تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر الكهانة

أمّا الكهانة فلم تخل أمّة إلّا قد كانت فيها كهانة، وهي من الأمور المثبوتة غير المرفوعة في جميع الأمم. فزعم اليونانيّون أنّ النفس إذا صفت اطّلعت على أسرار الطبيعة وما تريد أن يكون منها، لأنّ ظهور الأشياء عندهم في النفس الكلّيّة، ولذلك كان فيتاغورس يعلم علوما من الغيب وضروبا من الوحي، وهم يعرفون هذه الطائفة بالروحانية. وهذه علّة النبوّة عند الصّابئة، ولذلك كان عندهم هرمس وأورياسيس وغيرهما أنبياء.

وذهبت طائفة [إلى] أنّ سبب الكهانة الوحي الفلكي وأنّ ذلك في المولد عند ثبوت عطارد على شرفه. وكان سائر الدراري في عقود متساوية وأرباع متكافية ومناظر متوازية، فيجب حينئذ لصاحب المولد التكهّن. وذهب كثير إلى أنّ كون ذلك في القرانات الكبار ولعلل ذكروها، وادّعى قوم أنّ الأرواح المنفردة من الجنّ تخبرهم بالأشياء قبل كونها وأنّ أرواحهم لمّا صفت صارت لتلك الأرواح من الجنّ موافقة. وقول الشرعيّين إنّ الشياطين تسترق السّمع وتلقيه على ألسنة الكهّان. وزعم كثير ممّن تقدّم أنّ النفس إذا هي قويت وزادت قهرت الطبيعة وغلب القسم النفسي القسم الجسدي، فأباحت للإنسان كلّ سرّ لطيف وخبّرته بكلّ معنى شريف.

ولذلك وجد الكهّان من نقصان الجسم وتشويه الخلق ما يوجدون عليه كشقّ

الأنماري وسطيح الغسّاني واسمه ربيع بن ربيعة وسملقة وزوبعة الكاهنين وعمران أخي عمرو بن عامر مزيقيا وحارثة جهينة وكاهنة باهلة. وقد كان سطيح يدرّج جسده كما يدرّج الثوب خلا جمجمة رأسه، (وكانت جمجمته) إذا لمست باليد أثّرت فيها للين عظمها. وشقّ هذا الأنماري هو غير شقّ الأوّل، وشقّ الأوّل هو [ابن] حويل بن إرم بن سام بن نوح، وهو أوّل كاهن كان في العرب. وإرم أبو الجبابرة من عاد وثمود وجديس وطسم وغيرهم، ويقال إنّه كانت له عين واحدة في جبهته. ويقال إنّ الدجّال من ولده، ويقال: بل هو الدجّال بعينه أنظره الله إلى الوقت المعلوم وهو محبوس في بعض الجزائر، ويقال إنّ الشياطين تأتيه بما يأكله، ويقال إنّه لا يحتاج إلى غذاء، وقيل إنّ أمّه امرأة من الجنّ تعشّقت أباه حويل فتزوّجها وأولدها الدجّال. واسمه خوص بن حويل، وهو مشوّه مبذول، وكان إبليس يعمل له العجائب. فلمّا كان وقت سليمان بن داود ﵉ دعاه فلم يجبه فحبسه في جزيرة في البحر. ويقال إنّه كان له أخ فاستهوته الجنّ لما كانت أمّه منهم، وإنّه ملك بوار التي غلبت عليها الجنّ وهي من مدائن العرب، وإنّ الجنّ في طاعته. وقيل إنّ مجلسه كان في قبّة بوادي برهوت في اليمن فكانوا يحجّون إليه، وإنّه لم ينم قطّ وكانوا يرون بين عينيه نارا بيضاء، وموضعه الذي هو فيه مسجون أنّه يعلو مكانه بالنهار دخّان وبالليل نار مضيئة.

ومذهبهم أنّ النفس لا يحويها البدن، وإذا بطلت أفعالها من البدن لم تبطل هي في ذاتها. والروح يحويه البدن، فإذا فارق البدن بطل. وفي هذا تنازع كثير واختلاف، وليس هذا موضع استقصائه. وسبب صدق الرؤيا عندهم من هذا لأنّ النفس تخلص في المنام من شوائب الأجسام فتشاهد

الأشخاص بالقوّة الروحانية لا بالقوّة الجسمانية، فمن كانت نفسه صافية لم تكن رؤياه تكذب، ثمّ تكون الرؤيا وسائط بقدر مراتب النفس من الصفاء والكذب.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.