من «رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا» لحسن توفيق العدل (ت ١٣٢٢هـ)
مدينة دريسدن
ثم بارحت هذه المدينة حتى وصلت إلى مدينة دريزدن عاصمة مملكة صكصونيا وأقمت بها يوماً، فشمتها ذات منظر بهيج كثيرة الأبنية الجميلة والشوارع النظيفة، ويحيط بها بساتين في غاية من التألق موضوعة على ضفتي نهر ألب وسكانها
٢٤٦٠٠٠ نفس، وهم على مذهب البروتستانت أسست سنة ١٢٠٦ ميلادية، وصارت لهذه المملكة سنة ١٤٨٥، واشتهر ذكرها اشتهاراً عجيباً في عصر ملكها أغسطس الثاني الذي مات سنة ١٧٣٣، وكان يميل في أعماله إلى تقليد لويز الربع عشر ملك فرنسا مثل ملك بفاريا لويز الثاني المتقدم ذكره، وهؤلاء الثلاثة أرادوا أن يكونوا مثل قياصرة الروم، وفي عصر الملك أغسطس المذكور اخترعت صناعة الخزف المشهور بالخزف الصكصوني، ومخترعه يسمى بتجره وكان ذلك سنة ١٧٠٩ وأعظم معامل ذلك الخزف بمدينة بتلك المملكة تسمى ميسن، ولا يعادل هذه المدينة غيرها في صناعة النقش على الأحجار لشهرة نقاشيها، شاهدت بها قاعة في القصر الملوكي يقال لها (القبة الخضراء) فشمت بها من أثمن كنوز العالم كنموذجات أصناف الذهب والفضة المرصعة بالأحجار الثمينة والخزف والعاج وسن الفيل والنحاس والبلور بصناعة عجيبة.
ورأيت معرض التصوير بها، وقد عرضوا فيه صور المصورين المشهورين قديماً وحديثاً كصور رافائيل الإيطالياني الشهير،
ومصوري هولاندا وفرنسا وإيطاليا وغيره، وهذا المعرض ومعارض لوفر بباريس ومدريد بإسبانيا وفلورانسا هي أعظم المعارض على وجه البسيطة. ومن جملة ما لاحظته بتلك المدينة كيفية سير الناس على جسرها العظيم الممتد على نهر ألب، وذلك أن أحد رصيفيه مُعَد للصادرين والآخر للواردين، كيلا يعوق الصادر الوارد، ثم علمت أن ذلك قانون بجميع هذه المملكة بالنسبة إلى الجسور، فياله من انتظام حسن!
وتسمى مملكة صكصونيا باللغة الألمانية زاكسن وهي أعظم مملكة بألمانيا بعد البروسيا وبفاريا، وملكها الآن يسمى البرت وقد باشر الحرب الأخيرة الفرنساوية الألمانية بصفته قائداً، وكان أبوه المسمى الملك يوحنا ذا علم ومعرفة بأدب اللغة، وقد ترجم إلى اللغة الألمانية ديوان الشاعر الإيطالياني الشهير بدانته.
ولما متعت بمحاسن تلك المدينة الأنظار قلت للنفس هذا آخر عهدك بالأسفار والتجول في الأقطار، وحسبي فقد قطعت الفيافي وجبت البلاد، وطرقت منها الهضاب والنجاد، وعجمت أعواد قاطنيها، وسبرت أحوال نازليها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع