأصمعي: جزيرة العرب [من أقصى] »
عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأمّا العرض فمن جدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطوار الشّام. وقال أبو يوسف يعقوب بن شيبة الخرساني المحدّث: قال شرقي بن القطامي وغيره: كانت أرض الجزيرة خاوية ليس في تهامتها ونجدها وحجازها وعروضها كثير أحد لإخلاء بخت نصر إيّاها وإخلائها من أهلها إلّا من اعتصم برءوس الجبال وأشعابها.
وبلاد العرب على خمسة أقسام في جزيرة بطبعه، وهي التي صارت في قسم من أنطق الله ﷿ باللّسان العربي حين تبلبلت الألسن ببابل في زمان نمرود. فقسم فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح الأرض بين ولده. وإنّما سمّتها العرب الجزيرة لإحاطة البحار والأنهار بها من أقطارها، وصاروا منها في مثل الجزيرة. وذلك أن الفرات أقبل من ناحية بلاد الروم فظهر بناحية قنّسرين، ثم انحطّ على أطراف الجزيرة وسواد العراق حتّى
وقع في البحر من ناحية البصرة والأبلّة، وامتدّ البحر من ذلك الموضع لمطيفها منقطعا عليها، فأتى منها على سفوان وكاظمة ونفذ إلى القطيف وبنجد وأسواق عمان والشحر، ومال منه عنق إلى حضر موت وناحية أبين وعدن ودهلك، واستطال ذلك العنق فطعن في تهائم اليمن ببلاد برسان وجاور والحكم والأشعرين وعكّ، ومضى إلى جدّة ساحل مكّة والجار ساحل المدينة، ثمّ إلى ساحل الطور وتيماء وخليج أيلة حتّى بلغ قلزم مصر وخالط بلادها. وأقبل النيل في غربي هذا العنق من أعلى بلاد السودان مستطيلا معارضا للبحر حتّى وقع في بحر مصر والشّام، ثمّ أقبل ذلك البحر من مصر حتّى بلغ بلاد فلسطين، فمرّ بعسقلان وسواحلها وأتى على صور ساحل الأردنّ وبيروت وذواتها من ساحل دمشق، ثم نفذ إلى ساحل حمص وسواحل قنّسرين والجزيرة إلى سواد العراق.
وقال أبو النصر سعيد بن غالب الجيهاني: حدّ جزيرة العرب ممّا يلي الشمال في الخطّ الذي يخرج من ساحل أيلة فيمرّ مستقبل الشّرق في أرض مدين إلى تبوك ودومة الجندل إلى البلقاء وتيماء ومأرب، وهي كلّها من الشّام، ويمضي في وادي شيبان وبكر وتغلب، ويصل بالكوفة والنجف والقادسية والحيرة ونجران السّواد، وهي على يسار الكوفة. وعن يمين هذا الخطّ ممّا يلي الجنوب أرض الحجر ووادي القرى- واسمها وحّ في القديم- وهي أرض لثمود وما دونها إلى الأغوار والتهائم والنجود، إلى أن يصل [إلى] ساحل حضر موت، كلّ ذلك من أرض العرب، وممّا يلي الشّمال من هذا الخطّ فمن بلاد الأردنّ الشّمالي. وحدّ جزيرة العرب ممّا يلي الشّرق وهو مهب الصباء بطائح البصرة حتّى ينتهي إلى الجزيرة، ثمّ فيض البصرة، وهو نهرها
الذي البصرة عليه، وكان زياد بن سمية حفره إلى الأبلّة، ثمّ استوى إلى سفوان وكاظمة وقطيف وأسياف والبحرين وعمان، ثمّ يمرّ منحدرا من الشّمال على ساحل البحر حتّى يأتي غبّ عدن، والغبّ ينزوي فيه الماء شبه الخليج فينعطف عنق من البحر ويأخذ مع الصباء منعطفا على جزيرة العرب ويستمرّ نحو الهند على الشّمال. والبحر مع دجلة البصرة في هذا الموضع غربيّه يسمّى أرض العرب وشرقيّه يسمّى شاطئ فارس. وما وراء ذلك من شرقيّ البحر عند منقطع أرض فارس فهو من بلاد الهند، ويتّسع البحر ويصير جزائر. وحدّ جزيرة العرب ممّا يلي الجنوب ساحل هذا العنق من الصباء، وهذا العنق على يمين الذاهب منه، جزيرة العرب إلى ضفّة البحر وعلى يساره بلاد الزنج. وفي ساحل هذا العنق يصاب العنبر. ويمضي ذلك العنق حتّى يمرّ بساحل حضر موت وأبين وينتهي إلى عدن، وعدن منتهى هذا العنق، ثمّ ينعطف هذا العنق من عدن مع الجنوب فيمرّ منعطفا على جزيرة العرب مستقبل الشّمال، فعن يمين الذاهب منه جزيرة العرب وعن يساره بلاد السّودان والحبشة وغيرهم. ثمّ يمرّ ذلك العنق ببلاد العرب على سواحلها دهلك وبلاد برسان وحكم والأشعرين وعكّ وغيرها حتّى يصل إلى جدّة وهو ساحل مكّة، ثمّ يصير إلى الجار وهو ساحل المدينة، ثمّ يمضي إلى الحوراء وهو ساحل وادي القرى، ثمّ إلى خليج الأيلة، ثمّ إلى ساحل الطور وساحل راية حتّى ينتهي إلى القلزم ويقارب بلاد مصر، ثم ينقطع ذلك العنق ويقف.
قال ابن شيبة [و] الجيهاني معا: فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة على خمسة أقسام: تهامة والغور والحجاز والعروض واليمن. وذلك أنّ جبل
السراة- وهو أعظم جبال العرب- أقبل من أرض اليمن حتّى بلغ أطراف بوادي الشّام، فسمّته العرب حجازا لأنه حجز بين الغور- وهو هابط- وبين نجد- وهو ظاهر- فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيّه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعرين وعكّ وكنانة- ولم يذكر الجيهاني كنانة- وغيرها إلى ذات عرق والجحفة وما طابقها وغار من أرضها. قال الجيهاني: وما صار فيها وغار من أرضها الغور- غور تهامة- وتهامة تجمع ذلك كلّه. وصار ما دون ذلك الجبل في شرقيّه من الصحاري النجد إلى أرض العراق والسّماوة وما يليها، ونجد يجمع ذلك كلّه. وصار الجبل نفسه سراته، وهو الحجاز وما انحجز في شرقيّه من الجبال وانحاز ناحيته، فمرّ والجبلين إلى المدينة ومن بلاد مذحج تثليث وما دونها إلى ناحية فيد حجازا، والعرب تسمّيه نجدا وجلسا وحجازا، والحجاز يجمع ذلك كلّه. حدّ الحجاز السّويداء والمدينة أربعة وأربعون ميلا.
قالا: وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما والاهما العروض وما فيها نجد وغور أقربها من البحر والانخفاض ومواضع فيها مسائل وأودية، والعروض يجمع ذلك كلّه. وصار ما خلف تثليث وما قاربها إلى صنعاء وما والاها من البلاد إلى حضر موت والشّحر وعمان اليمن، وفيها التهائم والنجود، واليمن يجمع ذلك كلّه. انتهى قولهما.
وقال الجيهاني دون يعقوب: (وهذا الجبل الذي يسمّى السراة مبدؤه من بلاد اليمن فيمتدّ حتّى يبلغ الشّام فتقطعه الأودية)، فإذا انتهى إلى ناحية
نخلة كان منها (خيطى ويسوم)، وهما جبلان بنخلة. وكان يطلع منها إلى جبل العرفج وجبل العرس، والأشعر والأجرد جبلان من جبال جهينة، ولها أودية وشعاب كثيرة. وذكر عن عمر بن الخطّاب انّه قال لعتبة بن غزوان حين بعثه إلى البصرة: إذا قطعت أقصى أرض العرب وبلغت إلى أرض العجم فانزل. وكان مناخه بباب البيضاء.
وطول جزيرة العرب من آخر حدود الشّام وأوّل حدود الحجاز إلى عدن اثنان وخمسون مرحلة بسير الإبل، وذلك ألف وخمسمائة ميل، وعرضها من بحر جدّة إلى بحر الأبلّة على الاستقامة ثلاثون مرحلة بسير الإبل، وذلك ثلاثمائة ميل. وفي مواضع منها يختلف هذا الطول والعرض على حسب دخول البحر في أرضها وخروجها عنه ونزحه منها. واسم هذه الجزيرة في كتب الأوائل مقدّس، وذلك بإبيان منها وهبوب الرياح إليها، وتسمّيها اليونانيّون ...، وتسمّيها العرب السّعيدة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع