من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر العرّاف
فأمّا العرّاف فهو دون الكاهن مثل الأبلق الأسدي والأجلح الزهري ورياح بن كملة عرّاف اليمامة الذي يقول فيه الشّاعر:
فقلت لعرّاف اليمامة داونيفإنّك إن داويتني لطبيب
وكان أوّل من تكهّن سطيح الغسّاني بأمر سيل العرم وأنذر به قومه. ولم تزل أرض سبأ من أخصب أرض وأهلها في أرغد عيش، وكانت مسيرة شهر للمجدّ الراكب في مثل ذلك، وكان المارّ يسير (في تلك الجنان) من أوّلها إلى آخرها لا تواجهه الشّمس ولا يفارقه الظلّ مع تدفّق الماء وصفاء الهواء واتّساع الفضاء. فمكثوا كذلك ما شاء الله لا يعاندهم ملك إلّا قصموه ولا يعارضهم جبّار إلّا كسروه، وكانت سمة الذي يتملّك هذا البلد مأرب واشتهر البلد باسمه. قال الشّاعر:
من سبأ الحاضرين مأرب إذيبنون من دون سيله العرما
وقيل إنّ مأرب سمة لقصر ذلك الملك في صدر الزمان. قال أبو الطمحان:
ألم تروا مأربا ما كان أحصنهوما حواليه من سور وبنيان
وكانت أرض سبأ في بدء الزمان عامرة (تركبها السّيول) وتغمّها الوحول، فجمع ملك من ملوك حمير الحكماء وأحضر البصراء وشاورهم في دفع ذلك الماء وحصره وإزالة ما كان من أمره. فأجمعوا على حفر مصارف له إلى جدار تؤدّيه إلى البحر، فحشد الملك أهل مملكته حتّى صرف الماء واتّخذ له سدّا في الموضع الذي كان فيه بدء جريان الماء من الجبل إلى الجبل، وذلك نحو فرسخ، رصفه بالبنيان والحجارة والحديد وجعل فيه ثلاثين مخراقا للماء في استدارة الذراع على أصحّ هندسة وأكمل تقدير يجتذبون منها مقدارا من الماء معلوما وشربا للأرض مقسوما.
قال ابن وهب: بعث الله اثني عشر نبيّا، وكان من بعث عليه سيل العرم منهم يعبدون الشمس، فأرسل الله ﷿ إليهم رسلا يدعونهم إلى الحقّ ويزجرونهم عن الباطل ويذكّرونهم آلاء الله تعالى، فأنكروا نعمة الله وقالوا: إن كنتم صادقين فادعوا الله أن يسلبنا ذلك حتّى قالت امرأة منهم:
إن كان ما نصبح في ظلالهمن ربّكم فلينطلق بماله
إليه عنّا وإلى عياله
فدعت عليهم الرسل، فأرسل الله ﷿ عليهم سيل العرم بفأرة خرقت ذلك السّدّ المحكم والصخر المنضمّ ليكون أثبت في العبرة وأبين في الحجّة، وأباد الله حضرهم وأذهب أموالهم ومزّقهم كلّ ممزّق وباعد بين أسفارهم. ففي ذلك يقول الأعشى:
ففي ذاك للمؤتسي أسوةومأرب عفّى عليه العرم
رخام بنته لهم حميرإذا جاء ماؤهم لم يرم
فأروى الحروث وأعنابهاعلى سعة ماؤها قد قسم
فكانوا كذلك في خفيةفمال بهم جارف منهدم
فصاروا أباديد ما يقدرون منه على شرب طفل فطم
وكان سطيح وعمران بن عامر أخوا مزيقيا وطريفة الكاهنة ينذرون مزيقيا بذلك، وطريفة امرأة من أهل ردمان. فكان عمرو مزيقيا يقول لطريفة:
وما آية ذلك؟ فتقول: إذا رأيت جرذا يكثر بيديه في السّدّ الحفر ويقلّب برجليه الصخر فاعلم أنّه قد اقترب الأمر. فيقول: وما هذا الأمر؟
فتقول: وعد من الله نزل ونكال بنا نكل، فبغيرك يا عمرو فليكن الثكل. وكان عمرو يحرس السّدّ حتّى رأى به يوما جرذا يقلّب بيديه صخرة ما يقلّبها خمسون رجلا، فرجع وهو يقول:
أبصرت أمرا هاج لي برج السقممن جرذ كفحل خنزير أحم
له مخاليب وأنياب فطميسحب فهرا من جلاميد العرم
ما فاته سجلا من الصخر قصمكأنّها تقرض قطعا من أرم
فأجمع عمرو على الخروج من سبأ وبيع ماله بها وأعمل الحيلة في أن لا ينكر الناس ذلك منه، فقال لابنه: إنّي صانع طعاما وادع إليه أهل مأرب فاجلس عندي ونازعني الحديث واردد عليّ مثل ما أقول لك. ففعل ذلك وتشاتما وصاح عمرو: وأذلّاه يوم ينجد عمرو وصبي. وحلف لا
يقيم ببلد صنع به ذلك فيه، فجعل يبيع أمواله، فقال بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو واشتروا منه قبل أن يرضى. فلمّا اجتمع لعمرو أمواله أخبر الناس بسيل العرم، فأجمعوا على الجلاء، فقال لهم عمران الكاهن أخو مزيقيا: سأصف لكم البلدان فاختاروا أيّها شئتم، من كان منكم ذا همّ بعيد وجمل غير شديد فليلحق بالشعب من كرود. فلحق به همدان ووداعة دخلت فيهم. قال: ومن كان منكم ذا سياسة وصبر على أزمات الدهر فليلحق ببطن مرّ. فلحقت به خزاعة وهم بنو عمرو بن يحيى انخزعت هناك من إخوتها. ولذلك يقول حسّان:
ولمّا هبطنا بطن مرّ تخزّعتخزاعة منّا في حلول كراكر
وهم ملك وملكان بنو أفصى بن حارثة بن عمرو مزيقيا. قال: ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل. فنزلها الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو. وقال: ومن كان منكم يريد الخمر والخمير والديباج والحرير والأمر والتأمير فليلحق ببصرى وجمير- وهي من أرض الشّام. فنزلها غسّان. وقال الزبير بن بكّار إنّه قال:
من كان يريد خمرا وخميرا وبرّا وشعيرا وذهبا وحريرا فلينزل بصرى وسريرا.
وزاد أنّه قال: من كان ذا جمل رفق وهو راض بدقّ فليلحق بأرض شقّ.
فلحق عمران ابن عامر بعمّان، وبها يومئذ شقّ غسّان وهم جفنة والحارث وعوف وكعب وملك والنعمان بنو عمرو بن عامر، ومعهم عمرو بن عامر أبوهم وبنو مازن والأزد، وسمّوا غسّان لأنهم نزلوا على ماء بين الأشعرين وعمك يقال له غسّان فنسبوا إليه. قال شاعرهم:
أما سألت فإنّا معشر نجبالأزد نسبتنا والماء غسّان
قال الكاهن: ومن كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيول العتاق والذهب والأرزاق فليلحق بالعراق. فلحق بها بكر بن مالك بن فهم الأزدي وهم من كان بالحيرة من غسّان.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع