تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

القول في البيوت المعظّمة في الجاهلية

وقد ذهب قوم إلى أنّ البيت الحرام هو بيت زحل، ولذلك طال مقامه معظّما على مرور الدهور لأنّ زحل من شأنه البقاء والثبوت. وذكروا أمورا أعرضنا عن ذكرها منها استعمال التفث والشّعث عند حجّه وغير ذلك.

والبيت الثاني من السّبعة بيت على رأس جبل إصبهان على ثلاثة فراسخ منها يقال له ماربين وكانت فيه أصنام، فجعله يستاسف بيت النار لمّا تمجّس وهو معظّم عند المجوس إلى هذه الغاية.

والبيت الثالث من السّبعة ببلاد الهند يدعى مندوسان فيه من القوى الدافعة والجاذبة والمنفّرة أوصاف لا يسع ذكرها، وهو بيت مشهور، ومن أراد البحث عليه فليبحث.

والبيت الرابع من السّبعة هو النوبهار الذي بناه منوشهر الهندي بمدينة بلخ من خراسان بنيت على اسم القمر، وكان من يلي سدانته يعظّمه الملوك وتنقاد إليه وتحمل إليه الأموال. واسم الذي يلي سدانته برمك وبه سمّيت البرامكة لأنّ خالدا كان من ولد من ولي هذا البيت. وكان بنيانه من أعلى المباني تشييدا ينصب في أعلاه شقائق الخزّ الأخضر طول الشّقّة مائة ذراع لتدفع عنه قوّة الريح، فخطف الريح يوما بعض تلك الشّقائق فرمت به على مسافة خمسين فرسخا، وهذا يدلّ على ذهابه في الجوّ. وعلى باب النوبهار كتاب بالفارسية فيه: قال بوداسف: أبواب الملوك تحتاج إلى خصال ثلاث: عقل وصبر ومال. وتحت هذه الكتابة مكتوب بالعربية: كذب

بوداسف، الواجب على الحرّ إذا كانت معه واحدة من هذه الخصال ألّا يلزم باب السّلطان.

والبيت الخامس بيت غمدان الذي بمدينة صنعاء، وكان الضحّاك بناه على اسم الزّهرة وخربه عثمان، فهو في وقتنا هذا خراب وقد صار تلّا عظيما وجبلا ضخما. وكان الوزير علي بن عيسى ابن الجرّاح لمّا نفي إلى اليمن احتفر فيه بئرا وبنى عليه سقاية. ويزعم أهل اليمن أنّه سيبنى على يد غلام يخرج من بلاد سبأ يؤثر في هذا العالم تأثيرا عظيما. وقال الجاحظ: كان (أربع عشرة طبقة) بعضها فوق بعض. وقيل إنّ ملوك اليمن كانوا إذا قعدوا على هذا البنيان بالليل واشتعلت السّرج رؤي ذلك على [مسيرة] أيّام كثيرة.

والبيت السّادس كاوسان بناه كاوس الملك ولهدمه خبر طريف ذكر في كتاب أخبار الزمان، وكان الملك كاوس بناه على اسم المدبّر الأعظم- وهو الشمس- بمدينة فرغانة من مدن خراسان، خربه المعتصم.

والبيت السّابع من البيوت بأعلى بلاد الصين بناه ولد عامور بن سوبل بن يافث بن نوح على سبعة أبيات في كلّ بيت منها سبع كوى

تقابل كلّ كوّة صورة كوكب من الخمسة والنّيّران من أنواع الجوهر المضاف إلى تأثير ذلك الكوكب، ولهم فيه أسرار بزعمهم في اتّصال الأجسام السّمائية بعالم الكون وتأثيرها. وقد قرّب ذلك إلى عقولهم بأن جعل لهم مثالا من الشّاهد يدلّ على ما غاب عنهم.

والذي بنته اليونانيّة من البيوت والهياكل ثلاثة:

بيت أنطاكية من أرض الشّام على جبل داخل مدينتها على يسرة الجامع اليوم. وكانت فيه تماثيل [من] الفضّة والذهب وأنواع الجواهر، بناه سلاقيوس وخربه المسلمون. وقد كان ثابت بن قرّة بن كرايا الصابي الحرّاني حين وافى المعتضد بالله في سنة تسع وثمانين ومائتين أتى هذا الهيكل وعظّمه.

وبيت ثان الهرم الذي يرى على أميال من الفسطاط.

وبيت المقدس، والشّرعيّون يذكرون أنّ داود بناه وأتمّه سليمان ﵉، وقد قيل غير ذلك.

وأمّا بعل الصنم الذي ذكر في التنزيل فكانت اليونانية اختارت له جبل لبنان فاتّخذوا له هناك هيكلا فيه نقوش عجيبة في الحجر لا يتأتّى حفر مثلها في الخشب.

وللصقالبة بيوت ثلاثة فيها مخاريق مصنوعة (يسمع فيها أصوات قد اجتذبت قلوبهم واسترقت عقولهم، وفي بيت منها جواهر موضوعة) وآثار مرسومة تدلّهم على الكائنات والحوادث قبل وقوعها. وهذا البيت على الجبل الذي ذكرت الفلاسفة أنّه أحد جبال العالم. وعلى الجبل الأسود البيت الثاني تحيط به مياه عجيبة وأشجار ذوات طعوم مختلفة وفيه صنم عظيم على صورة رجل، هيئته شيخ بيده عصا يحرّك بها عظام الموتى وتحت رجله اليمنى صور لأنواع النمل وتحت رجله اليسرى غرابيب سود مصوّرة من صور الغداف وغيرها. والبيت الثالث يحيط به خليج من البحر مبنيّ بأحجار المرجان الأحمر والزمرّد الأخضر في وسطه قبّة عظيمة فيها صنم أعضاؤه من جواهر أربعة زبرجد [أخضر] وياقوت أحمر و [عقيق] أصفر وبلّور أبيض رأسه من الذهب الأحمر، وبإزائه صنم على صورة جارية.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.