من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)
أبو زبيد الطائي الخفيف
إنّ طُولَ الحياةِ غَيْرُ سُعودِ،وَضَلالٌ تأميلُ طُولِ الخلودِ
عُلِّلَ المَرْءُ بِالرّجاءِ، وَيُضْحيغَرَضاً للمَنُونِ، نَصْبَ العُودِ
كلَّ يَوْمٍ تَرْمِيهِ مِنْهَا بِسَهْمٍ،فَمُصِيبٌ، أَوْ صَافَ غَيْرَ بَعِيدِ
مِنْ حَميمٍ يُنْسي الحَيَاةَ جَلِيدَ القوم، حتّى تَرَاهُ كَالمَلْبودِ
كُلَّ ميتٍ قد اغْتَفَرْتُ، فَلا أَجزعُ مِنْ والدٍ وَلا مَوْلودِ
غَيْرَ أَنّ الجُلاَحَ هَدّ جَنَاحي،يَوْمَ فَارَقْتُهُ بِأَعْلى الصّعيد
في ضَرِيحٍ عَلَيْهِ عِبْءٌ ثَقِيلٌمِنْ تُرَابٍ، وَجَنْدَلٍ مَنْضُود
عَنْ يَمينِ الطّريقِ عِنْدَ صَدَى حَرّان، يدعو بالوَيل، غَيْرَ مَعُود
صَادياً يَسْتَغِيثُ، غَيْرَ مُغاثٍ،وَلَقَدْ كَانَ عَصْرَة المَنْجُود
رُبّ مُسْتَلْحِمٍ، عَلَيْهِ ظِلالُ الموتِ، لَهْفَانَ، جَاهِدٍ، مَجْهُود
خَارِجٍ نَاجِذَاهُ قَدْ بَرَدَ المَوْتُ على مُصْطَلاهُ أيَّ بُرُودِ
غَابَ عَنْهُ الأدْنَى، وقد وَرَدتْ سَمْرُ العَوَالي إليه أيَّ وُرُود
فَدَعَا دَعْوَةَ المُحْنَقِ وَالتّلْبيبِ مِنْهُ في عَامِلٍ مَقْصُود
ثُمّ أَنْقَذْتَهُ، وَنَفّسْتَ عَنْهُبِغَمُوسٍ أَوْ ضَرْبَةٍ أُخْدُود
بِحُسامٍ أَوْ رزَّةٍ مِنْ نَحِيضٍذَاتِ رَيْبٍ على الشُّجاعِ النجيد
يَشْتَكِيها بِقَدْكَ إذ بَاشَرَ المَوْتَ جَدِيداً، وَالمَوْتُ شَرُّ جديد
فَلَوَتْ خَيْلُه عَلَيْهِ، وَهَابوالَيْثَ غَابٍ مُقَنَّعاً في الحَدِيد
غَيْرَ ما ناكلٍ يَسِير رُوَيداً،سَيْرَ لا مُرْهَقٍ، وَلا مَهْدُود
سَاحِباً للْجَامِ، يُقْصِرُ مِنْهُ،عَرِكاً في المَضِيقِ، غَيْرَ شُرُود
مُسْتَعِدّاً لِمِثْلِها إنْ دَنَوْا مِنْهُ،وَفي صَدْرِ مُهْرِهِ كَالصّديد
نَظَراً للّيْثِ هَمُّه في فَرِيسٍ،أَقْصَدَتْهُ يدا مَجِيدٍ مُفيد
سانَدُوهُ، حتّى إذا لم يَرَوْهُشَدّ أَجْلاَدَهُ عَلَى التسنيد
يَئِسوا، ثم غَادَرُوهُ لِطَيْرٍعُكَّفٍ حَوْلَهُ عُكُوفَ الوُفُودِ
وَهُمْ يَنْظُرُونَ لَوْ طَلَبُوا الوِتْرَ إلى واتِرٍ شَمُوْسٍ، حَقُودِ
قُحْمَةٌ، لَوْ دَنَوْا لِثأرٍ إلَيْهِم،حَرْشَفٌ، قَدْ ثَنَاهُمُ لِعَدِيدِ
يا ابنَ خَنْسَاء، يا شُقّيقَ نَفْسي،يا جُلاحٌ، خَلّيْتَني لِشَديدِ
يَبْلُغُ الجُهْدُ ذا الحَصَأةِ من القوم، ومن يُلفَ لاهياً، فَهُوَ مودي
كلَّ عامٍ أرمي وَيَرمْي أماميبِسهامٍ من مُخطيءٍ أَوْ سَدِيدِ
ثُمَّ أَوْحَدْتَني وَأَثْلَلْتَ عَرْشي،عِنْدَ فِقْدَانِ سَيّدٍ وَمَسودِ
مِنْ رِجَالٍ كَانوا جَمَالاً نُجُوماً،فهُمُ اليَوْمَ صَحْبُ آلِ ثَمُود
خَانَ دَهْرٌ بهم، وكانوا هُمُ أَهْلَ عَظيِيمِ الفِعَالِ والتّمْجِيدِ
مانحي باحةِ العِراقِ، مِنَ النّاسِ، بِجُردٍ تَعْدُو بِمِثْلِ الأسُودِ
كلَّ عامٍ يَلْثِمْنَ قَوْماً بِكَفِالدَّهْرِ جَمْعاً، وَأَخَذِ فيءٍ مَزِيدِ
جَازِعاتٌ إلَيْهِمُ خُشَّعُ الأوداةِ، تُسقى، قُوتاً، ضَياحَ المَديدِ
مُسْنِفاتٌ كَأَنّهُنّ قَنَا الهِندِ، وَنَسْيُ الوَجِيفِ شَغْبَ المُرُودِ
مُسْتَحيراً بِهَا الهُدَاةَ، إذا يَقْطَعنَ نجداًن وَصَلْنَهُ بِنُجود
فَأَنَا اليَوْمَ قَرْنُ أَعْضَبَ منهم،لا أرَى غيرَ كائِدٍ وَمَكُود
غَيْرَ ما خاضِعٍ لِقَوْمٍ جَنَاحي،حِينَ لاحَ إلوُجُوهَ سَفْعُ الخُدُود
كَانَ عني يَرُدّ دَرْؤُكَ بعدَ اللَّهِ، شَغَبَ المُسْتَصْعَبِ المِرِّيدِ
مَنْ يُرِدْني بسيءٍ كُنْتَ مِنْهُكَالشَّجا بَيْنَ حَلْقِهِ وَالوريد
أُسُدٌ، غَيْرُ حَيْدَرٍ، ومُلِثٌّيُطلِعُ الخَصْمَ، عُنْوَةً، في كَؤود
وَخَطِيباً، إذا تَمَغّرت الأوجه، يَوْماً في مَأْزِقٍ مَشْهودِ
وَمَطيرُ اليَدَيْنِ بالخَيْرِ لِلْحَمْدِ، إذا ضَنّ كُلُّ جِبسٍ صَلُود
أَصْلَتِيّاً تَسْمُو العُيُونُ إليهِ،مُسْتَنيراً كَالبَدْرِ عَامَ العُهُود
مُعْمِلُ القِدْرِ بارزُ النّارِ للضّيْفِ إذا هَمَّ بَعْضُهُمْ بِجُمُود
يَعْتَلي الدهْرَ، إذْ عَلا عاجزُ القَوْم، فَصِيداً مِنْهُ، وَغَيْرَ فَصِيد
وَسَعَوْا بِالمَطِيّ والذُّبَّلِ السُّمْرِ، لَعَمياءَ، في مَفَارِطَ بيد
مُسْتَحِيراً بها الرّياحُ، فلا يجْليها في الظّلامِ كلُّ هَجُود
وَتَخالُ القَرِيضَ فِيهَا غَناءًللنّدامَى مِنْ شَارِبٍ غِرّيد
قال: سيروا إنّ السُّرَى نُهْزةُ الأكياسِ، والغزوَ لَيْسَ بالتّهْمِيدِ
وإذا ما اللَّبُونُ سافَتْ رمادَ الحيِّ يوماً بالسَّمْلَقِ الأُملُودِ
بَدّلَ الغَزْوُ أَوْجُهَ القَوْمِ سُوداً،وَلَقَد أَبْدأُوا، وَلَيْستْ بِسُود
نَاطَ أَمْرَ الضِّعافِ، واحْتَفَلَ اللّيلُ كَحَبْلِ العادِيّة المَمْدُودِ
في ثِيابٍ عِمَادُهُنّ رِمَاحٌ،عِنْدَ جُوعٍ يَسْمو سُمُوَّ الكبود
كَالبَلايَا رُؤُوسُها في الوَلاَيَامَانِحَاتِ السَّمُومِ سُفَعِ الخُدُودِ
إنْ تَفُتْني، فلَمْ أَطِبْ عَنْكَ نَفْساً،غير أَنِّي أُمْنَى بِدَهْرٍ كَيُود
كلُّ عَامٍ كَأَنّهُ طَالِبٌ وِتْراًإلَيْنَا، كَالثّائِرِ المُسْتَقِيد
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع