من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر القيافة والزجر
والقيافة والزجر من خواصّ العرب فضلت بهما دون سائر الأمم. فأمّا ما يوجد من الزجر في الإفرنجة فإنّما أخذوه ممّن جاورهم من العرب في سالف الدهور، ويمكن أن يكونوا أخذوه ممّن جاورهم من العرب ببلاد الأندلس بعد ظهور
الإسلام، ولعلّ الله قد خصّ بالزجر أمّة غير العرب، والأوّل أشهر.
والقيافة من القفو وهو تتبّع الأثر والبحث عليه والتنقير. وأصل ذلك أنّ الأشكال انفصلت في الصور (فتشكّلت وخصّت) الأجناس، ثمّ خصّت الطبيعة في كلّ نوع من الجنس بفصل أبانته من أغياره وكالطول في أزد شنوءة. فكذلك أيضا خصّت آحاد الأشخاص المنفصلة في الهيئة عن أقفارها، فالقائف [يقارب بين] الهيئات فيحكم للأقرب صورة. وكان نظر القائف إلى القدم لأنها نهاية الشّكل وغاية الهيئة، والولد لو خالف أباه في سائر شكله لوافقه في القدم. وقد صدّق رسول الله ﷺ محرزا المدلجي وقال بالقيافة أكثر فقهاء الأمصار، وأنكر جماعة منهم الحكم بها وحجّج الأوّلين خبر الملاعنة لمّا أتت به على النعت المكروه وخبر بن وليد زمعه (؟) وغير ذلك. واحتجّ الآخرون بإلحاق النبي ﷺ الصبي بأبيه الذي شكّ فيه لمّا ولد أسود حين قال: ولعلّ عرقا نزعه على ما سنورده.
والكهانة في اليمن خصوصا والقيافة والزجر في نزار ورثوها عن آبائهم على ما سنورده. ثمّ خصّت بنو أسد بالزجر وبنو مدلج بالقيافة، وقد قفت القافة بقريش أثر رسول الله ﷺ وأبي بكر على الحجر الصلد والجبل الجرد وحيث لا تكنس الأقدام في رمل ولا تراب حتّى انتهوا إلى باب الغار، فحجبهم الله ﷿ عنهم بما كان من نسج العنكبوت وبما سفت عليه الرياح. وبلاد الجفار بين مصر والشّام بها أناس من العرب يتّخذونهم الولاة يقصّون آثار الناس فيخبرونهم بالآثار أيّ ناس هم ممّن طرق تلك البلاد، وهم إنّما عاينوا الآثار لا القدم، وهذا حسّ دقيق ومعنى لطيف.
ولمّا حضرت نزار الوفاة قال لإياد: هذه الجارية- لجارية له شمطاء- وما أشبهها لك. ودعا أنمار وهو في مجلس له فأعطاه بدرة وقال: هذه البدرة والمجلس لك وما أشبههما لك. ودعا ربيعة فأعطاه خباء له أسود من شعر فقال: هذا وما أشبهه لك. وأعطى مضرا قبّة حمراء فقال له: هذه وما أشبهها لك. ثمّ قال: وإن أشكل عليكم شيء فاتوا الأفعى الجرهمي، وكان ملك نجران. فلمّا مات ركبوا رواحلهم يريدون الأفعى، فلمّا كانوا من نجران على يوم إذا هم بأثر بعير. قال إياد: هذا أثر بعير أعور. قال أنمار: وإنّه لأبتر. قال ربيعة: وإنّه لأزور. قال مضر: وهو شرود لا يستقرّ. فلم يلبثوا أن رفع لهم راكب، فلمّا غشيهم قال لهم: هل رأيتم من بعير ضالّ؟
فوصفوه له. قال: إنّ هذه لصفته عينا، فأين بعيري؟ قالوا: ما رأيناه.
قال: أنتم أصحاب بعيري وما أخطأتم من نعته شيئا. فلمّا أناخوا بباب الأفعى واستأذنوا عليه فأذن لهم صاح الرجل بالباب فدعا به الأفعى فقال له: ما تقول؟ قال: أيّها الملك ذهب هؤلاء ببعيري. فسألهم الأفعى عن شأنه فأخبروه. فقال لإياد ما يدريك أنّه أعور؟ قال: قد رأيته قد لحس الكلأ من شقّ والشّقّ الآخر وافر، (فعلمت أنّه أعور). وقال أنمار:
رأيته يرمي ببعره مجتمعا، ولو كان أهلب لمصع به، فعلمت أنه أبتر. وقال ربيعة: إحدى رجليه ثابتة والأخرى فاسدة، فعلمت أنّه أزور. قال مضر:
رأيته يرعى الشّقة من الأرض ثمّ يتعدّاها فيمرّ بالكلإ الفضّ فلا ينهش منه شيئا، فعلمت أنّه شرود. فقال الأفعى: صدقتم وليسوا بأصحابك، التمس بعيرك. ثمّ سألهم الأفعى عن نسبهم فأعلموه فرحّب بهم وحيّاهم، ثم قصّوا عليه قصّة أبيهم فقال: فكيف تحتاجون إليّ وأنتم على ما أرى؟ قالوا: ما أمرنا بذلك أبونا. فأمر خادم دار الضيافة أن يحسن إليهم ويكرمهم وأمر وصيفا له أن يلزمهم وينتقد كلامهم. فأتاهم القهرمان بشهد فأكلوا وقالوا:
ما رأينا شهدا أعذب ولا أحسن منه. قال إياد: صدقتم لولا أنّ نحله صنعته في هامة جبّار. ثم جاءهم بشاة مشوية فأكلوا واستطابوها فقال أنمار:
صدقتم لولا أنّها غذيت بلبن كلبة. ثم جاءهم الشراب فاستحسنوه فقال ربيعة: صدقتم لولا أنّ كرمه نبت على قبر. ثم قالوا: ما رأينا منزلا أكرم قرى ولا أخصب رحلا من هذا الملك. قال مضر: صدقتم لولا أنّه لغير أبيه.
فذهب الغلام إلى الأفعى فأعلمه. فدخل الأفعى على أمّه فقال: أقسمت عليك إلّا أخبرتني من أبي. فقالت: أي بنيّ أنت ابن الأفعى الأعظم.
قال: حقّا لتصدّقيني. فلمّا ألحّ عليها قالت: أي بنيّ إنّ الأفعى كان شيخا كبيرا قد أثقل فخشيت أن يخرج هذا الأمر عنّا أهل البيت، وكان عندنا شابّ من أبناء الملوك اشتملت عليك منه. ثمّ بعث إلى القهرمان فقال: أخبرني عن الشهد الذي قدمته إلى هؤلاء النفر ما خطبه. قال: جزنا بدير في طيف فيه عظام نخرة، وإذا النحل قد عسلت في جمجمة من تلك العظام، فأمرت باستزباده فأتوا بعسل لم ير مثله قطّ، فقدّمته إليهم لجودته. ثمّ بعث إلى صاحب مائدته فقال: ما هذه الشاة التي أطعمتها هؤلاء النفر؟ فقال: إنّي بعثت إلى الراعي أن يبعث إليّ بأسمن ما عنده فبعث بها، فسألته عنها فقال:
إنّها أول ما ولدت من غنمي، فماتت أمّها وأنست السّخلة بجراء كلبة ترضع معهم، فلم أجد في غنمي مثلها فبعثت بها إليك. ثمّ بعث إلى صاحب الشّراب فسأله عن شأن الخمر فقال: هي كرمة غرستها على قبر أبيك، فليس في بلاد العرب مثل شرابها. فعجب الأفعى من القوم وقال: ما هم إلّا شياطين. ثمّ أحضرهم فسألهم عن وصية أبيهم، فقال إياد: جعل لي جارية شمطاء وما أشبهها من ماله. فقال الأفعى: إنّه إن ترك غنما برشاء فهي لك ورعاتها مع الخادم. فقال أنمار: جعل لي بدرة ومجلسه وما أشبههما من ماله.
فقال الأفعى: لك ما ترك أبوك من الرقّة والأرض. وقال ربيعة: جعل لي بيتا أسود وما أشبهه. فقال الأفعى: إن ترك أبوك خيلا دهماء وسلاحا فهي
لك وما فيها من عبيد. فقيل ربيعة الفرس. وقال مضر: جعل لي قبّة حمراء وما أشبهها. فقال: إنّ أباك ترك إبلا حمراء، فهي لك وما أشبهها. فقيل مضر الأحمر. فكانوا كذلك زمانا إلى أن أصابتهم سنة فأهلكت الشّاء وعامّة الإبل وذهبت بالرقّة والمتاع، فكان ربيعة يغزو على خيله وبعيره ويعول إخوته.
وكان سبب تحوّل أنمار إلى اليمن أنّه تعرّق عظما في جنح الليل، ثمّ رمى به وهو لا يبصر، فانغرز في عين مضر ففقأها، وصاح مضر وتشاغل إخوته به وجرّد أنمار بعيرا من كرائم إبله فلحق بأرض اليمن.
ومن عجيب الزمان خبر عبيد الراعي لمّا خرج في ركب من قومه يريدون رئيس بني أسد، فسنحت لهم ظباء سنوحا منكرا، ثم اعترضت الركب مقصّرة في حضرها واقفة عن شأوها، فأنكر ذلك عبيد فلم يأبه أصحابه لما كان السّانح عندهم محمودا، فقال عبيد:
ألم تدر ما قال الظباء السّوانحأطفن أما الركب والركب رائح
فكبّر من لم يعرف الزجر منهموأيقن قلبي أنهن نوائح
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع