من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)
الحجر: ديار ثمود
ومررنا بطريقنا ليلا على الحجر ديار ثمود وتسميها العامة ديار صالح، لكن في الإياب مررنا عليها نهارا، وهي أرض موحشة غضب الله ظاهر عليها، وفيها بيوت ذوات
أبواب، على سطح كل باب هيئة الدرجين المعكوسين، تظن العامة أنها مقلوبة، وليس كذلك كما هو ظاهر لمن تأمل البناء وعقد الأبواب والأواوين وأكثر البيوت علا عليها الرمل، نعوذ بالله من غضبه وعقابه. ومررنا على الجبل الذي غاب فيه سيدنا صالح النبي، وتسميه العامة مبرك الناقة، تزعم بأن الجمال إذا سمعت رغاء الفصيل تبرك فلا تثور، وهذا إذا وصلوا إلى ثغر الجبل أكثروا من الصياح ورفع الأصوات وضرب البنادق لكي لا تسمع الجمال رغاء الفصيل فتبرك، وهذا أمر مشهود فيما بينهم، والظاهر أنه لا أصل له، وإنما أصله القديم أنه لما كان رمل ذلك الموضع كثيرا متراكما، والغالب يكون الفيء والظل عليه، فإذا وطئت الجمال ذلك الرمل تبرك كما هو عادتها في غيره، احتالوا لها بذلك والله أعلم.
وأقمنا في هذه المرحلة يوما، ودعانا يوم الإقامة الحاج عبود كبير جمالة حلب، وقدم لنا أطعمة فاخرة من أنواع الحلويات السكرية والكاهي والخروف المحشو والمصارين المحشوة والأكارع والرءوس المطبوخة أحسن طبخ وعليها ماء الليمون، والبلاو المزعفر وعليه قطع اللحم السمينة، والحريرة المطبوخة مع ماء الليمون، والمخلل المعمول من الزيتون والقرع وغير ذلك، ثم شربنا قهوة البن التي كأنها جناح الطاووس، ورش علينا ماء الورد الذي تفوق رائحته المسك وتبخّرنا بالعود الطيب، جزاه الله عنا خيرا، وكان معنا في هذه الدعوة
السيد العالم الناسك جلبي أفندي المفتي بحلب على مذهب الحنفية سابقا، والسيد أبو المواهب مفتي الشافعية بحلب، والسيد طالب الرفاعي البصري، والسيد يونس الأدهمي، والحاج محمد بن هاشم البغدادي، والحاج محمد بن قاسم البصري، فانبسطنا وحمدنا الله الذي أطعمنا مثل هذه الأطعمة التي هي عزيزة في الحضر. وأهل العلى صورهم قبيحة لا دمّ في وجوههم، أكثرهم عور، وقد شاع عند الحجاج انهم يتجرأون على قتل الإنسان ونهب أمواله، وليس بصحيح، بل الذي يفعل ذلك عرب عنزة، يستخفون بين النخيل والأشجار، فإذا مر بهم الحاج المنفرد قتلوه وسلبوه، وأما أهل العلى فلا يخرجون من بيوتهم إلى خارج القرية إلا القليل، خوفا على أنفسهم من عسكر الحاج، فتبقى الحدائق خالية من الناس، فتأتي الأعراب فيكمنون فيها ويفعلون القبائح، فيظنهم الذي لا علم له ولا خبرة أنهم أهل العلى، حاشا لله، فهم قوم مسلمون يقيمون الجمعة والجماعات، ويؤوون من انقطع من الحجاج، ويقومون بأودهم كما شاهدته عيانا.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع