تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

القول في البحار

زعم كثير من الفلاسفة وأهل العلم بالهندسة أنّ البحر الأعظم محيط بالأرض من جميع جهاتها لأسباب ذكروها ليس هذا موضع ذكرها وأنّ الشّكل الذي ينسب إلى العنصر المائي السّيّال الجوهر هو شكل ذو ثماني قواعد مثلّثات، وذلك جسم يحيط به ثمانية سطوح مثلّثات متساوية الأضلاع قائمة الزوايا يسمّى كعبا، وهو شكل الأرض على رأي أفلاطون وكثير من القدماء.

وجميع بحار الأرض فروع من هذا البحر وهي متّصلة الأجزاء ملتقية المياه، وقد نقل بعض المؤرّخين أنّ أحد ملوك الأرض أراد أن يعلم صحّة ذلك فأنشأ

سفنا ضخمة حصينة وشحّنها بالرّجال والأزواد والمال أرسلها نحو المشرق والمغرب والشّمال والجنوب، فأصابوا جميع أجزاء البحر يتّصل بعضها ببعض وألفوها كلّها تتشعّب من البحر الأعظم المحيط. وقال أهل العلم بهيئة الأرض والبحار إنّ الأمّهات الكبار المتفرّعة من البحر المحيط أوّلها البحر الأعظم الآخذ من المغرب إلى الجنوب وكذلك عرف بالبحر الجنوبي، وهو يأخذ من الغرب إلى الجنوب وكذلك عرف بالبحر الجنوبي، وهو يأخذ من المغرب إلى القلزم ويمرّ بوادي القرى إلى الجار وجدّة وأيلة وعدن أبين والشحر وعمان وعبادان إلى أرض السّودان ويمرّ بصنف ببلاد العود إلى أكثر الهند إلى واق واق، وله جناحان أحدهما يأخذ إلى جزيرة العرب ويمرّ باليمامة وعمان ومهرة والشحر والجناح الآخر يأخذ إلى بلاد فارس، وعليه يقع سيراف وماوه (؟) والديبل، وبهذين البحرين سمّي البلد بالبحرين.

وأمّا البحر الثاني الذي يتلو البحر الجنوبي في العظم فهو البحر الشّمالي الآخذ من الشّمال إلى ناحية الجنوب، وابتداؤه من طول واحد ويمتدّ إلى طول سبعة عشر على صورة الطيلسان إلى أن يأتي شكله شكل قطعة دائرة، ثمّ يمرّ على أحد يداب إلى أن يأتي شكله شكل الثابورة (؟)، وليس على هذا البحر من المدن إلّا مدينة واحدة يقال لها مولية، ولا يركبه أحد لغلظ جوهر مائه وظلمته وتكاثف الهواء عليه، وإنّما يدخل منه الموضع الموازي لسمت المغرب فإنّه يركب من هناك إلى الجزائر التي من أقاصي بلاد المغرب.

وأمّا البحر الثالث فهو البحر الرومي السّدّ، وهو يأخذ من أنطاكية إلى أقصى بلاد المغرب وهو يلتقي البحر المظلم ويخرج الى الجزائر الخالدات، ويخرج من هذا البحر الرومي خليج كبير يمرّ بجزيرة الأندلس، ثم يمرّ هذا البحر ذاهبا إلى السّنوس الأقصى من بلاد فارس والأهواز، ثمّ يأخذ هذا البحر الثالث من أنطاكية فيصير بحرا رابعا إلى القسطنطينيّة ثمّ ينعطف إلى ناحية المغرب آخذا إلى الأبواب من ناحية بلاد الخزر، وعلى هذا البحر المنعطف تقع المدن الخمس التي يأخذ الخزر عليها في ممرّهم إلى القسطنطينيّة منها المدينة البيضاء. وعلى ساحل هذا البحر تقع طرسوس والمصيصة والإسكندرية وأنطاكية واللاذقية وعرقة واطرابلس الشّام وسائر ما يتلو هذه البلاد، ثمّ يدور إلى بلخ مدينة الخزر الموضوعة ومن هناك يأخذ إلى باب الأبواب.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.