من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر الغول
فأمّا الغول فثابت عندهم، وقد ذكر عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه شاهدها في بعض أسفاره وضربها بسيفه، وذلك قبل الإسلام. وقد زعم بعض المتفلسفين أنّه حيوان مشوّه لم تحكمه الطبيعة، فلمّا خرج منفردا في هيئته ونفسه توحّش في مسكنه، وهو بين الإنسان والحيوان البهيمي. وقد ذكر أهل الهند أنّ ذلك إنّما يظهر من فعل (ما كان) عائبا من الكواكب عند طلوعها، فيحدث رأس الغول عند طلوعه تماثيل وأشخاصا تظهر في الصحراء، فسمّيت غولا باسم الطالع وهي ثمانية وأربعون كوكبا. ويحدث طلوع الكلب وهو الشّعرى العبور داء في الكلاب، وسهيل في الجمال حتّى قيل إنّه لا يقع عليه عين جمل إلّا أهلكه.
قال تأبّط شرّا في الغول:
وأدهم قد جبت جلبابهكما جابت الكاعب الخيعلا
على إثر نار ينور بهافبتّ لها مدبرا مقبلا
فأصبحت والغول لي جارةفيا جارتي أنت ما أهولا
وطالبتها بضعها فالتوتبوجه تغوّل فاستغولا
فمن كان يسأل عن جارتيفإنّ لها باللوى منزلا
وقد زعموا أنّ رجليها رجلا عير، والعرب ترتجز في الفيافي وتقول:
يا رجل عير انهقي نهيقالم نترك السّبسب والطّريقا
وذلك أنها تترأى لهم بالليل وأوقات الخلوة وتناديهم فيتوهّمون أنها إنسان فيتبعونها فتضلّهم. قال الشاعر:
وحافر عير في ساق خدلّجة
وقد ذكر المصنّفون وهب بن منبّه وابن إسحاق وغيرهما أنّ الله ﷿ خلق الجان من نار السّموم وخلق منه زوجته كما خلق حوّاء من آدم فغشيها فحملت وباضت إحدى وثلاثين بيضة، فمنها القطاربة وهي أمثال الهرّة، والأباليس من بيضة زعيمهم الحارث أبو مرّة ومسكنهم البحور، والمردة من بيضة أخرى ومسكنهم الجزائر، والغيلان من بيضة أخرى ومسكنهم
الفلوات، والسّعالي من بيضة أخرى ومسكنهم الجبال، والنهاريس من بيضة أخرى ومسكنهم الحمّامات، والسّباطات والهوام من بيضة أخرى ومسكنهم الهواء في صور من الحيّات ذوات أجنحة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع