من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر علّة المدّ والجزر
فأمّا علّة المدّ والجزر فمختلف فيها، فقد قيل: علّة ذلك القمر على ما بيّن أبو معشر. وقال قوم: هي الأبخرة التي تتولّد في باطن الأرض، فإنّها إذا كثفت دفعت حينئذ ماء هذا البحر فلا يزال على ذلك حتّى تنقص موادّها فيتراجع الماء حينئذ إلى قعور البحار فكان الجزر، فهذا يدلّ عليه كونه في كلّ أوان وفي غيبة القمر وطلوعه. وقال آخرون إنّ هيجان البحر كهيجان بعض الطبائع بالإنسان ثمّ تسكن. وقال آخرون إنّ الهواء المطلّ على البحر يستحيل دائما، فإذا استحال عظم ماء البحر، ثمّ يعاقب ذلك استحالة ماء البحر فيتنفّس ويعود البحر إلى ما كان عليه، وإنّ الماء يستحيل هواء والهواء يستحيل ماء. وقال الشرعيّون: كلّ حال لا يعلم له في الطبيعة مجرى فهو فعل إلاهيّ لا يدخله قياس ولا يدرك بحسّ.
قال س: وقد زعم قوم من نواتية البحر الفارسي أنّ المدّ والجزر لا يكون فيه إلّا مرّتين في العام، فإذا كان الصيف كان الماء في مشارق البحر بالصين وما والاه وفي الشّتاء بالضدّ.
قال س: رأيت بمدينة كنباية من أرض الهند، وهي مملكة البلّهرى، وكانت على خليج من البحر أعرض من النيل، فيجزر الماء في هذا الخليج حتّى يبدو الرّمل وقعر الخليج ويبقى فيه اليسير من الماء. فرأيت الكلب على هذا الرّمل الذي نضب ماؤه وصار كالصحراء، وقد أقبل المدّ وأحسّ به الكلب فأقبل يشتدّ ليفوت الماء، فلحق الماء بشدّة دفعت الكلب فغرّقته.
وأمّا علّة ما لا يظهر فيه مدّ ولا جزر من البحار فهي التي تبعد عن مدار القمر ومسافته بعدا كبيرا، وقيل إنّها التي يكون الغالب على أرضها التخلخل فينفذ الماء منها إلى غيرها من البحار وتنفس الرّياح الكائنة في أرضها. وسنورد من أخبار هذه البحار مع ذكر اسمها وممالكها ما فيه شفاء إن شاء الله ﷿، والله أعلم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع