تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر يحيى بن زكريا ﵉

وأمّا يحيى فكان مولده قبل عيسى بستّة أشهر، فنبّأه الله واستظهر به عيسى، وبعثه الله في اثني عشر من الحواريّين يعلّمون الناس، فكان ما نهوا

عنه بني إسرائيل نكاح ابنة الأخ. وكانت لملكهم ابنة أخ تعجبه، أراد أن يتزوجها، فبلغ نهيهم أمّها فحقدت على يحيى حين نهى أن يتزوّج الملك ابنتها، وأمرت ابنتها أن تتلطّف للملك وتسقيه وتعرض له، فإن أرادها على نفسها أبت حتّى يعطيها ما سألته، فإن أعطاها ذلك سألت أن يؤتى برأس يحيى. ففعل الملك ما سألته، وهو أحب وامرأته أزبيل، وقد تقدّم ذكرها.

قال: فلمّا وضع رأس يحيى بين يديه جعل يتكلّم ويقول: لا تحلّ لك.

واستمرّ غليان دمه، فأمر بتراب فألقي عليه فما ازداد إلّا انبعاثا. فبعث الله عليهم ملكا من ناحية الشرق يقال له خردوش، فقتل منهم على دم يحيى بن زكريا سبعين ألفا إلى أن سكن دمه. وذكر أن الذي فعل ذلك بخت نصر، وهذا لا يستفهم لأنه من خراب بيت المقدس على يد بخت نصر إلى مولد عيسى ﵇ خمسمائة سنة وسبعون سنة تعدّ ملكا ملكا، كما أنه لا يستفهم أن يكون أحب هو الذي قتل يحيى وهو الذي بعث إليه إلياس بن ياسين، وبين يحيى وإلياس مثل هذه المدّة. قال: وولد في أيام ملوك الطوائف لمضي ثلاثمائة سنة وثلاث وستّين سنة من وقت غلبة الإسكندر على بابل، وهذا هو الصحيح. وقال وهب بن منبّه إنّ الإسكندر كان في الفترة بعد عيسى، وهذا وهم لأن ملوك الطوائف إنّما كانت بعد الإسكندر.

ويقال إنه لمّا ولد عيسى لم يبق على وجه الأرض صنم يعبد إلّا سقط على وجهه. ففزعت الشياطين وجاؤوا إبليس فأخبروه، فقال: إنّ لهذا شأنا.

وذهب يطوف الأرض حتّى مرّ بالمكان الذي ولد فيه عيسى ﵇ ببيت لحم يهودا، فرأى الملائكة محدقين به، فأراد أن يأتيه فمنعته الملائكة ورجع إلى أصحابه فأخبرهم، وفرّت بعيسى أمّه إلى أرض مصر خوفا من

هذا وخوفا من هرادش، فذلك قوله ﷿: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ

. ثمّ ردّته إلى الشام بعد اثنتي عشرة سنة من عمره.

وجاءه الوحي بعد ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين، وأتاه الله الآيات التي نصّ عليها وأنزل الله عليه المائدة سفرة حمراء مغطّاة بمنديل بين غمامتين.

س: ومرّ عيسى ببحيرة طبرية وعليها ناس، فدعاهم إلى دين الله، فاتّبعه ثلاثة من الصيادين واثنا عشر من القصّارين، فهم الحواريّون. وذكر أنّ أحد الحواريّين دلّ اليهود على عيسى حين همّوا به، ثم ندم على ما فعل فاختنق وقتل نفسه. وقد كان عيسى ﵇ ذكر لهم ذلك. قال: ثمّ لقيه الحواريّون بعد ما رفع ليزيل ما في نفوسهم، فسألهم عنه فقالوا: قتل نفسه. فقال: لو تاب تاب الله عليه.

وذكر ابن خرداذ به أن الذي صلب مكانه أيشوع بن قيدار، وأنه كان بين هبوط آدم إلى الأرض ورفع المسيح خمسة آلاف وخمسمائة وثمان وثلاثون سنة. قال القوطي: وكان بين انقضاء أمر المسيح وكفر اليهود وتفرّق جماعتهم وتمام اللعنة عليهم إلى يوم القيامة وإخراجهم من ديارهم على يدي قيصر طيطوش تسع وثلاثون سنة. قال القوطي وغيره: وكان انقضاء أمر المسيح زلزلة عظيمة عمّت الدنيا شرقا وغربا وانهدمت لها الجبال وتصدّعت الصخور وتهوّرت المدن دليلها وشاهدها الكور التي وضع عنها

الخراج من أجل انهدامها، وذلك موجود في الدواوين. وكسفت الشمس ذلك اليوم من الساعة السادسة إلى آخر النهار حتّى صار ذلك النهار ليلا.

وفي ذلك قال شاعر اليونانيّين ترجمناه عربيّا:

فزعت له الدنيا وظنّت أنّهليل عليها ما يزال مؤبّدا
لمّا رأى الناس الكسوف علىخلاف سبيله ظنّوه ليلا سرمدا

لأنها كسفت في انتصاف الشهر والشمس لا تعرف كسوفها إلّا في انقضاء الشهر وعند اجتماع النيّرين.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.