تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

جملة جمعتها من كتب فلاسفة اليونانيّين في الأقاليم السّبعة

جعل طول الأقاليم جميعها من المشرق إلى المغرب، وهي مسافة اثنتي عشرة ساعة من دورة الفلك، وبين عرض كلّ إقليم والذي يليه نصف ساعة معتدلة من النهار الأطول. فالإقليم الأوّل يميل وسطه على الموضع الذي يكون طول نهاره الأطول ثلاث عشرة ساعة، والسّابع يمرّ وسطه على المواضع التي يكون طول نهارها الأطول ستّ عشرة ساعة.

فالإقليم الأوّل من حيث يكون طول نهاره الأطول اثنتي عشرة ساعة وربع ساعة إلى حيث يكون طوله ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة ومن حيث يرتفع القطب من الأفق ستّة عشر جزءا وثلثي جزء إلى حيث يكون ارتفاعه عشرين جزءا ونصف جزء، وذلك مسافة أربعمائة وأربعين ميلا من أقاصي بلاد الصّين، وفيه مدينة ملكها اسمه واسكرا وهي مرسى الصّين، ثمّ يمرّ على سواحل البحر في جنوب بلاد السّند، ثمّ يمرّ في البحر على جزيرة الكوك ويقطع البحر إلى جزيرة العرب وأرض اليمن، ففيه من البلاد المشهورة بلاد ظفار وعمان وحضر موت وعدن وصنعاء وما وراء ثبالة وجرش ومهرة [وسبأ، ثمّ يقطع الإقليم بحر قلزم فيمرّ على بلاد الحبشة ويقطع نيل مصر وفيه هناك مدينة ملك] الحبشة تسمّى جرم دنقلة، ثمّ يمرّ الإقليم في بلاد المغرب إلى أن ينتهي إلى بحر المغرب.

والإقليم الثاني من حيث يكون طول النهار الأطول ثلاث عشرة ساعة وثلاثة أرباع ساعة ومن حيث يكون ارتفاع القطب أربعة وعشرين جزءا وعشر جزء إلى حيث يكون سبعة وعشرين جزءا ونصفا، وهو مسافة أربعمائة ميل، يبتدئ من المشرق فيمرّ على بلاد الصّين. ثمّ على بلاد الهند ثمّ على بلاد السّند، وفيه المنصورة والبيرون، ثمّ يمرّ (بملتقى البحر) الأخضر وبحر البصرة ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وأرض تهامة، وفيه من المدن المشهورة هناك اليمامة والبحرين وهجر ومدينة يثرب والجار ومكّة والطّائف وجدّة، ثمّ يقطع عرض القلزم ويمرّ في أرض المغرب على بلاد إفريقية إلى بحر المغرب.

الإقليم الثالث وسطه من حيث يكون طول النهار الأطول أربع عشرة ساعة إلى حيث يكون طوله أربع عشرة ساعة وربع ساعة ومن حيث يكون ارتفاع القطب ثلاثين جزءا وثلاثة أخماس ونصف خمس إلى حيث يكون أربعة وثلاثين جزءا، وذلك مسافة ثلاثمائة ميل وخمسين ميلا، وهو يبتدئ من المشرق فيمرّ على شمال بلاد الصّين، ثمّ يمرّ على بلاد الهند وفيه مدينة القندهار، ثمّ يمرّ على شمال بلاد السّند على كابل وكرمان وسجستان وجيرفت والسّيرجان وعلى سواحل بحر البصرة، وفيه من المدن هناك مدينة إصطخر (وجور وفسا) وسابور وسيراف وجنّابا

وسينيز ومهروبان، ويمرّ بكور الأهواز والعراق والبصرة وواسط وبغداد والكوفة والأنبار وهيت حتّى يمرّ على بلاد الشّام، وفيه من المدن هناك خيار وسلمية وحمص ودمشق وصور وعكّة وطبرية وقيسارية وبيت المقدس والرملة وعسقلان وغزّة والمدائن والقلزم، ثمّ يقطع أسفل أرض مصر وفيه هناك الفرما وتنّيس ودمياط وفسطاط مصر والفيّوم، ثمّ يقطع الإسكندرية، ثمّ يمرّ على بلاد برقة وإفريقية وفيه مدينة اطرابلس والقيروان ومدينة فاس وينتهي إلى بحر المغرب.

الإقليم الرّابع وسطه من حيث يكون النهار الأطول أربع عشرة ساعة ونصف إلى حيث يكون أربع عشرة ساعة وثلاثة أرباع ساعة وارتفاع القطب سبعة وثلاثين جزءا، وذلك مسافة ثلاثمائة ميل، ويبتدئ من المشرق فيمرّ ببلاد التّبت إلى خراسان، فيكون فيه من المدن فرغانة وخجندة وأسروشنة وسمرقند وبخارا وبلخ وآمد وهراة ومروروذ وسرخس وطوس ونيسابور وجرجان والرّي وإصبهان ونهاوند والدّينور وحلوان وشهرزور وسرّ من رأى والموصل ونصيبين وآمد ورأس العين وقالى قلا وشمشاط وحرّان والرقّة وقرقيسيا، ويمرّ على شمال الشّام وفيه من المدن هناك بالس ومنبج وملطية وزبطرة وحلب وقنّسرين وأنطاكية واطرابلس الشّام والمصيصة والكنيسة السّوداء وأذنه وطرسوس وعمورية واللّاذقية، ويمرّ في بحر الشّام على جزيرة قبرس ورودس، ثمّ يمرّ في أرض المغرب على بلاد طنجة وينتهي إلى بحر المغرب، وفي هذا الإقليم تقع قرطبة وما يليها لأنّ طول نهارها في تناهيه أربع

عشرة ساعة وثلثا ساعة فبينها وبين الإقليم الرّابع نصف سدس ساعة وذلك خمسة وعشرون ميلا سواء.

الإقليم الخامس وسطه من حيث يكون طول النهار الأطول خمس عشرة ساعة وربع ساعة ومن حيث يكون ارتفاع القطب واحدا وأربعين جزءا ونصف جزء، وذلك مسافة مائتي ميل وخمسة وخمسين ميلا، وهذا الإقليم يبتدئ من المشرق من بلاد ياجوج وماجوج، ثمّ يمرّ على بلاد خراسان وفيه من المدن هناك الطراز، وهي مدينة التجّار، ونوكث واسبيجاب، ثمّ يمرّ في بلاد الرّوم على خرشنة، ثمّ يمرّ بسواحل الشّام ممّا يلي الشمال، ثمّ يمرّ على بلاد الأندلس لأنّ طول نهارها في تناهيه خمس عشرة ساعة فعليها يمرّ وسط الإقليم الخامس بالسّواء.

الإقليم السّادس من حيث يكون طول النهار الأطول خمس عشرة ساعة ونصف ساعة إلى حيث يكون خمس عشرة ساعة وثلاثة أرباع ساعة وارتفاع القطب واحد وأربعون جزءا وخمس جزء إلى سبعة وأربعين جزءا وربع جزء، وذلك مسافة مائتي ميل وعشرة أميال. وهذا الإقليم يبتدئ من المشرق ويمرّ على بلاد الخزر فيقطع وسطه بحر طبرستان إلى بلاد الرّوم، فيمرّ على جرزان وأماسيا وخلقيذون والقسطنطينية وبلاد برجان وينتهي إلى بحر المغرب، وفي هذا الإقليم تقع لبيناردرية (؟) وأواخر بلاد إفرنجة وبلاد شاخسش (؟).

الإقليم السّابع وسطه حيث يكون طول النهار [الأطول] ستّ عشرة ساعة إلى حيث يكون ستّ عشرة ساعة وربع ساعة وارتفاع القطب ثمانية وأربعون جزءا وسدس جزء إلى حيث يكون خمسين جزءا ونصف جزء، وذلك مسافة مائة وخمسون ميلا، وقيل خمسة وثمانون ميلا. وهذا الإقليم يبتدئ من المشرق ومن شمال ياجوج، ثمّ يمرّ على بلاد الترك ثمّ على سواحل بحر طبرستان ممّا يلي الشمال، ثمّ يمرّ ببلاد برجان والصّقالبة وينتهي إلى أوائل جزائر المنتاشبيتش (؟).

فأمّا ما وراء هذا الإقليم إلى آخر المعمور فإنّه يبدأ من المشرق من بلاد التغر على أرض الترك على بلاد اللّان، ثمّ يمرّ على برجان ثمّ على الصّقالبة وينتهي إلى بحر المغرب. وهذا الإقليم خارج عن الأقاليم السبعة وطول نهارهم زائد على ستّ عشرة ساعة ونصف إلى نحو سبع عشرة ساعة. وقيل إنّ المعمور يبلغ إلى طول ما يكون أطول النهار وأطول الليل عندهم ثماني عشرة ساعة، كما أنّ قبل الإقليم الأوّل إلى خطّ الاستواء ببلاد السّودان الذين يأكلون الناس.

أخبرني د قال: ذكر لي رجل من أهل الحذق والمعرفة بالهندسة قال: دخلت بلاد غياروا من وراء بلاد غانة وأطول نهارهم من اثنتي عشرة ساعة ونصف.

وذكر أنّه لا ظلّ لنصف نهارهم من شهر مايه- وهو حزيران- ثمّ يكون ظلّهم

من ناحية الجنوب إلى نصف شهر شتنبر بلا ظلّ أيضا نصف نهارهم ينعكس بعد ذلك فيكون من ناحية الشمال. و [أهل] هذا الموضع أشدّ سوادا وشعورهم أشدّ تفلفلا وخلقهم أشدّ تشويها من سائر السّودان وطبائعهم وحشية ونفوسهم سبعية وكثير منهم يثبون على الناس كالكلاب الكلبة.

فأمّا الذي لا يعمر من الأرض ولا يكون فيه حيوان ولا نبات فهو ما كان من الجنوب عرضه عن خطّ الاستواء تسع عشرة درجة لأنّ الشّمس إذا صارت في السّنبلة في حدّ ثلاث درجات إلى أن تبلغ خمس درجات من الحوت قربت منه وثبتت عليه فأحرقت كلّ شيء هنالك. وكذلك ما كان من الشمال بعده عن مدار رأس السّرطان تسعين درجة لأنّ الشّمس إذا سارت إلى البروج الجنوبية لا تطلع عليه ستّة أشهر فتنعقد البخارات ولا ترتفع فلا يكون حيوان ولا نبات. وفي نهاية العمران من خلف خطّ معدل النهار في الجنوب المسمّى يمين معدل النهار على المواضع المتساوية الأبعاد تكون الحيوانات الشّاذّة الخلق القبيحة التركيب كالفيلة وعظام الطير. د. وقد يحمل بعض تجّار البحر الذين وردوا بلاد الكوشانيّين- أعني الزّنج- بيضا تشبه بيض النعام، ونسبة بيض النعام منه كنسبة بيض الإوز من بيض النعام.

وأخبرني العذري قال: أخبرني رجل من قريش أنّه كان على حافّة البحر المحيط بحر المغرب، فأصبح على أحد بيوت ذلك الموضع طائر قد وقع على البيت وانهدم البيت من وقوعه ودخلت في حوصلته خشبة من خشب البيت فألقي ميّتا، وزعم أنّه من طرف جناحه إلى الطرف الثاني ثمانون شبرا، ولم نر أحدا ذكر أنّه عاين شيئا من هذا الحيوان دون خطّ معدل النهار إلّا الفيلة، فإنّها تجلب من هناك وتعيش فيما ولدت بها من الأقاليم ولكنّها لا تتوالد.

وذكر بطليموس أنّ مدن الأرض في عهده أربعة آلاف ومائتان. وقد بيّن أهل العلم بالهندسة بغير وجه من البراهين أنّ الأرض ثابتة في وسط العالم قائمة في مركزه لا حركة لها في ذاتها وأنّها مستديرة الشّكل وأنّ جميع الأثقال تميل وترجع إليها بالطبع وأنّ كلّ جزء من أجزائها البعيدة عن المركز بدور الارتفاع والانخفاض مطيعة إلى مركزها وأنّ الفلك المستقيم يدور عليها بجميع ما يحيط به من الأفلاك والكواكب السيّارة والثّابتة دورة واحدة في كلّ أربع وعشرين ساعة مستوية التي هي جملة النهار والليل من آخر النهار. وركّب الله ﷿ على الأرض جرم الشّمس لعلمه بالحكمة التي ينبغي أن يكون عليها تركيب العالم في فلك أخرج مركزه عن مركز الأرض بدرجتين ونصف من درج فلك البروج، فلذلك ما اختلفت حركة الشمس على الأرض فحمي مزاج جوهر الهواء المحيط بالناحية الجنوبية، وكان الجزء المعمور من الأرض في الناحية الشّمالية إذ كان كلّ حيوان بطبعه أحمل للبرد منه للحرّ. ألا ترى أنّه يتولّد في الماء من الحيوان ما لا يحصى كثرة وكذلك من النبات؟ ولا يتكوّن في النّار منه شيء إلّا الشاذّ النّادر إن صحّ ذلك فيه كما زعموا أنّه يتكوّن في أفران الزجّاجين ضرب من سامّ أبرص حمر الألوان، فإذا خرجت عن النار هلكت. فوجب لهذه العلّة أن يكون رسم الأقاليم السّبعة وبحدودها في الجزء الشمالي من الأرض كما ترى.

وأهل القطب الشمالي يرون بنات نعش ولا يرون كواكب القطب الجنوبي كسهيل، فإنّه لا يرى بخراسان ويرى بالعراق في السّنة أيّاما، ولا يقع عليه

عين جمل من الجمال إلّا هلك، فهذه خاصّة في هذا النوع من الحيوان، وسهيل يظهر في البلدان الجنوبية السّنة كلّها.

والأرض كلّها نصف عشر ثمن جزء من الشمس، فهي أعظم منها مائة وستّين مرّة، وقطب الشمس اثنان وأربعون ألفا، وسائر الكواكب العلوية أعظم من الأرض بدون هذه النّسبة، وما تحت الشّمس منها أقلّ من الأرض، فأمّا القمر فإنّه أعظم من الأرض سبعا وثلاثين مرّة وأقرب بعد القمر من الأرض مائة ألف وثمانية وعشرون ألف ميل، وبعد زحل من الأرض سبعة وسبعون ألف ميل إلّا شيئا.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.