تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر شيء من أخبار العرب العاربة والأمم الدّاثرة ومذاهبهم وديانتهم وسيرهم واعتقادهم

أمّا طسم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح وجديس بن عابر بن إرم ابن سام فإنّهم ساروا ونزلوا البحرين واليمامة. واسم اليمامة جوف، إنّما سمّيت اليمامة بامرأة. فمكثوا كذلك برهة وبلادهم أفضل بلاد وأكثرها خيرا، حدائق ملتفّة

وقصور مصطفّة إلى أن غمطوا النعمة وانتهكوا الحرمة، فملكهم رجل من طسم يقال له عملوق، فظلم وغشم لا ينهاه شيء عن هواه. فاختصمت إليه امرأة من جديس يقال لها هزيلة بنت مازن مع زوج قد فارقها في ابن لهما أراد أخذه منها، فتشاجرا في ذلك، وأمر الملك أن يؤخذ الولد منهما فيجعل في غلمانه، فقالت هزيلة في ذلك:

أتينا أخا طسم ليحكم بيننافأبرم أمرا في هزيلة ظالما
لعمري لقد حكّمت لا متورّعاولا فهما عند الحكومة عالما
ندمت فلم أقدر على متزحزحوأصبح زوجي حائر الرأي نادما

فبلغ عملوق قول المرأة فغضب وأمر ألّا تتزوّج امرأة من جديس فتهدى إلى زوجها حتّى تحمل إليه فيفتضّها موجدة على النّساء. فلقوا في ذلك ذلّا عظيما طويلا حتّى تزوّجت الشّموس بنت غفار، وقيل: اسما غفيرة أخت الأسود بن غفار، وكان الأسود سيّدا في جديس. فلمّا كانت ليلة إهدائها حملت إلى عملوق ليطأها، ومعها القيان يغنّين ويقلن:

ابدي بعملوق وقومي فاركبيوبادري الصّبح بأمر معجب
[فسوف تلقين الذي لم تطلبي]فما لبكر (عنده من مهرب

فلمّا افتضّ عملوق غفيرة خرجت على قومها في دمها شاقّة جيبها عن قبلها ودبرها وهي تقول:

لا أحد أذلّ من جديسأهكذا يفعل بالعروس؟
للشاعر عفيرة بنت عفان الجديسية، اقرأ القصيدة

وأبت أن تمضي إلى زوجها وقالت تحرّض قومها:

أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكموأنتم رجال فيكمو عدد النمل
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذهفكونوا نساء لا تفرّوا من الفحل
ودونكم طيب العروس وإنّماخلقتم لأثواب العروسة والكحل»
فلو أننا كنّا الرجال وكنتمونساء لكنّا لا نقرّ على الذلّ

فلمّا سمعت جديس ذلك أنفت وغضبت واجتمعت إلى الأسود بن غفار، فأجمعوا أن يصنع الأسود لعملوق وأصحابه طعاما فيدعوهم إليه، فإذا جاؤوا متفضّلين في الحلل والنعال نهضوا إليهم بأسيافهم فأتوا عليهم. فقالت غفيرة لأخيها: الغدر عار وعاقبته بوار، صبّحوا القوم في ديارهم تظفروا بهم أو تموتوا كراما. فقالوا: الغدر أمكن من نواصيهم. فانقاد لمذهبهم واصطنعوا طعاما واخترطوا سيوفهم ودفنوها في الرمل. فلمّا توافى القوم إلى المائدة واستكملوا في المدعاة أتوا عليهم أجمعين، وهرب من طسم رجل من مرّة وهو رياح بن مرّة، فأتى حسّان بن تبّع فأعلمه غدر جديس بقومه واستعدائه عليهم، وكان من إيقاعه ما كان. وشهر وسبى نساءهم وصبيانهم، وهرب الأسود بن غفار حتّى نزل بديار طي، فأجاروه ونسله اليوم في طي.

وسار وبار بن أميم بن لاوذ بن إرم بن سام إلى رمل عالج، وهي الأرض المعروفة بأرض وبار، فأهلكهم الله لما كان من بغيهم في الأرض

فانقرضوا. وسار داسم بن عمليق بن لاوذ بن سام- وهم من العماليق- إلى أرض السّماوة، وهي بين العراق والشّام، فأهلكهم الله بالريح السّوداء لإفسادهم، فلم يبق منهم باقية. وكانت بلاد داسم الجولان وبلاد حوران والبثنيّة، وذلك بين دمشق وطبرية، وانقرضوا وأبادهم الله جميعهم. وكذلك بنو طخم بن إرم نزلوا الطائف فدثروا ببعض غوائل الدهر، وهم أول من وضع حروف المعجم.

فجميع العرب من أقطار الأرض من ولد عدنان بن قحطان، والعرب تزعم أنّ ديار وبار سكنتها الجنّ وحمتها من كلّ من أرادها، وكانت أخصب بلاد الله ﷿ وأكثرها شجرا وأطيبها ثمرا، وإذا دنا أحد من تلك البلاد ساهيا أو متعمدا سفت الجنّ عليه سوافي الرمل وأثارت عليه الزوابع، فخبلوه وربّما قتلوه. وقال الشّاعر في ذلك:

دعا جهلا لا يهتدى بمقيلهمن اللؤم حتّى يهتدي لوبار

فيزعمون أنه ليس بهذه الأرض إلّا الجنّ والجمال الوحشية، وهذا عند كثير من ذوي الحجاز باطل.

والعرب تعتقد أن نفس الإنسان دمه والروح هو المحرّك له، ولذلك سمّوا المرأة نفساء لما يخرج منها من الدم. واختلف الفقهاء فيما له نفس سائلة إذا سقط في الماء، وقال تأبّط [شرّا] لخاله الشنفرى وقد سأله [عن قتيل قتله كيف كانت قصّته فقال]: ألحمته عضبا فسالت نفسه سكبا. واحتجّوا

أنّ الميّت لا ينبعث منه دم إلّا ما كان محقونا قبل موته. وقد زعم بعضهم أنّ النفس هي الهامة الطائر الذي يصدح على القبر، ولذلك قال بعض الشعراء في أصحاب الفيل:

سلّط الطير والمنون عليهمفلهم في صدى المقابر هام

ويزعمون أنّها تعلّم الميّت بما يكون من شأنه بعده. قال أميّة:

هامي تخبّرني بما تستشعروافتجنّبوا الشّنعاء والمكروها

وقال توبة، وينسب إلى غيره:

لسلّمت تسليم البشاشة أو زقاإليها صدى من جانب القبر صائح
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

فدلّ أنّ الصدى والهام تنزل إلى قبورهم وتصعد حتّى قال رسول الله ﷺ:

لا هام ولا صدى.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.