من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
مصر
ولما أسفر الصباح ثامن عشر صفر الخير، توجهنا إلى مصر المحروسة، وشاهدنا
منازلها البهية المأنوسة، ولما دخلتها وجدتها بديعة الأوصاف، مخضرة الجوانب والأكناف، بها الجوامع الجامعة للمحاسن، والمدارس الحافلة بالمكانة والأماكن، ورأيت أهلها أرقّ أخلاقاً من النسيم، وألطف شمائلاً من الشَمول والشميم، إلا ما شاء من الأوغاد وجبابرة العباد، ورأيت لهم الذكاء المتوقد، والذوق المتجدد، مع كمال الجَدِّ في الجِدِّ والإجتهاد، وبذل النفوس النفيسة في تحصيل المراد، فلله دَرَّهم، ولا زال يزداد ويزدان بهم بِرّهم وبَرّهم، فلقد تحقق بهم صدق القائل:
قل للذي سار بلاد الورىوأظهر القوّة والباسا
مَنْ لا رأى مصراً ولا أهلهافما رأى الدنيا ولا الناسا
وما أصدق من قال:
ما مصر إلا بلدة ما مثلهاغريبها يرتع في نعيمها
نسيمها ألطف شيءٍ في الورىوأهلها ألطف من نسيمها
ثم أقمت بها برهة من الأيام، صحبة الأخلاء الكرام، أطوف بأكنافها البهية، وألوي على أعكانها الشهية:
بالسفح حيناً وبالبقعاء آونةوبالكثيب زماناً والأثيلات
ثم لم أزل أتعهد الجامع الأزهر، وأتردد على كلّ درس فيه أوضح تقريراً من الشمس وأنور، وأحاول النفس على أن استزيد عِلماً، فيعاجلني من مضض الأيام ما يربو على خَطْب الدهر هماً وغماً، وأجد الفهم لذلك كليلاً، والقلب سقيماً عليلاً، والشروط غير متوفرة، والدواعي متعذرة أو متعسرة، كيف لا وقد قيل: لو كلفت بصلة ما حفظت مسألة وأنى يكون ذلك مع اشتغال البال، واشتعال البلبال:
ألا لن تنال العلم إلا بستةٍسأُنبيكَ عن مجموعها ببيانِ
ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبُلْغَةٌوإسعاد أستاذ وطول زمانِ
ومن مجون بعض الفضلاء:
فرِّق فِرَقَ الدروس واجمع مالاًفالعمر مضى ولم تنلْ آمالا
لا ينفعُك القياسُ والعكس ولاإفْعَنْلَلَ يفْعنلِلُ افْعِنْلالا
وقال آخر في جوابه:
بالعلم ينالُ كلُ عبدٍ مالافاجهد لتنالَ في الملا آمالا
ما أسوأ رأي من ينادي سفهاًفرّق فرق الدروس واِجمع مالا
ومن محاسن أحمد الشهاب الرومي:
إلى المال مِلْ واجمعه إن كنت عارفاًففي هذه الدنيا له الشيْلْ والحطُ
وفي قبضه عز النفوس وبسطُهاوناهيك ممن قبضهُ في الملا بسطُ
وله أيضاً:
المال أحسن ما ادخرت فلا تكنسمحاً به وتأن في تفصيلهِ
ما حَصّلوا جمع العلوم بأسرهاإلا ليحتالوا على تحصيلهِ
قلت: وإلى ذلك أشار الشعراني في كتاب الجواهر في معتقد الأكابر. وقال الفخر الرازي: الذي تحرر عندي، أن قدر الإنسان بالعلم وقدر العلم بالمال. ونظم في ذلك من قال:
إن قدر المرء بالعلم كماأن قدر العلم بالمال سما
فجناحاك هما إن أسعداطِرْ كما تَهوى إلى أعلى السما
حكى الشهاب النهرواني عن بعض الأكابر، أنه كان إذا وقع الدينار في يده يقبله ويضعه على عينه، ثم يقول له: مرحباً بجامع شملي، وحافظ عقلي، وحبيب قلبي، ولب لبي، أنت مرادي وقوتي وعمادي، يا نور عيني ويا ضياء جبيني، قد صرت إلى من يعرف قدرك، ويعظم أمرك، وكيف لا وأنت تعظّم الأقدار، وتفتض الأبكار، وتؤمن من يخاف، وتسمو على الأشراف. ثم يطويه في كيسه وينشد:
بروحيَ محجوباً عن العين شخصهُومن ليس يخلو عن لساني ولا قلبي
ومن قربه قصدي من الكونِ كلّهوحتى من الخلان والأهل والصحبِ
قلت ولله در ابن المعتز حيث يقول:
إذا كنتَ ذا ثروةٍ في الملافأنت المسوّد في العالمِ
وحسبك من نسبٍ صورةٌتُخبر أنك من آدمِ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع