من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)
محمد بن كعب الغنوي الطويل
تَقُولُ ابْنَةُ العَبْسيِّ: قَدْ شِبْتَ بَعْدَنا، وَكُلُّ امرىءٍ بَعْدَ الشّبَابِ يَشِيبُ
وَمَا الشَّيْبُ إلاّ غَائِبٌ كَانَ جَائِياً،وَمَا القَوْلُ إلاّ مُخطىءٌ وَمُصيبُ
تَقُولُ سُلَيْمَى: مَا لِجسْمِكَ شَاحباً،كَأَنّكَ يَحْمِيكَ الشّرَابَ طَبِيبُ
فَقُلْتُ، وَلمَ أَعِيَ الجَوَابَ، وَلم أَبُحْ، وَلِلْدَّهْرِ في الصُّمِّ الصِّلابِ نَصِيبُ
تَتَابَعَ أَحْدَاثٌ تَخَرّمْنَ إخْوَتي،فَشَيّبْنَ رَأْسي، والخُطُوبُ تُشِيبُ
لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتْ أَصَابَتْ مَنِيّةٌأَخِي، وَالمَنَايَا لِلرّجَالِ شَعُوبُ
لَقَدْ كَانَ أَمّا حِلْمُهُ فَمُرَوِّحٌعَلَيْهِ، وَأَمّْا جَهْلُهُ فَعَزِيبُ
أَخِي ما أَخِي لا فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ،وَلاَ وَرَعٌ عِنْدَ اللِّقاءِ هَيُوْبُ
أَخي كانَ يَكْفِيني، وَكَانَ يُعِينَنيعلى نَائِبَاتِ الدَّهْرِ، حِينَ تَنُوبُ
حَلِيمٌ، إذا ما سَوْرَةُ الجَهْلِ أَطْلَقَتْحُبَى الشّيْبِ، للنّفْسِ اللَّجُوجِ غَلُوبُ
هُوَ العَسَلُ الماذيّ لِيناً وَنَائِلاً،وَلَيْثٌ، إذا يَلْقَى العُدَاةَ، غَضُوبُ
هَوَتْ أُمُّهُ، مَاذَا تَضَمَّنَ قَبْرُهُمِنَ المَجْدِ، وَالمَعْرِوفِ حِينَ يُثِيبُ
أَخُو سَنَواتٍ يَعْلَمُ الضَّيْفُ أَنَّهُسَيَكْثُرُ مَا في قِدْرِهِ، وَيَطِيبُ
حَبِيبٌ إلى الزُّوَّارِ غِشْيَانُ بَيْتِهِ،جَميلُ المُحَيَّا، شَبَّ وَهُوَ أَدِيبُ
كَأَنّ بُيُوتَ الحَيّ، مَا لمْ يَكُنْ بِهَا،بَسِابِسُ قَفْرٍ، مَا بِهِنَّ عَرِيبُ
كَعَاليَةِ الرُّمْحِ الرُّدَيّنيّ لَمْ يَكُنْ، إذا ابْتَدَرَ الخَيْلَ الرّجِالُ، يَخِيبُ
إذا قَصَّرَتْ أَيْدِي الرِّجالِ عَنِ العُلَى، تَنَاوَلَ أَقْصَى المَكْرُمَاتِ، كَسُوبُ
جَمُوعُ خِلالِ الخَيْرِ مِنْ كُلّ جَانِبٍ،إذا حَالَ مَكْرُوهٌ بِهِنّ ذَهُوبُ
مُغِيثٌ، مُفِيدُ الفائداتِ، مُعَوَّدٌلِفِعْلِ النّدَى وَالمَكرُمَاتِ، نَدُوبُ
وَدَاعٍ دَعَا يا مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدىفَلَمْ يَسْتَجِبْ عِنْدَ النِّداءِ مُجِيبُ
فَقُلْتُ ادْعُ أُخْرَى وارْفَعِ الصّوْتَ ثَانياً، لَعَلّ أَبَا المِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ
يُجِبَكَ، كَمَا قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، إنَّهُبِأَمْثَالِها رَحْبُ الذّرَاعِ، أَرِيبُ
أَتَاكَ سَرِيعاً واسْتَجَابَ إلى النّدَى،كَذَلِكَ، قَبْلَ اليَوْمِ كَانَ يُجِيبُ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ يَدْعُو السَّوابِحَ مَرَّةًبِذي لَجَبٍ، تَحْتَ الرِّمَاحِ، مُهِيبُ
فَتىً أَرْيَحيٌّ كَانَ يَهْتَزَّ للنَّدَى،كَمَأ اهْتَزَّ مِنْ مَاءِ الحَدِيدِ قَضيبُ
فَتىً مَا يُبالي أَنْ يَكُونَ بِجِسْمِهِ،إذا نَالَ خَلاّتِ الكِرَامِ، شُحُوبُ
إذا ما تَرَاءاهُ الرِّجَالُ تَحَفَّظُوا، فَلَمْ يَنْطِقُوا العَوْرَاءَ، وَهُوَ قَرِيبُ
عَلَى خَيْرِ مَا كَانَ الرِّجَالُ خِلاَلُهُ،وَمَا الخَيْرُ إلاّ قِسْمَةٌ وَنَصِيبُ
حَلِيفُ النَّدَى يَدْعُو النَّدَى، فَيُجِيبُهُسَريعاً، وَيَدْعُوهُ النَّدى، فَيُجِيبُ
غَيَاثٌ لِعانٍ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِينُهُ،وَمُخْتَبِطٍ يَغْشَى الدُّخَانَ غَرِيبُ
عَظِيمُ رَمَادِ النّارِ رَحْبٌ فِنَاؤُهُ،إلى سَنَدٍ، لَمْ تَجْتَنِحْهُ عُيُوبُ
يَبِيتُ النّدى، يَا أُمَّ عَمرٍو، ضَجيعَهُ،إذا لم يَكُنْ في المُنْقَيَاتِ حَلُوبُ
حَلِيمٌ، إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أَهْلَهُ، مَعَ الحِلْمِ، في عَيْنِ العَدُوِّ، مَهِيبُ
مَعَنّىً، إذا عَادَى الرِّجَالَ عَدَاوَةً،بَعِيدٌ، إذا عَادَى الرِّجَالُ، قَرِيبُ
غَنِينَا بِخَيْرٍ حِقْبَةً ثُمّ جَلَّحَتْعَلَيْنَا التي كُلَّ الأَنَامِ تُصِيبُ
فَأَبْقَتْ قَلِيلاً ذَاهِباً، وَتَجَهَّزَتْلآخَرَ، وَالرّاجِي الحَيَاةَ كَذُوبُ
وَأَعْلَمُ أَنَّ الباقيَ الحَيَّ مِنْهُمُإلى أَجَلٍ، أَقْصَى مَدَاهُ قَرِيبُ
لَقَدْ أَفْسَدَ المَوْتُ الحَيَاةَ، وَقَدْ أَتَىعلى يَوْمِهِ عِلْقٌ عَليَّ حَبِيبُ
فَإنْ تَكُنِ الأيَّامُ أَحْسَنَّ مَرَّةًإليّ، فَقَدْ عَادَتْ لَهُنّ ذُنُوبُ
جَمَعْنَ النَّوى حَتّى إذا اجْتَمَعَ الهَوَى، صَدَعْنَ العَصَا، حَتّى القَنَاةُ شَعُوبُ
أَتَى دُونَ حُلوِ العَيْشِ حَتّى أَمَرَّهُنُكُوبٌ على آثارِهنّ نُكُوبُ
كَأَنّ أَبَا المِغْوَارِ لَمْ يُوفِ مَرقباً؛إذا رَبَا القَوْمَ الغُزَاةَ رَقِيبُ
وَلَمْ يَدْعُ فِتْياناً كِراماً لِمَيْسِرٍ،إذا اشْتَدّ من ريحِ الشّتَاءِ هُبُوبُ
فَإنْ غَابَ مِنْهُمْ غَائِبٌ، أَوْ تَخَاذَلوا، كَفَى ذَاكَ مِنْهُم، والجَنَابُ خَصِيبُ
كَأَنَّ أَبَا المِغْوَارِ ذا المَجْدِ لَم تَجُبْبِهِ البِيدَ عَنْسٌ بِالفَلاَةِ، خَبُوبُ
عَلاَةٌ، تَرَى فِيهَا، إذا حُطَّ رَحْلُها،نُدُوباً على آثارِهِنَّ نُدُوبُ
وَإنّي لَبَاكِيهِ، وإنّي لَصَادِقٌعَلَيْهِ، وَبَعْضُ القَائِلِينَ كَذُوبُ
فَتَى الحَربِ إنْ جَارَتْ تَرَاهُ سِمَامَهاوَفي السِّلْمِ مفْضَالُ اليَدَيْنِ وَهُوبُ
وَحَدَّثْتُمَاني إنَّمَا المَوْتُ في القُرَى،فَكَيْفَ؟ وَهذَا رَوْضَةٌ وَقَلَيْبُ
وَمَاءُ سَماءٍ، كَانَ غَيْرَ مَحَمَّةٍبِدَاوِيّةٍ تَجْرِي عَلَيْهِ جَنُوبُ
وَمَنْزِلِهِ في دَارِ صِدْقٍ وَغِبْطَةٍ،وَمَا اقْتَالَ مِنْ حكمٍ عَلَيْهِ طَبِيبُ
فَلَوْ كَانَتِ الدّنْيا تُبَاعُ اشْتَرَيْتُهُ، بِمَا لَمْ تَكُنْ عَنْهُ النّفوسُ تَطِيبُ
بِعَيْنّي أَوْ يُمَنَى يَدَيّ، وقيلَ لي:هُوَ الغَانِمُ الجَذْلاَنُ يَوْمَ يَؤُوبُ
لَعَمْرُكُمَا إنَّ البَعِيدَ لَمَا مَضَى،وإنّ الذي يَأْتي غَداً لَقَرِيبُ
وَإنّي وَتَأْمِيلي لِقَاءَ مُؤمَّلٍ،وَقَدْ شَعَبَتْهُ عن لِقَايَ شَعُوبُ
كَدَاِعي هُذَيلٍ لا يَزَالُ مُكَلَّفاً،وَلَيْسَ لَهُ، حتى المَمَاتِ، مُجيبُ
سَقَى كلَّ ذِكرٍ جَاءَنَا مِنْ مُؤمَّلٍ،على النّأيِ، زَحّافُ السّحَابِ سَكُوبُ
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع