تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

بحر الهند

وهو البحر الحبشي وهو بحر الصّين والهند والسّند والزّنج والبصرة والأبلّة وفارس، وكما زعموا وعمان والبحرين والشحر واليمن وأيلة والقلزم، وليس في المعمور أعظم منه، طوله من المشرق إلى المغرب ثمانية آلاف ميل وعرضه ألفان وسبعمائة ميل وعرضه في موضع آخر ألف وتسعمائة ميل، وقد اختلف في ذلك وهذا أصحّ. وهذا البحر وإن كان واحدا فهو ستّة أبحر متخرّقة بعضها إلى بعض، والأدلّاء يعرفون فصل ما بينها لأنّ لكلّ بحر لونا وريحا وسمكا ونسيما ليس للآخر. فمنها بحر لاروي وعليه بلاد صيمور وسوبارة وتانة

وسندان وكنباية وغيرها من بلاد الهند، ثمّ بحر هركند، ثمّ بحر كلّابار وهو بحر كله والجزائر، ثمّ بحر كندرنج، ثم بحر الصّنف الذي يضاف إليه العود، ثمّ بحر الصّين وهو بحر صنغي لا يحدّ ما وراءه.

وفي هذه البحار جزائر لا تحصى وأمم لا تكتب عدّا، وأكثر غذائهم النارجيل، وبين بحر لا روي وهركند جزائر الملكة التي ذكرناها قبل هذا، وأموالها الودع. وذكر أنّ ورق النارجيل يطرح على البحر نحو ضفّته فيتراكب عليه حيوان ثمّ يؤخذ ويلقى في الهواء فتحرقه السّموم ويكون ودعا فيملأ من ذلك بيوت الأموال. وذكر بطليموس أنّ مراقي بحر هركند وهي جزائر هذه الملكة ألف وتسعمائة جزيرة عامرة سوى الغامرة. وبجزائر هذه الملكة يكون العنبر الجيّد، وربّما انتهى منها القطعة بقدر البيت، وسنذكر أين يكون العنبر وأصله عند ذكر البحر الأخضر وفيه إن شاء الله.

وفي جزائر بحر الصّنف مملكة المهراج ولا يستطيع أن يطوف بجزائره بأسرع المراكب في سنين كثيرة. وفي جزائره أنواع الطيب والأفاويه. وليس لإحد بالهند من ذلك ما له. وجزيرة الملك المهراج التي هي قراره مفرطة الكبر متّصلة العمارة كثيرة الخصب. ذكر بعض التجّار الذين دخلوها الموثوق بنقلهم أنّ الديكة إذا رقّت بما في الأشجار تجاوبت لمائة فرسخ لاتّصال عمارتها

وانتظام مساكنها لا مفازة فيها ولا خراب، وأنّ المسافر يسافر في أقطار تلك الجزيرة بلا زاد ويحلّ على الطعام وخصب العيش حيث أراد. وتتّصل جزائره بجبال شوامخ في أعنان السّماء تظهر منها بالليل نار حمراء تقذف بأشدّ ما يكون من صوت الرعد والصّواعق، وربّما سمع منها صوت مهول مفظع خارق للعادة ينذر بموت ملكهم. وتليها الجزيرة التي يسمع منها على دوام الأيّام أصوات الطّبول والسّرنايات والعيدان وسائر أنواع الملاهي وأنواع الرقص والتصفيق يفهم ويميّز بعض ذلك من بعض، ويزعمون أنّ الدجّال بتلك الجزيرة. وفي جزائر المهراج هذه جزيرة من أربعمائة فرسخ، والله أعلم.

فأمّا بحر الصّين فإنّ من عجائبه أنّ فيه نوعا من السّراطين يخرج منها كالذراع والشّبر، فإذا بان عن الماء وصار إلى البرّ عاد حجرا وانقلب عن الحيوانية، وهو يدخل في أكحال العين.

وليس في ممالك السّند والهند من بعد المسلمين مملكة مثل البلّهرى وهم تطول أعمارهم بخلاف المعلوم من غيرهم ويقولون بسنّة العدل. وتليه مملكة الطّاقى ولهم جمال والتجّار يتنافسون في شراء نسائهم. (ثمّ يلي هذا الملك مملكة دهرم، وهذه سمة لملكهم) وهو ذو مملكة عظيمة وهو يحارب البلّهري، ويقال إنّ عدد الغسّالين والصّنّاع بعسكره خمسة عشر ألفا وماله الودع. وفي بلادهم من الذهب والفضّة ومعادنها ما لا يحصى كثرة، وفي بلده الحيوان المعروف بالبشان وهو الكركدّن، وقد يكون بالهند

(إلّا أنّ الذي هنا أجلد) وقرنه أنقى. والفيل يرهبه وهو أشدّ خلق الله ﷿، وهو دون الفيل في الخلق، وهم يأكلون لحمه كلحوم الجواميس، في قرونها صور جميع الحيوان، فأحكم ما يكون سوادا في بياض، وربّما كان بياض في سواد وهو قليل تصنع منه المناطق بالألف.

وأكثر ملوك الهند لا يرون حبس الرّيح في الجوف وكذلك حكماؤها لا يستحيون في إظهارها في كلّ أحوالها ويزعمون أنّ حبسها أصل الأذى، ويرون أنّ الجشاء والسّعال أقبح منها، ويزعمون أنّ صوت الضرطة دبغها والمذهب لريحها. وقد ذكر ذلك في القصيدة المعروفة بذات الحلل:

قد قال ذو العلم النصيح الهنديمقالة أفصح فيها عندي
لا تحبس الضرطة إمّا حضرتوخلّها وافتح لها ما افتتحت
فإنّ ذا الدّاء في إمساكهاوالرّوح والرّاحة في فكاكها
والقبح في السّعال والمخاطوالشؤم في العطاس لا الضراط
أمّا الجشاء ففساء صاعدونتنه على الفساء زائد

ومن مذاهبهم أنّ ما ينالهم من النعيم في المستقبل مؤجّلا هو بقدر ما تعذّب به أنفسهم في هذه الدّار معجّلا. قال: ولقد رأيت منهم رجلا

ببلاد صيمور وبها من المسلمين نحو من عشرة آلاف وذلك سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وهو يطوف في أسواقهم ومعه جماعة من أهله وقد ظهرت له الناس وقد وضع على رأسه الجمر والكبريت، فيسير وهامته تحترق وروائح دماغه تتضوّع. فلمّا دنا من النار أخذ خنجرا فوضعه على فؤاده فشقّه ثمّ أدخل يده الشّمال فقبض على كبده فجذب منها قطعة وهو يتكلّم فقطعها بالخنجر ودفعها إلى بعض إخوانه تهاونا بالموت ولذّة بالنقلة، ثمّ هوى بنفسه في النار.

زعموا أنّ جزيرة الصنف بينها وبين قمار التي يجلب منها العود القماري مسيرة شهر وبين قمار ونيومة- وهي الجزيرة التي يكون بها العود الهندي- خمسة أيّام. وذكروا أنّ شجرة العود الطيب تكون بقدر شجر الرّمان إلّا أنّ ورقها مثل ورق الريحان، فما كان منها بين الحجارة فهو العود الطيب يكون رطبا وسائره يكون أجناسا عشرة كلّ جنس لا يشبه الآخر، فمنه ما يكون ورقه مثل ورق الكمثرى والخوخ وذلك في جبل الصنف وتساير في جبل الصنف هذا إذا جئت في البحر بالريح الطيّبة نحو خمسة عشر يوما، وأكثر شجرها عود ومنه عامّة ما يخرج إلى البلاد. واللّكّ فيه كثير أيضا. ومن حيوان هذا الجبل الفيل والكركدّن.

ويخرج من هذا بحر الهند خليج يتّصل بأرض الحبشة والزّنج يسمّى البربري طوله خمسمائة ميل وعرضه مائة ميل، وليس في البحار أهول من هذا الخليج وموجه أعمى لا ينكسر ولا يظهر منه زبد ككسر أمواج سائر البحار، يرتفع موجه ارتفاع الجبال الشواهق ثمّ ينخفض كأخفض ما يكون من الأودية، وفيه يكون السّمك المعروف بالأوال طول السّمكة أربعمائة ذراع إلى الخمسمائة ذراع بالذراع العمري وهو ذراع أهل ذلك البحر، وربّما ظهر منه طرف كالشّراع العظيم وينفخ الصعداء بالماء فيذهب الماء في الجوّ أكثر من علوّ سهم

ويحشر بذنبه وأجنحته السّمك إلى فيه، وهو قد فغرفاه فتهوي إلى فيه جريا.

فإذا بغت هذه السّمكة بعث الله لها سمكة نحو الذراع تدعى اللّشك فتلتصق بأصل ذنبها فلا يكون لها منها خلاص فتخترق البحار وتضرب بنفسها حتّى تموت وتطفو فوق الماء فتكون كالجبل العظيم.

وكذلك التمساح آفته من دويبة في ساحل النيل، وهو أنّ التمساح لا دبر له وما يأكل يتكوّن في بطنه دودا، فإذا آذاه ذلك خرج إلى البرّ فاستلقى على قفاه فاغرا فاه، فينقضّ إليه طير الماء من أنواع كثيرة فتأكل ما يظهر في جوفه قد اعتادت ذلك منه، وتكون تلك الدويبة قد كمنت في الرمل فتثب إلى حلقه وتلجّ جوفه ثمّ تخرق جوفه وتخرج، وربّما قتل نفسه قبل أن تنقر جوفه وهي دويبة تكون نحو الذراع على صورة ابن عرس ذات قوائم شتّى ومخالب.

وبين بحر هركند ولاروي من هذه البحار التي ذكرناها جزائر نحو ألف، وبين كلّ جزيرة الفرسخ ونحوه تملكها امرأة، كذلك كانوا على قديم الزمان، وهذه الجزائر تعرف بالدّيبجات، ولا تحصى جيوشها لكثرتهم.

وآخر هذه الجزائر جزيرة سرنديب، وتتّصل بهذه الجزائر جزائر مختلفة لا تحصى جيوشا.

وهذه البحار المذكورة كلّها تذيب الحديد وتمحق مسامير السّفن فلا تزال تندقّ، وإنّما يتّخذ أهلها سفنهم من السّاج محيّطة بليف النارجيل بدلا من المسامير.

وبجزيرة سرنديب هيكل عظيم من ذهب يفرطون في مبلغ زينته وقيمة الجوهر الذي عليه، وإليه تجتمع أهلها فيتدارسون سير آبائهم وقصص ملوكهم، ويقال إنّ جزيرة سرنديب ثمانون فرسخا في مثلها. ح. وبسرنديب جبل منيف ذاهب في السّماء يراه من في البحر على مسيرة الأيّام وهو الذي ذكر أنّه أهبط عليه آدم ﵇، وقد ذكرت البراهمة أنّ عليه قدم آدم مغموسة في الجبل نحو خمسين ذراعا. وعلى هذا الجبل تلألأ نور يشبه البرق أبدا. وعلى هذا الجبل وحوله أنواع الياقوت الأحمر والأصفر والأكحل، والأحمر أشرفها وأنفسها، وذلك أنّه إذا بقي عليه النار ازداد حمرة وحسنا، وإن كانت عليه نكتة شديدة الحمرة ونفخت عليه النار انبسطت في الحجر تلك الحمرة فحسّنته ولوّنته، (قالوا إنّ مبارد) الحديد لا تؤثر في ألوان الياقوت، وقد زعم أرسطاطاليس أنّ من تقلّد حجرا أو تختّم به من هذه الأصناف الثلاثة التي ذكرناها من الياقوت وكان في بلد قد وقع فيه الطاعون منع منه أن يصيبه ما أصاب أهل ذلك البلد. وقال ح. إنّ سرنديب ليس في مملكة هذه المرأة كما قال س، وإنّما هي لملك البهل، وهو يشرب الخمر تحمل إليه من بلاد العرب فيشربها، وليس في ملوك الهند من يشربها غيره، وأنّه يشربها ويحلّلها لأهل مملكته.

ومماليك هذه الملكة تسمّى برّان وهي تدعى البرانية وهي شديدة المملكة، وإنّ ملك البهل في جيشه وعظيم مملكته يعجز عنها، وبلادها وبيّة من سكنها من غير أهلها فكان آجالهم تتفق فيها. ولفيلتهم من العظم ما ليس في سائر الممالك.

وملوك الهند يشترون كلّ ذراع يزيد على خمسة أذرع في ارتفاع الفيل بألف دينار إلى سبعة أذرع وبحساب ذلك فيما نقص عن ذراع، ولا يوجد عندهم ما يزيد على سبعة أذرع إلّا فيلة عند البرانية، فإنّها تنتهي [إلى] عشرة أذرع، وليس في فيلة ملوك الهند أجرى على القتال من فيلة الصّيلمان ملك من ملوكهم، وإنّما يختبرون جرأتها بأن يوقدوا لها نارا عظيمة ثمّ يحملونها عليها فما اجترأ عليها منها فأنّه جريء، وما حام عنه أو جبن عن اقتحامها فإنّه يصلح لنقل المتاع وحمل الأثقال.

ويمتدّ من البحر خليج آخر ينتهي إلى القلزم وبينها وبين فسطاط مصر ثلاثة أيّام، وعليه مدينة أيلة والحجاز وجدّة واليمن، وطوله ألف وأربعمائة ميل، وما ذكرنا من البلاد على شرقيّه وعلى غربيّه صعيد مصر وما والاه وأرض البجاة وما اتّصل بها، ثمّ بلاد الأحابيش والسّودان إلى أن يتّصل بأقاصي أرض الزّنج، وهناك بلاد سفالة أرضهم.

وقد كان بعض ملك من ملوك اليمن حفر بين القلزم وبين البحر الرومي حفيرا ليوصل بينهما فلم يتأتّ له ذلك لارتفاع القلزم وانخفاض بحر الرّوم، والله ﷿ قد جعل بينهما حاجزا كما قال في كتابه العزيز. والنهر الذي حفر

ببحر القلزم يعرف بذنب التّمساح على ميل من مدينة القلزم عليه قنطرة عظيمة يجتازها حاج مصر. فلمّا لم يتأتّ له هذا احتفر خليجا آخر من بحر الرّوم ممّا يلي بلاد تنّيس ودمياط ويعرف هذا الخليج بالزّبر والخبية، فاستمرّ الماء في هذا الخليج من بحر الرّوم إلى موضع يعرف بنعنعان، فكانت المراكب تدخل من بحر الروم إلى هذه القرية وتدخل من بحر القلزم إلى آخر ذنب التّمساح فيقرب حمل ما في كلّ بحر إلى الآخر، ثمّ ارتدم ذلك على طول الدّهر. وآثار الحفر في هذا الموضع بيّنة.

وقد همّ الرّشيد أن يوصل ما بين هذين البحرين من أعلى مصبّ النيل من نحو بلاد الحبشة وأقاصي صعيد مصر، فلم يتأتّ له قسمة ماء النيل، فرام ذلك ممّا يلي بلاد الفرما نحو بلاد تنّيس، فقال له يحيى بن خالد: إن تمّ هذا اختطف [الرّوم] الناس من المسجد الحرام ومكّة، فامتنع من ذلك.

وقد أراد عمرو بن العاص ﵁ محاولة هذا عند تولّيه أمر مصر فمنعه عمر بن الخطّاب ﵁.

(ويتشعّب من هذا البحر) خليج ثالث وهو بحر فارس، وطوله ألف وأربعمائة ميل وعرضه في الأصل خمسمائة ميل، وينتهي إلى بلاد الأبلّة والخشبات وعبادان من أرض البصرة. وخشبات البصرة سمّي الموضع بذلك لأنّها علامات من خشب منصوبة في البحر للمراكب إلى عمان. وهذا أوّل حدّ فارس، وهذا الخليج مثلّث الشّكل تنتهي زاويته بلاد أبلّة، وعليه ممّا يلي الشّرق ساحل فارس وساحل سيراف وساحل كرمان وبلاد مكران، وهي أرض الخوارج، وهذه كلّها أرض نخل، ثمّ ساحل الهند وفيه مصبّ

مهران وهو نهر السّند، ثمّ يتّصل إلى أرض الصّين ساحل واحد عامر.

ويقابل ما ذكرنا ممّا يلي الغرب (جزائر قطر) وشطّ بني جذيمة وبلاد عمان، وهي تقابل بلاد كرمان، ثمّ أرض الشّحر والأحقاف وحضر موت.

وأهل الشحر ناس من قضاعة ويدعى من سكن هذه البلاد من العرب المهرة، وهم يجعلون الشّين بدلا من الكاف، وعندهم أجود العنبر [وهو] المدوّر الأزرق النّادر، ولهم نجب يركبونها على السّاحل، فإذا أحسّت بالعنبر بركت عليه، قد ريّضت لذلك واعتادته، وبهذا السّاحل يكون الكندر ومنه يحمل. وأجود العنبر أيضا بجزائر الزّنج، وهو شيء يتكوّن في قعور البحار فيكون كأنواع الفطر والكمأة، وربّما بلغ منها شيئا الحوت المعروف بالأوال فيقتله فيطفو، وله ناس يرصدونه من الزّنج فيطرحون فيه الكلاليب والحبال ويشقّون عن بطنه فيخرجون العنبر منها، ويعرف ذلك العنبر العطّارون بالعراق وبالهند. وبساحل بحر الأندلس عنبر جيّد بموضع يقال له (شنترين وشذونة).

وفي هذا الخليج جزائر كثيرة مثل جزيرة خارك، وفيها مغاص اللؤلؤ وهو المعروف بالخاركي، وجزيرة أوال فيها بنو معن وخلائق كثيرة من العرب، وفي هذا البحر الجبال المعروفة بكسير وعوير وثالث ليس فيه خيبر، وهي جبال سود ذاهبة في الهواء لا نبات لها ولا حيوان فيها، يحيط بها موج من

البحر متلاطم تجزع منه النفوس ولا بدّ للمراكب من الدخول في وسطها والاجتياز عليها فتخطىء وتصيب. وهي في طريق من قطع من عمان إلى سيراف، وبين هذا الخليج وخليج القلزم المذكور من المسافة في البرّ ألف وخمسمائة ميل، وهذه المسافة داخلة [من البرّ] في البحر، (والبحر محيط بها) من أكثر جهاتها.

وهذه البحار كلّها واحد: بحر الصّين والهند وفارس واليمن، وتختلف في ارتجاجها وتتضادّ، فأوّل ما تبتدئ صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السّنبلة إلى أن تصير إلى برج الحوت، وبحر الهند بالضدّ، فهما شبيهان بطبيعة المدّتين اللّتين يهيجان في وقتهما، فأمّا بحر فارس فإنّه يركب سائر السّنة.

وليس فيما ذكرنا من خلجان هذا البحر أنتن ريحا ولا أقلّ خيرا في بطنه وظهره من بحر القلزم، وهو على يمين بحر الهند، ولا أوحش منه ولا أكبر جبالا، والمراكب لا تسير فيه إلّا نهارا، فإذا جنّ اللّيل أرست في مواضع معروفة كالمراحل. وهو حدّ بحر الهند والسّند الذي في قعره اللؤلؤ والعنبر، وفي جباله الجوهر ومعادن الذهب والفضّة، ومن معادنه الأبنوس والخيزران والعود وأشجار الكافور والقرنفل والصّندل وأنواع الطّيب.

ومغاص اللؤلؤ في بلاد خارك وقطر وعمان وسرنديب وغيرها من هذه البحار خاصّة، وغيره من البحار لا لؤلؤ فيه. والغاصّة لا يتناولون شيئا من اللّحمان

إلّا السّمك، ولا بدّ من شقّ أصول آذانهم لخروج النفس لأنهم يحملون على أنوفهم الذّبل، وهو ظهور السّلاحف، ويجعلون في آذانهم قطنا فيه دهن يعصرون من ذلك الدهن في قعر البحر فيضيء ضياء نيّرا، ويطلون سوقهم وأيديهم بالسّواد خوفا من بلع دوابّ البحر لهم، فتنفر من السّواد، ويتصايحون صياح الكلاب في قعر البحر فينفرها أيضا، وربّما خرق الصوت البحر فيسمع، والغوص إنّما يكون من أوّل نيسان إلى آخر أيلول.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.