من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر ملوك الصين والترك
من ولد عامور بن سوبل بن يافث بن نوح ﵇. مدينة الملك بالصين هي أنمو بينها وبين ساحل البحر الحبشي- بحر الصين- مسيرة ثلاثة أشهر.
قال ح: إنّ مدينة الصين العظمى التي ينزلها ملوكها تسمّى خمدان، وحوالي هذه المدينة مائة وعشرون قرية في كلّ قرية ألف رجل مترتّبة لحراستها.
والمدينة مقسومة نصفين: نصف يكون فيه أهل بيت الملك وخاصّته وعمّاله، ونصف يكون فيه عامّتهم وأشرافهم. وللملك ثلاثمائة وستّون مدينة يحمل إليه كلّ يوم من كلّ مدينة خراجها للباسه ولكلّ جارية من جواريه. وفي قصر الملك بخمدان ثلاثمائة وثمانون كوسا منكّسة، فإذا كان قبيل المغرب مع غروب الشمس قرع بها قرعة واحدة فيتبادر الناس للانصراف إلى منازلهم، فلا يبقى أحد خارجا عن داره، حتّى يخترق عسكر الملك السّكك والطرق بسيوف منتضلة، فمن وجدوه خارجا عن داره ضرب عنقه كائنا من كان واحتزّ رأسه وألقي في موضع قد أعدّ لذلك وكتب على ظهر المقتول: من رأى هذا فلا يتعدّا أمر الملك.
قال: وسكك هذه المدينة مظلّلة بخشب السّاج وتكنس في كلّ يوم ثلاث مرّات. ودورهم واسعة مبخّرة المجالس كثيرة التماثيل. وللملك أربعمائة ألف مرتزق، وهو لا يكاد يبرز لأحد ولا يراه أحد إلّا وزيره أو حاجبه أو رسول ملك يرد إليه أو وجوه أصحابه يصلون إليه في كلّ أسبوع، فإن تعذّر ذلك أكثر من هذه المدّة ضجّوا وسألوا الوصول إليه كي لا يكون قد مات وأخفي
ذلك عنهم، وإذا أراد الملك [أن] يركب ضرب بجرس فيدخل الناس منازلهم ويخلون الطرقات.
وإنّما سمّيت الصين لأنّ أوّل من نزلها صائن بن عامور بن سوبل بن يافث، فأثار معادن الذهب وعمل الحكم ودقائق الصناعات وملكهم مائتي سنة.
فلمّا هلك جعلوا جسده في تمثال ذهب وأجلس على سرير من ذهب مرصّع بالجوهر وبنوا له هيكلا يكون فيه فيسجدون له. واتّخذ لهم بعض ملوكهم سياسة شرعية وفرائض عقلية وجعلها رباطا ورتب لهم قصاصا وحدودا ومستحلّات للمناكح وصلوات تقرّبهم إلى معبودهم، إنّما لا سجود فيها، وأمرهم بقرابين للهياكل ودخن، واتّخذه أيضا للكواكب. فهم باقون على ذلك إلّا أنّه دخل فيهم اعتقاد المانية والدهرية والثنوية فتناظروا واختلفوا في الاعتقاد وأصلهم في شرعهم لا يختلف.
ولهم مدينة عظيمة ممّا يلي مغرب الشمس يقال لها مدو تتّصل ببلاد التبّت من الأتراك، والحرب بينهم سجال. وملّة الصين تدعى الشمنية.
ولهم أفخاذ وقبائل كقبائل العرب يرفع الرجل [منهم] نسبه إلى خمسين أبا، وأكثرهم يعدّ إلى عامور. ولا يتزوّج منهم فخذ إلّا في فخذ آخر، ويزعمون أنّ في ذلك صحّة النسل وقوام البنية.
ولم تزل أمور الصين مستقيمة الأحوال إلى سنة أربع وستّين ومائتين، فإنّه ظهر فيهم رجل من غير بيت المملكة يسمّى يانشو، فاجتمع إليه أهل الدعارة والشّرّ، فافتتح مدينة خانفو، وهي من كبار مدائنها وفيها أخاليط الناس من كلّ ملّة، فاستباحها بما فيها، وكان مذهبه الإفساد لأنّه لم يكن من بيت المملكة فيطمع فيها. فانتهى من قتل فيها مائتا ألف، وإنّما حصي ذلك لأنّ ملوك الصين تحصي من في مملكتها من الأمم وتتعاهد ذلك وتضمّه في دواوين لها، وعلى ذلك قوم مرتّبون لا يشتغلون بسواه. ولم يزل أمره ظاهرا حتّى استولى على دار المملكة بعد أن هزم الملك مرارا. ونجا الملك إلى مدينة خانفو- وهي مدينته استباحها يانشو القائم على الملك أوّلا- فالتقى الفريقان، فكانت الحرب بينهما سجالا نحوا من سنة، ثمّ فقد يانشو، ويقال إنّه أحرق، ثمّ رجع الملك إلى دار مملكته.
وهم يسمّونه بغبور وتفسير ذلك ابن السّماء، أي إنّما أنزل من السّماء فولينا، والعرب تسمّيه المغبون مكان تسمّيه أولئك ببغبور، وربّما تقارب اللّفظان أي المغبون في دينه. وتغلّب رأس كلّ ناحية من بلاد الصين على ناحيته كتغلّب ملوك الطوائف حين قتل الإسكندر [دارا ملك الفرس] وكنحو ما نحن بسبيله. فرضي ملك الصين منهم بالطاعة، وأغار كلّ فريق منهم على من يليه، فعدم انتظام ملكهم إلى الآن.
ومن سيرهم أنّ المرأة إذا لم تكن محصنة وأرادت الفجور رفعت رقعة إلى الملك فجاء لها وما ذهبت إليه، فيبعث إليها حلقا من نحاس فتجعلها في عنقها ولبست المصبّغات وعملت ما شاءت علانية. فإذا ولدت الذكور خصوا واستعملهم الملك في داره وأعماله، وإن كانت التي ولدت أنثى كانت على رسم أمّها. ومن سننهم أن يورثوا الإناث أكثر من الذكور؛ ومن سننهم أنّ لهم عند حلول الشمس الحمل عيدا معظّما عندهم يأكلون فيه ويشربون سبعة أيّام.
وجزيرة كله يقال لها المنصف- وهي بين أرض الصين وأرض العرب- وتكسيرها ثمانون فرسخا، ولكنّها مجتمع الأمتعة والتجّار من الصّينيّين والمسلمين وإليها يتجهّز من عمان في وقتنا هذا فتجلب منها أصناف الطيب كلّه والرصاص القلعي والأبنوس والبقم وغير ذلك. ... وقد كانت لهم سياسات وعدل وحكمة.
ومن طريف أخبارهم أنّ رجلا من قريش من ولد هبّار بن الأسود خرج من البصرة إذ كان من خبر صاحب الزّنج ما كان وصار بسيراف، ثمّ لم يزل يخترق أرض ممالك الهند إلى أن انتهى إلى بلاد الصين، فصار بمدينة
خانفو- وبينها وبين البحر مسيرة الأيّام اليسيرة. ثمّ دعته همّته إلى حضور مجلس الملك، فلم يزل حتّى وصل إليه بعد أن أعلم الملك أنّه من أهل بيت النبوّة. فأمر بإحضاره والبحث عن قوله ونسبه، فلمّا تحقّق أمر ذلك أوصله الى نفسه فقال للترجمان: سله عن منزلة الملوك عندهم، فلم يدر ما يجيب في ذلك فقال الملك: إنّا نجد الملوك خمسة: فرأس الملك وأوسعها ملك الملك الذي يملك العراق وما والاها لأنّه في وسط الدنيا والملوك محدقة به، ونجد اسمه عندنا (ملك الملوك). وبعده ملكنا ونجد اسمه ملك الناس لأنّه لا أحد أسوس للرعيّة منّا ولا أطوع للملوك من رعيّتنا، فنحن ملوك الناس. ثمّ ملك السّباع، وهو ملك الترك الذي يلينا وهم سباع الإنس. ثمّ ملك الفيلة، وهو ملك الهند، ونجده عندنا ملك الحكمة. وبعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرجال لأنّه ليس في الأرض أتمّ خلقا من رجاله.
فهؤلاء أعيان الملوك والباقون دونهم.
ثمّ قال للترجمان: قل له: أتعرف صاحبك إن رأيته؟ يعني النبي ﷺ.
قال: فقلت: فكيف لي برؤيته؟ قال: فأمر بسفط فأخرج ووضع بين يديه، وتناول منه درجا، فأراني صورة عامّة الأنبياء ﵈. فلمّا رأيتهم حرّكت شفتيّ بالصلاة عليهم، فقال للترجمان: سله عن تحريك شفتيه، فأخبرته. فرأيت نوحا في السفينة ينجو بمن معه وعيسى على حماره والحواريّين معه. قال: وفوق كلّ صورة كتابة طويلة بأخبارهم وأعمارهم وبلادهم وأسمائهم، ثمّ كذلك سائر الأنبياء ﵈. قال: حتّى رأيت صورة نبيّنا محمّد ﷺ على جمل وأصحابه محدقين به وفي أرجلهم نعال عربية وفي أوساطهم حبال اللّيف قد علّقوا المساويك منها. قال:
فبكيت فسألني عن بكائي فقلت: إنّي ذكرت أمر نبيّنا محمّد ﷺ بهذه الصورة. ثمّ سألني عن عمر الدنيا فأخبرته بما أتى في ذلك، فضحك ضحكا كثيرا إنكارا لذلك، ثمّ قال: من قال هذا؟ فقلت: نبيّنا محمد ﷺ.
فقال: ما أظنّ نبيّكم قال هذا. وأمر له بجائزة وحمله على البريد إلى خانفو وكتب إلى صاحبها بالوصية به.
والثمار كلّها موجودة بالصين إلّا النخل.
وهم من أحذق خلق الله كفّا وصناعة، وممّا أعانهم على ذلك أنّ الملك إذا أوتي بمعجز من الصناعات والرقوم والنقوش وضعه على باب دار مملكته حولا كاملا، فإن ذكر أحد فيه عيبا وصل وحرم الصّانع، وإلّا أجزلت صلة الصّانع.
وإنّ رجلا منهم صوّر سنبلة عليها عصفور في ثوب [حرير] لا يشكّ [الناظر إليها] أنّها سنبلة عليها عصفور. فبقي الثوب مدّة حتّى اجتاز به رجل أحدب فعابها، فأدخل للملك وحضر صانعها، فسئل عن العيب فقال: المتعارف أنّه لا يقع عصفور على سنبلة إلّا أمالها وهذه مستقيمة.
فصدّق ولم يثب الصانع بشيء. وقصدهم في هذا وشبيهه الرياضة.
فأمّا الترك فهم من ولد عامور أيضا ومعظم مملكتهم من الصين وبلاد خراسان، وأشدّهم شوكة الطغزغز، وهم أصحاب مدينة كوشان وما والاها، وملكهم أيغر خان، ومذاهبهم مذاهب المانية وممالكهم كثيرة:
الشّاش وفرغانة والختّل- وهم سكّان الختّلان- وروسان والصغد- وهم بين بخارا وسمرقند- وأهل بيت المملكة منهم بفرغانة، وفيهم كان الملك، وهو خاقان الخواقين وكان يجمع ملكهم. فلمّا مات انتشرت مملكتهم وتسمّى بهذا الاسم فريق ببلاد التبّت وكان ممّن ينقاد إلى خاقان. فلمّا انحلّ عقد نظامهم تسمّى بذلك تشبيها به.
قال س في السّفر الثاني: وقد زعم قوم أنّ الترك من ولد طوح ابن أفريدون، وهذا غلط لأنّ أفريدون قد ولّى على الترك الولاة كما ولّى على الروم وغيرها.
وأخذ قوم من ولد عامور يسرة المشرق على سمت الشمال فصاروا عدّة ممالك: الدّيلم والجيل والطيلسان والبرقار والتبر والخزر وكشك وأهل جبال الكبخ وسائر تلك الأمم، وانتشرت هناك إلى بحر مانيطش ونيطش وبحر الخزر إلى البرغر وما اتّصل بهم من الأمم.
وجبل الكبخ خاصّة يحتوي على اثنتين وسبعين أمّة لكلّ أمّة ملك ولغة، وهو جبل شنيع طوله مسيرة شهرين أو أكثر، وهو من أخشن الجبال وفيه أمم لا يعرف بعضهم بعضا لخشونته وكثرة غياضه وأشجاره وعظم صخوره وتسلسل مياهه، وله أنهار [وهو] ذو شعاب وأودية.
ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابه. وهذا البناء بناه كسرى أنوشروان وجعله حاجزا بين بلاده وهذه الأمّة لما كان من إفسادهم فجعل هذا السّور في وسط البحر على مقدار ميل مادّا في البحر، بناه بالصخر والحديد والرصاص المفرّغ على أزقاق البقر المنفوخة، فكلّما ارتفع البناء نزلت تلك الأزقاق إلى أن استقرّت في قعر البحر وقد ارتفع السّور، فغاصت الرجال حينئذ بالخناجر على تلك الأزقاق فنقبتها وتمكّن السّور على الأرض في قعر البحر، وهو باق إلى الآن في وقتنا هذا. ثمّ مدّ السّور في البرّ ما بين جبل الكبخ والبحر مادّا في أعالي الأرض ومنخفضاتها نحوا من أربعين فرسخا إلى أن انتهى ذلك إلى قلعة يقال لها طبرستان، وجعل على كلّ ثلاثة أميال من هذا السّور بابا من حديد، وأسكن من داخله أمّة تراعيه وتحرس ما يليه، وجعل لكلّ أمّة ملكا، وحول هذا السّور أمم لا يحصيهم إلّا خالقهم.
ولم يبنه أنوشروان إلّا عن استيلاء عليهم، وحينئذ أذعنت له ملوك الآفاق وهادته وراسلته.
وصاحب الباب والأبواب الآن مسلم اسمه محمّد بن يزيد من ولد بهرام جوبين، وسمة محمّد هذا ومن ولي بموضعه شروان شاه، ومملكته
نحو من شهر. وإنّما أسلم أهلها من يوم دخلها مسلمة بن عبد الملك. وقد غلب محمّد هذا على كثير من ممالك الكبخ. ويلي ملك محمّد هذا المعروف بشروان ملك طبرستان، وهو لرجل مسلم من الأنصار.
ويلي الباب والأبواب مملكة الخزر، وكان موضع مملكتهم مدينة يقال لها سمندر، وهي على ثمانية أيّام من الباب، وملكهم الآن بمدينة آتل وبينها وبين الأوّل سبعة أيّام، وفيها من كلّ ملّة. وإنّما انتقل ملكهم إليها لأنّ سمندر افتتحت في أوّل الإسلام ثمّ رجعت إليهم. ودين الخزر اليهودية تهوّد ملكهم زمن الرشيد فبقوا على ذلك. وكان سبب ذلك إكراه ملك الروم من كان في ملكه من اليهود على النصرانية فتهارب خلق من اليهود إلى بلاد الخزر فتهوّدوا. وأكثر جيوش الخزر مسلمون وهم ناقلة من الخوارزم لجدب وقع في بلادهم صدر الإسلام أجلاهم إلى الخزر، وظهر منهم في الحرب بأس وشدّة، فأقاموا على الإكرام والإحسان وإظهار الإسلام، ووزير الملك منهم. وإذا كانت للملك حروب مع المسلمين وقف المسلمون من جنده حرزة لا يقاتلون. وصومعة المسلمين في جامعهم الأعظم تشرف على دار الملك.
وتتّصل بهذه المملكة مملكة البرغر وملكها الآن مسلم أسلم بعد العشر وثلاثمائة برؤيا رآها، وذلك أيّام المقتدر. وكان هذا الملك يغزو بلاد القسطنطينية في نحو من خمسين ألف فارس ويشنّ الغارات إلى بلاد رومة والجلالقة والإفرنجة ومنه إلى القسطنطينية نحو من شهرين. وهم أمّة شداد لا تطاق، والفارس منهم يقاتل أمّة من الروم ولا يمتنعون منهم إلّا بالجدران. والليل عند
البرغر في نهاية القصر سائر السّنة يزعم أحدهم أنّه لا يقدر أن يطبخ قدره حتّى يصبح.
وقد يتّصل بهؤلاء الروس، وهم أجناس كثيرة وهم أهل جزائر ومراكب وقوّة على البحر وتصرّف كثير فيه، متّصلون ببحر نيطش المتقدّم ذكره. وهذه أمّة مجوسية وهي تطرأ إلى الأندلس في المائتين من السّنين وتتّصل إليه من خليج بحر أقيانس بالخليج الذي عليه منار النحاس، وهو خليج يتّصل ببحر مانيطش ونيطش.
وممّن يتّصل بمملكة الباب والأبواب مملكة خيذان وهم شرّ الناس عليهم، وملكهم الآن مسلم ليس فيهم مسلم غيره وأهل بيته (يعرف بسليفان) سمة لمن ولّى هذه المملكة. وبينهم وبين الباب والأبواب أمّة من المسلمين عرب على نحو ثلاثة أيّام من مدينة الباب، وهم يتمتّعون هناك بأنهار وأشجار وغياض وهي أمّة طرأت من بوادي العرب منذ افتتح ذلك الصقع، فبقيت على أعربيتها ولغاتها.
وتلي مملكة خيذان مملكة يقال لها زريكران، وتفسير ذلك عمّال الزرد لأنّهم صنّاع بالزرد والسّيوف وغير ذلك من الآلات، وبلدهم بلد خشن قد امتنعوا بخشونته عن من جاورهم.
ويليه ملك السّرير ويدعى فيلان شاه، وهو من ولد بهرام جوبين ويدين بالنصرانية. وكان يزدجرد- وهو آخر ملوك ساسان- حين ولّى هذا الصقع قدّم سرير الذهب وخزائنه وأمواله مع رجل من ولد بهرام جوبين وأمره أن يسير بها إلى هذه المملكة ويحرزها هناك إلى وقت موافاته، فمضى يزدجرد إلى خراسان فقتل هناك في خلافة عثمان ﵁، فبقي الرجل على حاله.
ويلي هذه المملكة مملكة اللّان، وهي مملكة واسعة يركب لها ثلاثون ألف فارس، وبين [ملك] اللّان وصاحب السّرير مصاهرة، وبين مملكة اللّان وجبل الكبخ قلعة عظيمة وقنطرة على واد عظيم بنتها الفرس الأولى لتمنعهم عن جبل الكبخ لا طريق لهم إليه إلّا عليها. وهذه القلعة على صخرة صمّاء لا وصول إليها إلّا بإذن، وفي أعلاها عين ثرّة، وهي إحدى قلاع العالم الموصوفة [بالمنعة] وقد ذكرتها الفرس في أشعارها، ولو أنّ رجلا واحدا في هذه القلعة منع سائر ملوك الكفّار أن يجتازوا بهذا الموضع. وكان مسلمة قد أسكنها قوما من المسلمين فهم فيها إلى الآن.
وتلي مملكة اللّان أمّة يقال لها كشك، وهم بين جبل الكبخ وبحر الروم، وهي منقادة إلى دين المجوسية، ومعنى هذا الاسم التيه والصلف، وليس في الأمم أنقى أبشارا ولا أصفى ألوانا ولا أصبح نساء ولا أقوم قدودا ولا أرقّ أخصارا ولا أعدل أكفالا من هذه الأمّة، ونساؤهم مع ذلك موصوفات بلذّة
الخلوات، ولباسهنّ الصقلاطون والديباج، وعندهم أنواع من الثياب تصنع من القنب منها ما هو أرقّ من الدبيقي وأبقى على الكدّ يباع الثوب منه بعشرة دنانير. واللّان ظاهرة على هذه الأمّة إلّا أنّهم يمتنعون بقلاع لهم وحصون منيعة.
وتليه أمّة يقال لها السّبع بلدان. وتليهم أمّة عظيمة بينها وبين بلاد كشك نهر عظيم كالفرات يصبّ إلى بحر الروم، يقال لهذه الأمّة إرم، ذات خلق عجيب وآراؤها جاهلية. وتأتيهم في كلّ سنة من هذا النهر سمكة عظيمة، فيتناولون منها ثمّ تعود في ذلك الوقت عاما ثانيا وقد عاد اللحم الذي أخذوه، يعرفون ذلك لا يشكّون فيه.
ويتّصل بهذه الأمّة على البحر آجام وغياض ومواضع ممتنعة فيها نوع من القرود منتصبة القامات على قدود الناس مستديرات الوجوه كصور الناس ذات شعور، وربّما وقع في النادر القرد منها إذا احتيل لاصطياده، فيهادى به الملوك فيكون في نهاية الفهم، وتعلّمها الملوك القيام على رأسها بالمذابّ، ولا يأكل الملك طعاما حتّى يقدّمه إليه لما في القرود من الخاصية بمعرفة السّموم، فيلقى إليه من الطعام شيء، فإن أكله أكل الملك. ويجانسها في الفهم قرود اليمن وهي ببلاد مأرب بين صنعاء وكحلان. وكحلان قلعة من مخاليف اليمن فيها أسعد بن يعفر ملك اليمن في هذا الوقت محتجب عن الناس إلّا عن خواصّه، وهم بقية من ملوك حمير وحوله من الجنود نحو خمسين ألفا، وكانت له مع القرامطة بعد عام مائتين حروب معروفة. وهذا من خواصّ البلدان.
قال س: والعربد هو نوع كالحيّات بأرض اليمامة لا يوجد في غيرها، وقد جهز حنين بن إسحاق أن يجلب إلى سرّ من رأى إلى المتوكّل حين كلّفه مثل هذا من الأعاجيب، وذلك أنّه إذا خرج عن اليمامة إلى موضع معروف المسافة عدم من الوعاء. وأهل اليمامة ينتفعون به لمنع الحيّات والعقارب وسائر الهوامّ كانتفاع أهل سجستان بالقنافذ. وفي عهد أهل سجستان في القديم ألّا يقتل قنفد ببلدهم، وذلك أنّ بلدهم كثير الرمال بناه ذو القرنين في مطافه وهو كثير الأفاعي والحيّات، ولولا كثرة القنافذ لتلف من هنالك. وقد جلب حنين إلى المتوكّل اثنين من النسناس إلى سائر المستغربات ولم يقدر على العربد.
ويتّصل بهذه المملكة ممالك شتّى لأمم مختلفة، ولولا هذا السّور بالباب والأبواب لكانت هذه الأمم تخترق بلاد برذعة والرّان والبيلقان وآذربيجان وقزوين وهمذان والدّينور ونهاوند وغيرها ولوصلت الكوفة والبصرة لا سيّما مع ضعف الإسلام الآن.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع