من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
القول في الأرضين والأنهار والبحار
قال) أبو عبيد: واتّفقوا أنّ طول عمران الأرض من الأميال التي الميل منها أربعة آلاف ذراع بالذراع الذي وضعه المأمون لذرع الثياب ومساحات البناء وهو أربعة وعشرون إصبعا، قال الدّولابي: وهو ذراع الأسود وذلك ألفان وثلاثمائة وثلاثون خطوة، وهو بالذراع الهاشمي ثلاثة آلاف ذراع- ثلاثة عشر ألفا وخمسمائة [ميل]، وذلك من أقصى جزائر أقيانس الستّ- وأقيانس البحر المحيط الذي لا يدرى ما وراءه- غربا إلى أقصى عمران الصّين شرقا. والشمس إذا غابت في أقصى الصّين طلعت على الجزائر وبالضدّ.
فأمّا الأقاليم السّبعة فالأوّل أرض بابل، منها خراسان وفارس والأهواز والموصل وأرض الجبل له من البروج الحمل ومن النجوم المشتري. والثاني السّند والهند والسّودان له الجدي وزحل. والثالث مكّة والمدينة واليمن والحجاز وما والاها له العقرب والزّهرة. والرابع مصر وإفريقية والبربر والأندلس له الجوزاء وعطارد. والخامس الشّام والرّوم والجزيرة له الدّلو والقمر. والسّادس الترك والخزر والدّيلم والصّقالبة له السّرطان والمرّيخ.
والسّابع الدّيبل والصّين له الميزان والشمس.
وذكر [حسين المنجّم] صاحب كتاب الزّيج عن خالد بن عبد الله المروزي أنّه رصد الشمس للمأمون ببريّة ديار ربيعة بريّة سنجار فوجد [مقدار] درجة من الفلك ستّة وخمسين ميلا من الأرض، فضرب العدد في ثلاثمائة وستّين، فانتهاء ذلك عشرون ألفا ومائة وستّون ميلا (فهو دور كرة) الأرض المحيطة بالبرّ والبحر. فقطرها على هذا ستّة آلاف وأربعمائة وأربعة وعشرون ميلا ونصف [ميل ونصف] عشر بتقريب. والمعمور نصف هذا المحيط [في الطول، فأمّا في العرض فهو] من خطّ الاستواء إلى الشّمال ومنتهى العمران في الشّمال جزيرة ثولي في برطانية.
(وذكر الفيلسوف في الكتاب المعروف بجغرافيا) أنّ عدد مدن الأرض المعمورة أربعة آلاف مدينة وخمسمائة وثلاثون مدينة وأنّ عدد البحار المحيطة بالأرض خمسة وجميع العيون الكبار مائتان وثلاثون عينا والأنهار الكبار الجارية مائتان وتسعون. وذكر أنّ طول كلّ إقليم من الأقاليم السّبعة تسعمائة فرسخ في مثلها.
وقد زعم [بطليموس صاحب] المجسطي أنّ دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألفا وثلاثون ميلا وأنّ قطرها-[وهو] »
عمقها- سبعة آلاف وستّمائة وستّة وثلاثون ميلا- قال ط: تسعة آلاف- وأنّهم أدركوا ذلك
بأنّهم أخذوا ارتفاع القطب الشمالي في مدينتين على خطّ واحد، أعني أن تكونا جميعا واقعتين تحت خطّ نصف النهار فتتّفقان في الطول وتختلفان في العرض مثل الاتّفاق الذي وقع بين تدمر في برية العراق والرّقّة.
فوجدوا ارتفاع القطب الشمالي في الرّقّة (خمسة وثلاثين وثلثا وفي مدينة تدمر أربعة وثلاثين). ثمّ مسحوا مسافة ما بينهما فوجدوه (تسعة وثمانين) ميلا، فوجب أن يكون مقدار الدرجة من الفلك في الأرض ستّة وستّين ميلا وثلثي ميل للتقريب. ثمّ ضربوا ذلك في ثلاثمائة وستّين وإذا قسم دور الأرض على ثلاثة وسبع كان ممّا يخرج مقدار [قطر] الأرض وذلك إذا ضربوا القطر في الدّور كان ممّا يجتمع مسافة جميع الأرض مكسورا ولذلك قال مرحبان الفيلسوف إنّ دور جميع الأرض على ما امتحنه اردستانس الحكيم مائتان وخمسون إلف استاديو بالرومية، والإستاديو (ثمن ميل)، وذلك أحد وثلاثون ألفا ومائتان وخمسون ميلا، وحقيقة الإستاديو عندهم أربعمائة باع والربوة عشرة آلاف غلوة.
قال: والأرض كلّها مسيرة خمسمائة عام عندهم، ثلث عمران وثلث بحار وثلث قفار غير مسكونة.
وذكر في السّفر الثاني أنّ استدارة الأرض (ستّ وثلاثون) درجة والدرجة خمسة وعشرون فرسخا والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع والذراع اثنان وأربعون إصبعا والإصبع ستّ حبّات وتسعان مصفوفة بعضها إلى
بعض، فيكون ذلك تسعة آلاف فرسخ، وهذا غير ما تقدّم في كثرة العدد وكبر الذراع. ثمّ قال: وإنّما ننقل في كلّ موضع من هذا الكتاب ما يسنح لنا وعندنا كتب الناس، فننقل ذلك عنهم على حسب ما نجده لأنّا نقطع على صحّته.
وقد مسح جماعة ممّن أتى بعد بطليموس مقدار الدرجة من درج الفلك فيما بين مدينة الرّقة وتدمر على ما ذكرناه، ووجد حساب الدرجة الواحدة خمسة وعشرين فرسخا، فوجب على هذا أن تكون مساحة أعظم دائرة تقع على كرة الأرض تسعة آلاف فرسخ إلّا أنّ بطليموس وتيتوس صاحب تركيب كتاب الأفلاك أنكر أن تكون مساحة الدرجة الواحدة تنتهي [إلى] أكثر من ستّة وستّين ميلا وثلثي ميل.
وذكروا أنّ المعمور من الأرض أقلّ من الثلث وأكثر من الربع. وطول الجزء المعمور من الأرض مبدؤه من الجزائر الخالدات التي هي أقصى بلاد المغرب إلى مدينة شيراز إلى أقصى بلاد الصّين، وذلك على الخطّ الموازي لدائرة معدل النهار، فرأس هذا الخطّ الذي مبدؤه الجزائر الخالدات هو نظير درجة الشّمس بالسّواء، إذا كانت الشمس برأس الحمل. وطول هذا الخطّ مائة وثمانون جزءا من أجزاء الفلك. فأمّا بدء عرض البلاد فإنّه من ناحية مجرى سهيل من أرض الحبشة عن مسافة عشرين ليلة في سمت مهبّ الجنوب من عدن إلى ثولي الجزيرة الواقعة تحت الخطّ الذي يجري لمنتهى الشّمال وهي بعد بلاد الصّقالبة والخزر، وثولي هذه الجزيرة هي الواقعة تحت منتهى الخطّ الشمالي.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع