من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر معبودات العرب وعلّة عبادتهم للأصنام
قال: وذكر أنّ ابتداء عبادة العرب الأصنام هو أنّ عمرو بن لحي خرج من مكّة إلى الشّام، فلمّا قدم مأرب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، رآهم يعبدون الأصنام، فسألهم فأعلموه أنّهم يستمطرون بها ويستنصرون بها فتنصرهم. فسألهم إيّاها فأعطوه هبل صنم، فقدم به مكّة فنصبه وأمر بعبادته. وقيل: أوّل ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل لأنّ الرجل
منهم كان إذا ظعن من مكّة حمل مع نفسه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما نزل طاف به كالكعبة حتّى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه وصاروا يعبدون ما استحسنوه من الحجارة، فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالة.
فقد كانت لقوم نوح أصنام يعكفون عليها كما قال الله ﷿. وقيل: علّة ذلك أنّ إسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم، فجرا في الكعبة فمسخهما الله. وذكرت علّة رابعة: أنّ أوّل صنم عبد من دون الله ودّ، وذلك أنّ ودّا رجل مسلم من أهل بابل، وكان محبّبا في قومه. فلمّا مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه. فلمّا رآى إبليس جزعهم عليه تشبّه في صورة إنسان وقال: أرى جزعكم على هذا الرجل، فهل لكم في أن أصوّر لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم. فصنع لهم تمثالا جعلوا يقبلون عليه ويذكرونه حتّى اتّخذ كلّ واحد منهم تمثالا مثله في منزله يعظّمه ويتبرّك به، ثمّ تناسلوا على ذلك.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع