تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر زرادشت الذي تدّعي بنبوّته المجوس

وفي زمان يستاسف صاحب بابل ظهر زرادشت بن اسبيتمان الذي تدّعي المجوس أنه نبيّهم. وكان من علماء أهل فلسطين خادما لإرميا، فخانه فدعا الله عليه فبرص ولحق ببلاد آذربيجان وشرع فيها دين المجوسية وقصد الناس على الدخول فيه وقتل في ذلك وعذّب حتّى دانوا به. وأتى زرادشت بالمعجزة الباهرة وأخبر عن الكائنات من الكليّات والجزئيات، وأتى بكتاب يدور على ستّين حرفا من المعجم، وهي لغة يعجز عن إيرادها ولا يدرك كنه مرادها. وكتب هذا الكتاب في اثني عشر ألف مجلّد بالذهب فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من العبادات، واسم هذا الكتاب بستاه، وأوّل سورة منه سورة حيرفت فيها ذكر مبتدأ الخليقة وأصول

الطبائع وأمزاجها. وعمل له زرادشت تفسيرا سمّاه بازند وهو كتاب يعجز عن حفظه، وأكثر ما يحفظونه أسباعا إذا انتهى الحافظ للسبع ابتدأ الحافظ للسبع الثاني. وكانت نبوّة زرادشت فيهم خمسا وثلاثين سنة، وهلك وهو ابن سبع وسبعين سنة.

وممّا تحمل الفرس عنه أن القديم تعالى طالت وحدته فطالت فكرته، فلمّا طالت فكرته اشتدّت وحشته، فلمّا اشتدّت وحشته تولّد الهرمند فصار مضادّا للنّور الأكبر- والهرمند هو الشيطان. وأن الله ﷿ لو كان قادرا على إفناء الهرمند لما ضرب له أجلا ولا أخّره أمدا يغوي عباده ويفسد بلاده.

وهذا هو المحال عينه والناقص نفسه، «تعالى الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا». ولم تزل الفرس تتدارس نواميس هذا الكتاب جيلا فجيلا حتّى ظهر فيهم خاهشت الغلام، فشرح لهم تأويلا وأحدث لهم قرابين في مذاهبهم اعتمدوا عليها واتّخذوا بيوت النيران وقرّبوا لها القرابين ورتّبوا لها السدنة ووضعوا لها أيضا الهرابذة- أحدهم هربذ- وتأويله فقيه الدّين.

ووضعوا مرزبانا تأويله قاضي القضاة، وهو بالفارسية الدّين، وهو حافظ الدّين. وكانت لهم صلوات وزمزمة وقرابين يقرّبونها في بيوت النيران، وجملة اعتقادهم محصورة في الكتاب الذي جاءهم به زرادشت.

وكان ملك يستاسف مائة سنة واثنتي عشرة سنة. وبخت نصر رجل من العجم عاش دهرا طويلا جاوز ثلاثمائة سنة وخدم عدّة من ملوكهم آخرهم

بهمن، وهو ابن يستاسف - وبهمن أبو داراي [وهو أبو] دارا الذي قتل في عهد الإسكندر. ودارا الأكبر هو الذي عقد له أبوه بهمن التاج وهو في بطن أمّه حنانا ابنته. فلمّا رأى ذلك ساسان بن بهمن وكان يتصنّع للملك لا يشكّ فيه- وهو رجل كامل- لحق بإصطخر وتزهّد وخرج من خليته وتعبّد واتّخذ غنما وكان يتولّى ماشيته بنفسه واستساغت العامّة ذلك عنه ونطقت به. فمن ساسان الساسانية، وهم الفرس الثانية أوّلهم أردشير بن بابك بن ساسان أبو أربعة إلى ساسان بن بهمن.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.