من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر النّسناس
فأمّا النّسناس فيزعمون أنّه ببلاد حضر موت وأنّه كمثل نصف الإنسان بيد واحدة ورجل واحدة يثب وثبا ويعدو عدوا شديدا، وأنّه يغتذي بجميع النبات ويصبر على العطش. ويروون خبرا عن شيب بن شيبة بن الحارث التميمي قال: قدمت الشّحر فنزلت على زعيمها فتذاكروا النّسناس فقال:
استعدّوا فإنّا خارجون في قنصهم. فلمّا خرجنا ألظّ كلبان منهم بواحد وله وجه كوجه الإنسان وشعرات في ذقنه ورجلاه كرجلي الإنسان. قال: فجعل يعدو وهو يقول:
الويل لي ممّا به دهانيدهري من الهموم والأحزان
قفا قليلا أيّها الكلبانإليكما حتّى تحارباني
ألفيتماني حاضرا عنانيلو بي شباب ما ملكتماني
لكن قضاء الملك الرحمنيذلّ ذا العزّة والسّلطان
فالتقيا به فأخذاه فعمدوا به إلى موضع فيه شجر فذبحوه. فقال قائل منهم من شجرة: سبحان الله ما أشدّ حمرة دمه. فقالوا: نسناس خذوه.
فأخذوه، فأجاب آخر من شجرة أخرى قال: لأنه كان يأكل السّمّاق.
قالوا: خذوه. فأخذوه، فقال آخر: لو سكت لم يعلم مكانه. فقالوا:
خذوه. فأخذوه، فقال آخر: أنا صامت. فقالوا: خذوه. فأخذوه، فقال
آخر: يا إنسان احفظ رأسك. فقالوا: خذوه. قال س: ورأيت أهل الشّحر وحضر موت يستطرفون أخبار النسناس ويتوهّمون أنّه ببعض البلاد، وهذا يدلّ على عدم كونه وأنّه من هوس العامّة كما وقع لهم خبر عنقاء مغرب.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع