من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر بيوت الصّابئة
وكانت للصّابئة هياكل، منها هيكل العلّة الأولى وهيكل العقل وهيكل الصورة وهيكل النفس، مستديرات الأشكال، وهياكل الكواكب والنّيرين على أشكال مختلفة من التسديس والتربيع والتثليث، وكانت لهم فيها دخن وقرابين يطول وصفها. والذي بقي من هياكلهم المعظّمة الآن:
بحرّان بيت في باب الرقّة يعرف بمغليتيا وهو هيكل آزر أبي إبراهيم، ولهم
في آزر وابنه كلام كثير. وتحته سراديب أربعة لأنواع صور الأصنام التي على صور الأشخاص السّمائية وما ارتفع عن ذلك من الأجسام العلويّة وما يظهر من أنواع أصواتها وفنون لغاتها بحيل قد اتّخذت ومنافخ قد عملت ومخاريق قد وصلت، تقف السّدنة من وراء الجدار وتتكلّم بأنواع الكلام فتجري الأصوات في تلك المنافخ والمخاريق إلى تلك الصور المجوّفة، فيظهر منها نطق على حسب ما دبّر في قديم الزمان على هيئة كيفيّة هندسته. والصّابئة حشوية الفلاسفة وإنّما يضافون إلى الفلسفة إضافة وليس كلّ يوناني حكيما.
وعلى باب مدينة حرّان مكتوب بالسّريانية قول أفلاطون وهو: من عرف ذاته تألّف. وهذا يشبه قوله: الإنسان نبات سماوي. ولأفلاطون كلام في النفس كثير: هل النفس في البدن أو البدن في النفس؟ كالشّمس: هل هي في الدار أو الدار في الشمس؟ وكيف انتقالها من جسد إلى جسد بالتدبير وبطلان ذلك الشّخص الذي تنتقل عنه وهي في ذاتها لا تفسد ولا يستحيل جوهرها؟
والصّابئة من الحرّانّيين يقرّبون في بعض قرابينهم في وقت ما ثورا أسود تسدّ عيناه ثمّ يضرب وجهه بالملح ثمّ يذبح ويراعى كلّ عضو من أعضائه، وما يظهر من الاختلاج والحركات فيكون ذلك دليلا على أحوال السّنة. ولهم في قرابينهم أسرار ومخبّآت.
وفي أقاصي أرض الصين هيكل مدوّر له سبعة أبواب في داخله قبّة مسبّعة عظيمة الشأن في أعلاها جوهرة أكبر من رأس العجل يضيء منها جميع أقطار ذلك الهيكل. وقد أراد جماعة من الملوك أخذها فلم يدن منها أحد على عشرة أذرع إلّا مات، وإن رام أخذها بشيء من الآلات الطوال إذا بلغ ذلك المقدار انعكس. (فليس شيء من الحيل يتأتّى به) تناولها بوجه ولا بسبب. وإن تعرّض أحد لهدم شيء من الهيكل مات مكانه، قوّة دافعة منفّرة قد عملت من أنواع الأحجار المغنيطيسية. وفي هذا الهيكل بئر (وعلى رأس البئر) شبه الطوق مكتوب عليه بكتاب قديم بقلم المسند: هذه البئر تؤدّي إلى مخزن الكتب الأولى وتاريخ الدنيا وعلوم السّماء وما كان فيما مضى وما يكون فيما يأتي، وتؤدّي هذه البئر إلى خزائن غرائب هذا العالم لا يصل إلى الدخول إليها والاقتباس ممّا فيها إلّا من وازنت قدرته قدرتنا وساوى علمه علمنا. وإن وقع البصر على هذا الهيكل وقع في قلب الرائي له جزع منه وحنين إليه مختلطان. وهو على جبل شامخ [من] حجر صلد لا يتأتّى فيه حفر البتّة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع