تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر بلاد التبّت

فأمّا التّبت فمملكة متميّزة عن مملكة الصين وصاحبها حميري وهو من بيت المملكة فيهم، وبواديهم أتراك لا يقام لهم. ولا تحصى عجائب أنواع ثمار التّبّت ولا زهره ولا أنهاره. وهو بلد تقوى فيه طبيعة الدم على الحيوان، ولا يزال الإنسان بها ضاحكا فرحا مسرورا لا يعرض لهم حزن، وذلك عامّ في الشّيوخ والكهول والشّبّان. وفي أهله رقّة طبع وأريحية تبعث على استعمال المعاقرة، وإذا مات الميّت فيهم لا يكاد يدخل أهله كثير [من] الحزن. وهذا البلد سمّي بمن ثبت فيه من رجال حمير لثبوتهم، وقد افتخر بذلك دعبل فقال في مفاخرة الكميت:

وهم كتبوا الكتاب بباب مرووباب الصين كانوا الكاتبينا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أفيقي من ملامك يا ظعينا»
وهم سمّوا سمرقند بشمروهم غرسوا هناك التبّتينا

وإنّما رتّب حمير هناك بعض التبابعة وهم يسمّون ملكهم الآن تبّعا.

وأفضل المسك [من] التبّت ولا يكون إلّا بها وبالصين، وإنّما فضّل مسك التبّت لأنّ ظباءه ترعى سنبل الطيب وأنواع الأفاويه، وظباء الصين ترعى الحشيش، وأيضا فإنّ أهل الصين يخرجون المسك ويدخله الغشّ، وأهل التبّت يتركونه محضا. ولا فرق بين غزلاننا وغزلان المسك في الصورة وإنّما تباينها بنابين لها أبيضين كأنياب الفيل كلّ ناب منها نحو الشبر. وأطيب المسك ما نضج في نوافجها فتفزع حينئذ إلى الأحجار الحارّة فتحتكّ بها ملتذّة فيسيل على تلك الأحجار فيودع كانفجار الخراج، فيوجد ذلك قد جفّ على الأحجار فيودع نوافج عندهم قد اتّخذوها من غزلان اصطادوها. والنفاجة اسم فارسي معناه السّرّة. فأمّا ما يصطاد من الظباء فتقطع نوافجها عنها فإنّه يكون فيها سهوكة فتبقى زمانا حتّى تزول عنها تلك الرائحة، وإنّما ذلك كالتمر إذا لم ينضج.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.