تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر البحر المحيط وعجائبه وجمل من عجائب سائر البحار المتقدّم ذكرها سواء ما ذكرناه من ذلك مستخرجا من كتاب عجائب البلدان

زعموا أنّ في البحر الأخضر عرش إبليس تشبّه بالباري سبحانه وتقدّست قدرته، حوله نفر من الأبالسة والعفاريت العظام وسائر أصناف الجنّ.

فمنهم من لا يفارقه من حجّابه وخدمه، ومنهم من يتصرّف بأمره في فتنة الناس وكيدهم وتضليلهم. وله جزيرة اتّخذها سجنا لمن خالف أمره من الجنّ، وفي تلك الجزيرة هيكل سليمان بن داود ﵊، وفيه جسده، وهو قصر عجيب البناء واسع الفناء. وفي هذا البحر جزائر لا تزال على مرّ الزمان تقذف نارا تعلو مائة ذراع وأكثر. وفيه سمك طول السّمكة مسيرة الأيّام المختلفة وهي مختلفة الأشكال مشوّهة الخلق، وفيه مدائن تطفو على الماء آهلة بغير الأنس.

وفي هذا البحر الأصنام التي عملها أبرهة ذو المنار قائمة على الماء، أحدها أصفر يومئ بيده كأنّه يخاطب من ركب ذلك البحر يأمره بالرجوع، والثاني أخضر رافع يديه باسط لهما كأنّه يريد إلى أين تذهب، والثالث أسود يومئ بإصبعه إلى البحر: من جاز هذا المكان غرق، مكتوب على صدره بالسّند: هذا ما صنع أبرهة ذو المنار الحميري لسيّدته الشّمس تقرّبا إليها.

ويختلف عمق هذا البحر، فمنه ما لا يلحق له قعر ولا يعرف له مقدار غوره، ومنه ما يكون عمقه سبعة آلاف باع أو أكثر.

وأمّا البحر الأسود الزفتي وهو متّصل به وهو شديد النتن وليس فيه غير قلعة الفضّة يقال إنّها معمولة وقيل إنّها خلقة، ومن هذا البحر يخرج بحر الصين وأوّله بحر فارس، وقد تقدّم ذكره. وفيه اثنا عشر ألف جزيرة، وفيه الدّردور موضع يدور فيه الماء، فإذا وقع فيه مركب لم يزل يدور فيه حتّى يتلف. وفيه كسير وعوير، وقد تقدّم ذكرهما. وفيه عجائب كثيرة من الحيوان، وفيه

سمك طول السمكة منها مائتا ذراع وأكثر وأقلّ. وفيه جزائر تنبت الذهب، وفيه مغاوص اللؤلؤ الجيّد. وفي هذا البحر قصر من البلّور منيف رفيع على قلعة تنير برج داخلها لا تطفأ، وأراد النزول به الإسكندر فمنعه بهرام فيلسوف الهند وعرّفه أنّه من نزل به وقع بقلبه السّبات، وظهر قوم قصار زعر لباسهم ورق الشجر، فسأل الإسكندر بهرام عن صبرهم على المقام هناك، قال:

عندهم شجرة إذا أكلوا منه زال عنهم ذلك.

وبعد هذا بحر لا يدرك قعره ولا يضبط غوره، تقطعه المراكب بالرّيح الطّيبة في شهرين، وليس في جميع البحار الخارجة من البحر المحيط أكبر منه ولا أشدّ حولا. وفي عرضه بلاد واق واق، وهنّ جوار تحمل بها شجر معلّقة بشعورها ولها ثدي وفروج كفروج النّساء وأبدان حسان ولا يزلن يصحن واق واق، فإذا قطعت عن الأشجار التي تحملها أقامت يوما وبعض يوم آخر ثمّ تهلك. وربّما نكحهنّ الناس في أطيب رائحة وألذّ مباضعة. وبلاد الواق واق لا يسكنها بشر، إنّما يسقط إليها أهل المراكب في الندرة، وهي أكثر الأرض طيبا وبها ثمر وفواكه لا تعرف في غيرها لا يعلم ما هي ألذّ مأكولا وأطيب مشموما.

وتليهم أمّة بجزيرة على شبيه النّساء سبط الشعور نواهد الصّدور يقال لهنّ بنات الماء، لهنّ قهقهة وضحكة وكلام لا يفهم. وقد أولد بعض البحريّين منهنّ واحدة غلاما وهو مستوثق بها، ثمّ ظنّ بعد ولادتها أنّها ستألف ابنها ولا

تفارقه، فأرسلها من وثاقها، فتغفّلته وتردّت في البحر وذهبت سابحة ثمّ ظهرت له بعد يوم وألقت له صدفا فيه درّ نفيس، ثم ولت ذاهبة. فكان ذلك الغلام يعرف بابن البحرية.

وفي هذا البحر المذكور أسماك طيّارة تطير ليلا فترتعي في البراري، فإذا أزف طلوع الشمس عادت إلى البحر، وفيه سمكة خضراء شهباء من أكل منها اعتصم من الطعام أيّاما كثيرة وتجزّأ بها عنه فلم يرده ولم يجد لفقده مساءة. وفيه سمكة ربّما نبت على ظهرها الحشيش والصدف، وربّما أرسى عليها أصحاب المراكب فيظنّون أنّها جزيرة، وإذا رفعت إحدى جناحيها كانت مثل الشراع العظيم، وإذا رفعت رأسها من الماء كان كالجبل الضخم، وإن نفخ الماء من فيه كان كالصومعة الجليلة، وإذا سكن البحر جذب السمك بذنبه ثمّ فغر فاه فغاصت فيه كأنّما غاصت في بئر، ويقال له القيدور، وأهل المراكب يحذرونه على سفنهم ثمّ يضربون بالنواقيص طول ليلتهم. وهذه السّمكة أيضا تكون في بحر هركند.

وفي بحر هركند حيّات عظام تخرج إلى البرّ فتبتلع الفيلة وتكتف الصّخور في البرّ فتكسّر عظامها في أجوافها ويسمع لذلك صوت هائل، وقليل ما تظهر وربّما احتال بعض الملوك لها- أعني ملوك الهند والزنج- فيصيدونها ويطبخونها ويستخرجون دهنها فيدهنون به فتزيد في قوّتهم ونشاطهم وهيبتهم، ويستعملون من جلودها فرشا، وهي جلود موشّاة ملمّعة ألين من الحرير، إذا جلس عليها صاحب السّلّ أمن السلّ أن يصيبه أبدا.

وزعم صاحب كتاب العجائب أنّ بحر هركند يليه بحر يقال له ذانجد وبينهما ألف وسبعمائة جزيرة. قال: [وفي] هذه الجزائر يكون العنبر الرفيع الدّسم تكون القطعة منه مثل البيت. وفي كتاب الطيب الذي ألّفه إبراهيم بن الهنيري، أنّ أحمد بن حفص العطّار قال: كنت جالسا في مجلس أبي إسحاق وهو يصفّي عنبرا قد أذابه وأخرج ما كان فيه من الحشيش الذي حلّقه مناقير الطير، فسألني فقلت: هذه مناقير الطير التي تأكل العنبر إذا راثته دوابّه. فضحك أبو إسحاق وقال: هذا قول تقوله العامّة، ما خلق الله دابّة تروث العنبر وما العنبر إلّا شيء يكون في قعر البحر. ولقد عني الرشيد بالمسألة عن العنبر وأصله وأمر حمّاد الزّبيري بالمسألة عنه، فكتب إليه أنّ جماعة من عدن أعلموه أنّه يخرج من عيون في قعر البحر تقتلعه الرّياح بالأمواج الصعبة فيطفو على الماء وتقذفه الموج بالسّاحل كما أنّ بأرض هيت عيون تسيل بالقار وبأرض الروم عين الزفت الرّومي.

قال: وآخر هذه الجزائر سرنديب، وقد تقدّم ذكر ما فيها.

قال: وهذا البحر ربّما أظلّته السّحاب ثلاثين يوما لا تصحى ولا يسكن وابلها، فلا يظهر فيه حيوان ويلوذ بقعر البحر. قال: ويخرج من هذا البحر إلى بحر الصّنف الذي في جزائره مملكة المهراج، وهناك يكون العود النفيس، وهي جزائر لا يحصى ما فيها من العجائب ولا يحاط بها لكثرتها.

وفيها يكون جميع أفاويه الطّيب والعطر. ويقال إنّ في هذا البحر قصرا

أبيض يسير على الماء ويتراءى لأهل المراكب فيستبشرون به إذا هم أبصروه ويكون لهم دليل السّلام.

وفي هذا البحر جزيرة قرطايل التي يسمع فيها اللّيل والنهار المعازف والطبول، ويقال إنّ فيها الدجّال، وقد مضى ذكرها. وفيها أشجار القرنفل وتشتريه التجّار من قوم لا يرونهم، إنّما يضعونه أكواما على السّاحل فتأخذه التجّار وتترك هناك العوض. وقيل إنّ التجّار يتركون البضائع على السّاحل ويعودون إلى مراكبهم، فإذا أصبح من غد ذلك اليوم جاؤوا فوجدوا إلى جانب كلّ بضاعة كوما من القرنفل، فإن رضيه أخذه وترك البضاعة، وإلّا أخذ بضاعته وترك القرنفل، وإن أخذهما معا لم تقدر مراكبهم على السّير حتّى يردّوا القرنفل. وربّما طلب أحدهم الزيادة فيترك البضاعة والقرنفل فيزاد فيه. وشجر القرنفل على نهر هناك يعرف بنهر القرنفل لم يدخل إليه قطّ أحد ولم يذكر أنّه رأى شجرة. وقد ذكر بعضهم أنّ الجنّ يبيعونه من التجّار.

وذكر بعضهم أنّه دخل الجزيرة وأمعن فيها، فرأى قوما في زيّ النّساء مرد بغير لحاء وذوي شعور مرسلة، فغابوا عنه، وأنّ التجّار أقاموا بعد ذلك مدّة يخرجون إلى ساحل البحر فلا يجدون شيئا من القرنفل، فعلموا أنّ ذلك من أجل من نظر إليهم، ثمّ عادوا بعد ذلك بسنين إلى ما كانوا عليه. ويقال إنّه إذا كان رطبا كان حلو المطعم يأكلون منه فلا يمرضون ولا يهرمون.

وليس لهذا البحر حدّ يعرف ورأسه يخرج من الظلمة الشّمالية ويمرّ على بلاد الواق واق. وفي هذا البحر- بحر الصنف- جزيرة فيها مساكن ظاهرة وقباب

بيض لائحة، كلّما همّ بالوصول إليها أحد وقرب منها تباعدت عنه فلا يزال كذلك حتّى ييئس وينصرف عنها، يقال لها جزيرة الصّريف، وهم يرون فيها شخوصا وشجرا وعمارة ودوابا ولا يعلم أحد وصل إليها. وفيه البرّاقة، وهي مدينة لطيفة من حجر أبيض برّاق يسمع بها صياح وضوضؤة ولا يرى بها ساكن، ولمّا نزل بها البحريّون فأخذوا من مائها وجدوه حلوا زلالا فيه روائح الكافور. وبعرض بحر الصنف هذا الجبال التي تتوقّد ليلا ونهارا يسمع منها مثل صوت الرعد القاصف والأصوات الهائلة التي تدلّ على هلاك ملكهم، وقد مضى ذكرها.

وبعد بحر الصنف بحر الصين، وهو بحر خبيث بارد، ريحه من قعره كغليان الماء على مجامر النّار، ويخبر الثقات من ركّابه أنّه بحر مسكون، له أهل في باطن الماء وأنّهم يرونهم إذا هاج البحر ليلا كهيئة الزنج ويطلعون إلى المراكب. وفي بحر الصين سمكة مثل الحرّاقة يرمي بها الموج إلى السّاحل، فإذا جزر الماء بقيت على الطّين ولا تزال تضطرب حتّى تنسلخ في اضطرابها من أهابها، فيكون لها جنحان تستقلّ بهما فتطير.

وفي هذا البحر يكون اللخيم سمكة تلتقم الناس، وربّما مات الرجل من ركّاب البحر فيرمى به في البحر، فلا ينحطّ إلّا وهو في قاع اللخيم كأنّه كان له مرصدا. وفي هذا البحر يرى وجه عظيم على صورة الإنسان إلّا أنّه مفرط الكبر مستدير يشبه لونه لون القمر يسدّ ثنية بين جبلين.

وفي البحر الرّومي بإزاء مدينة نقالة - وهي القسطنطينية الأولى- كنيسة في جوف البحر ينحسر البحر عنها يوما في السّنة فيحجّون إليها ذلك اليوم ويقيمون عليها ويتقرّبون ويهدون إليها، فإذا كان العصر أخذ الماء في الزيادة وتبادر الناس بالانصراف، فلا يزال كذلك حتّى يغمرها الماء فلا يظهر منها شيء، وتبقى كذلك إلى رأس السّنة.

وذكر بطليموس أنّ في البحر الأخضر سبعة وعشرين ألف جزيرة عامرة وغامرة، منها جزيرة فيها أمّة من بقايا النّسناس، ولهم شجر يقال له اللّوف يأكلون ثمره ويلتحفون بورقه. ومنها جزيرة المرجان في ضحضاح ماء بين الملوحة والعذوبة الذي يتجهّز اليوم به إلى البلاد في بحر الأندلس خاصّة، ينبت في قعر البحر القريب منه مثل الشجر فينزل إليه الغوّاصون ويشدّون فيه الحبال ثمّ يقتلعونه، [وهو] أنفس وأنفق شيء في الهند والصين.

ومن جزائر البحر الأخضر جزيرة في وسطها كالهرم العظيم من حجر عظيم أسود برّاق لا يدرى ما داخله وحوله موتى وعظام كثيرة ورمم بالية. وقد كان بعض الملوك سار إليها، فلمّا نزلها وقع على أصحابه النعاس وخدر الأجساد وضعف النفوس، فلم يقتدروا على الحراك، فتبادر ذو الشدّة منهم إلى المراكب وهلك أكثرهم هناك. وفي هذا البحر جزيرة فيها أمّة رؤوسهم كرؤوس

الكلاب العظام بادية أنيابهم يخرج من أفواههم مثل لهب النّار، ولمّا مرّ بهم ذو القرنين خرجوا إليه فحاربوه وحاربهم حتّى تخلّص منهم. وفيه جزيرة بيضاء واسعة كثيرة الأشجار والأنهار فيها قوم شقر وجوههم في صدورهم، للواحد منهم فرجان- فرج امرأة وفرج رجل- يتكلّمون بمثل كلام الطير وطعامهم نبت يشبه الفطر والكمأة.

وفيها جزيرة التنّين كان بها تنّين قد نال أهلها بكلّ مكروه، فلمّا دخلها الإسكندر استغاثوا به وذكروا له أنّ التّنين أتلف مواشيهم حتّى جعلوا له ثورين كلّ يوم ضريبة ينصبونهما في موضعه، فيخرج فيبتلع الثورين، ثمّ يعود إلى مكانه. قال: أروني موضعه، فنصبوا له الثورين وأقبل كأنّه السحابة السوداء وعيناه كالبرق اللّامع والنار تلهب من فيه، فابتلع الثورين وعاد إلى موضعه. فأمر الإسكندر بثورين عظيمين فسلخا وحشي جلودهما زفتا وكبريتا وكلسا وزرنيخا، وجعل مع تلك الأخلاط كلاليب حديد كثيرة وجعلها في ذلك [المكان]. وخرج التنين على عادته فالتقمهما وانصرف، فانضربت تلك الأخلاط في جوفه، فلمّا أحسّ بثقلها ذهب ليلقيها، فتشبّثت تلك الكلاليب في حلقه فخرج وفغرفاه يستروح. فأمر الإسكندر بقطع الحديد، فحميت وحملت على ألواح من حديد وقذفت في حلقه فمات. فكان ذلك فتحا عظيما لأهل تلك الجزيرة، فألطفوا الإسكندر وحملوا إليه من طرائف ما عندهم. فكان من ذلك دابّة في خلق الأرنب شعره أصفر يبرق كما يبرق الحديد أو الذهب، وفي رأسه قرن واحد يسمّونه نفواج، وهوامّ الأرض إذا رأته والأسد والوحش كلّها والطير هربت منه.

وبهذا البحر جزيرة تظهر ستّة أشهر وتغيب ستّة أشهر بمن فيها، وهي جزيرة مدوّرة. وبه جزيرة ملكان، وهي دابّة عظيمة بحرية قد استوطنت تلك الجزيرة وعرفت بها، ولهذه الدابّة رؤوس كثيرة ووجوه مختلفة. وقيل إنّها مركب لبعض ملوك البحر لأنّ لها جناحين إذا أقامتهما وجمعت بينهما صار كأنّه رفّ عظيم منكس يظلّ من الشمس. وقد ذكرتها الأوائل وهي مثل الجبل العظيم الضخم.

ومنها جزيرة صيدون، وهي مسيرة شهر في مثله. وصيدون هذا ملك.

وكانت فيها عجائب كثيرة ومصانع رفيعة وأنهار وأشجار. وكان صيدون ساحرا وكانت الجنّ تطوف به وتعمل له العجائب، وكان له في وسط الجزيرة مجلس من ذهب على عمد من رفيع الجوهر يشرف على جميع الجزيرة. فدلّ بعض الجنّ سليمان علية فغزاه وخرّب الجزيرة وقتله وقتل أكثر أهلها لأنّهم كانوا يعبدونه، وأسر منهم خلقا فآمنوا. وأسر ابنة صيدون ولم يكن على وجه الأرض أجمل وجها منها ولا أكمل جمالا وظرفا، واصطفاها لنفسه وتزوّجها. فكانت تديم البكاء لمفارقتها أباها وأنس مملكته. فقال لها سليمان:

ما لي أن أراك كئيبة وأنا خير لك من أبيك وملكي أجلّ من ملكه. قالت:

أجل، ولكن إذا ذكرت كوني مع أبي وأنسي به هاج لي ذلك حزنا ووجدا، فلو أمرت الشياطين أن يصوّروا لي صورته، لأني إذا رأيتها سلوت عنه. فأمر الشياطين فعملوا لها صورة أبيها في مجلس مثل المجلس الذي كان فيه، وكان المتولّي لذلك شيطانا يصحب أباها وهو الذي أشار عليها بذلك. فكان ذلك المجلس والصورة في مقاصيرها التي صنع لها سليمان، وقد غرس لها فيها بدائع الأشجار وفجر فيها الأنهار في فناء ذهب وفضّة مطوّقة بأصناف الجوهر.

فعمدت إلى الصورة فألبستها أصناف الحرير من الثياب المنسوجة بالذهب

وجعلت على رأسه إكليلا من الجوهر النفيس وألبسته تاجا منظوما بالجوهر الفاخر الملوّن، وجعلت حوله مساند الديباج المذهّب ونثرت عليه سحيق المسك وأوقدت بين يديه دخن العنبر وضروب الطيب، وفرشت بحذائه على بعد منه أصناف الأفاويه والرّياحين. فكانت تدخل إليه بكرة وعشية فتسجد له مع جميع وصائفها وخدمها كما كانت تصنع لأبيها. وكان قد دخل في هذا الصنم شيطان يخاطبها بلسان أبيها فيقول: قد أحسنت فيما فعلت، وما فقدت بك شيئا.

فاتّصل أمرها بآصف بن برخيا، وكان كاتب سليمان ومن أهله، وهو الذي كان عنده علم من الكتاب، وهو الذي أحضر عرش بلقيس. وكان علم موضع المرأة من قلب سليمان وحبّه لها، فلم يدر كيف يتوصّل إلى تعريفه بما أحدثت عنده إلى أن اتّجه له وجه ذلك. فقال: يا نبيّ الله إنّي قد كبرت ولا آمن الموت، وقد أردت أن أقوم مقاما أذكر فيه الأنبياء وأثني عليهم، فتأمر بإحضار الناس ووجوه بني إسرائيل فيجلسون في مراتبهم. فأجابه سليمان إلى ذلك فقام آصف بن برخيا على المنبر فخطب فحمد الله وأثنى عليه واستغفره وأقبل يذكر الأنبياء نبيّا نبيّا ويثني عليهم في صغرهم وكبرهم ومدّة أيّامهم، الى أن بلغ إلى داود فأثنى عليه واستغفر له، [ثمّ] ذكر سليمان فأثنى عليه في صغره خاصّة ولم يذكره في كبره ولا ذكر شيئا من أيّامه بخير ولا بشرّ. فاستحفظ ذلك سليمان فاستدعاه حاليا ووقفه على ذلك فقال:

ذكرت ما علمت. فلمّا ألحّ عليه قال له: وبم استحققت أن أثني عليك في أيّامك وغير الله يعبد في دارك منذ أربعين يوما؟ وما هذا جزاء نعمته عليك ولا شكر تمليكه لك. قال: فارتاع سليمان لذلك وقام فعاقب المرأة وكسّر الصنم، فهرب شيطانه فظفر به بعد ذلك وسجنه. وفتن لذلك سليمان وأخذت الجنّ خاتمه وخرج من ملكه، وكان يطوف في بني إسرائيل فينكرونه. فردّ الله ﷿ ملكه وخاتمه، وذلك بعد أربعين يوما وهي عدّة الأيّام التي سجدت المرأة فيها للصنم. ثمّ إنّ المرأة تابت وصحّ إسلامها. وكان ولد سليمان ﵇ منها. وذكر المؤرّخون أنّ اسمها جرادة.

ومنها جزيرة الزود، وهم خلق ذوو أجنحة وشعور وخراطيم يمشون على رجل واحدة كما يمشي الناس وعلى أربع كالبهائم، ويطيرون في الهواء مع الطير. ومنها جزيرة القابس، وهي دابّة عظيمة ململمة مثل الكرة تصيح صياحا شديدا ولا يدرى من أين يخرج صياحها ولا يعرف ما هو ولا ما غذاؤه.

ومنها جزيرة مرّ بها قوم وقد هاج البحر وعظم، فنظروا فإذا شيخ أبيض الرأس واللحية وعليه ثياب خضر مستلق على الماء وهو يقول: سبحان من دبّر الأمور، وعلم ما في ضمائر الصدور، وألجم بقدرته البحور، وسيّروا بين الشّمال والشّرق حتّى تنتهوا إلى جبل الطروق وأوسطه فاسلكوا تنجوا بحول الله وتسلموا. فركبوا السّمت الذي حدّ لهم حتّى انتهوا إلى جزيرة يقال لها سندروسة، فيها أمّة طوال الوجوه ومعهم قضبان الذهب المخلوقة يعتمدون عليها ويحاربون بها، على رؤوسهم الذهب وثيابهم منسوجة بالذهب وطعامهم الموز والفطر. فأقاموا عندهم شهرا وأخذوا من قضبان الذهب التي عندهم ما استطاعوا حمله، ثمّ ساروا على السّمت فخلصوا. وكان الذي أرشدهم الخضر ﵇، وتلك الجزيرة مكان قراره وهي وسط البحر الأعظم.

وهناك جزيرة الفيروج بها صنم بزجاج أخضر يجري من عينيه دمع لا يزال يسير على مرّ الأيّام، وزعموا أنّه باك على قومه الذين كانوا يعبدونه فغزاهم بعض الملوك واستباحهم وقتلهم وأراد كسر الصنم، فكانوا إذا ضربوه بشيء لم يؤثّر فيه وعاد الضرب على ضاربه، فتركوه وإذا دخلت الريح في أذنيه صفّر تصفيرا عجيبا.

وفي البحر الأخضر جزيرة ترى على بعد، فإذا قرب منها القاصد غابت عنه، وإذا رجع إلى الموضع الذي رآها منه ونظر إليها [رآها] بادية بيّنة. وقيل إنّ فيها شجرة تطلع بطلوع الشمس فلا تزال تطلع إلى نصف النهار ثمّ تعود إلى الانحطاط حتّى تغيب [مع] مغيب الشمس. ويقول البحريّون إنّ في ذلك البحر سمكة صغيرة يقال لها النشاكل، إذا حملها الإنسان معه أبصر تلك الجزيرة ودخلها، وهذا شيء عجيب طريف.

وفيه جزيرة طاوران، وطاوران اسم ملكهم وله أربعة آلاف امرأة، ومن لم يكن منهم مثل ذلك فليس بملك. ويتفاخرون بكثرة الأموال والأولاد، وعندهم أشجار إذا أكلوا منها قووا على الباه قوّة عجيبة.

وفي مملكة هذا الملك الجزيرة السيّارة، والبحريّون مجتمعون على تثبيتها ومنهم من يزعم أنّه رآها مرارا كثيرة لا يشكّون فيها. (وهي جزيرة فيها) جبال

وشجر وعمارة، فإذا هبّت الريح من المغرب صارت إلى المشرق، وإذا هبّت الريح من المشرق صارت إلى المغرب، هذا دأبها. ويذكرون أنّ حجارتها هفافة خفيفة جدّا تكون زنة الحجر الضخم الذي يقدّر مثله بقنطار عشرة أرطال وأقلّ، ويحمل الإنسان القطعة الكبيرة من جبالها على عاتقه.

وفي تخوم بحر الصّين جزيرة النّساء لا يسكنها إلّا النساء، وهنّ يلقحن من الريح ويلدن النّساء. وقيل إنّهنّ يلقحن من شجر عندهنّ يأكلن منه.

ويذكر أنّ الذهب عندهنّ عروق مثل الخيزران وأنّه وقع إليهنّ رجل فهممن بقتله، فرحمته امرأة منهنّ وحملته على خشبة فأدارته الأمواج حتّى أتت به بعض بلاد الصين، فوصل إلى ملك الصين وعرّفه حال الجزيرة، فجهّز إليها المراكب، فأقاموا معه يطوفون في البحر ثلاثة أعوام يطلبونها فلم يقعوا لها على أثر.

وفي خبر ذي القرنين أنّه وقع إلى جزيرة بيضاء ممرّعة خصبة ذات أنهار وأشجار، وفيها أمّة على خلق الناس في الانتصاب، رؤوسهم رؤوس السّباع، فلمّا دنا أهل المراكب منهم غابوا عنهم. وفي وسط الجزيرة نهر شديد البياض عليه شجرة عظيمة فيها من كلّ ثمرة طيّبة المطعم ورقها كالحلل المنثرة (؟) حسنا ولينا، والشجرة تطلع بطلوع الشمس فتتباهى بطلوعها إلى وقت الزّوال، ثمّ لا تزال تنقص حتّى تغيب بمغيب الشّمس، وثمرها أحلى من العسل وألين من الزبد، وورقها أطيب ريحا من المسك. فحمل من

ثمرها وورقها إلى الإسكندر، فضرب حاملو ذلك ووقعت عليهم آثار السّياط ولا يرون من يضربهم وصيح بهم: ردّوا ما أخذتم من هذه الشجرة ولا تقرضوها فتهلكوا. فأقرّوا ذلك وركبوا مركبهم ذاهبين.

ودخل الإسكندر جزيرة العبادة فوجدها قفارا لا تنبت شيئا غير الحشيش، وفيها غدران ماء، ووجدوا قوما قد نهكتهم العبادة وصاروا كالحمم سوادا. فوقف بهم فسلّم عليهم فردّوا عليه فقال: ما عيشتكم في فلاتكم هذه؟ قالوا: ما يأتينا من رزق ربّنا من سماك البحر وأصول النبت وشرب ماء هذه الغدران. قال: أفلا أنقلكم إلى موضع أخصب من هذا؟

فقالوا: وما نصنع به؟ إنّ عندنا في جزيرتنا هذه ما نغني [عن] جميع العالم. وانطلقوا به إلى بلاد تتلألأ بأنواع الجواهر واليواقيت فوق ما تتوهّمه النفوس ويجري على الأفكار، وأخرجوه من ذلك إلى أرض عريضة وبساتين عجيبة فيها من أصناف الثمار والفواكه ما لا يوجد مثله في بلد من البلدان وقالوا له: أتصل أنت إلى مثل هذا؟ قال: لا والله. قالوا: هذا بين أيدينا وفي تمليك الله ﷿ لنا، ما نلتفت إلى شيء منه، وإنّا لنؤثر الحشيش على هذه الفواكه. فذهب من كان مع الإسكندر ليأخذ من ذلك الجوهر فمنعهم وودّع أهل الجزيرة وانصرف إلى مراكبه ممتلئا عجبا فيهم.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.