من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة الظَّاهِرِيَّة الجوانية
دَاخل بَابي الْفرج والفراديس بَينهمَا جوَار الْجَامِع وشمالي بَاب الْبَرِيد وقبلي الاقباليتين والجاروخية وشرقي العادلية الْكُبْرَى باباهما متواجهان يفصل بَينهمَا الطَّرِيق كَانَت دَارا للعقيقي فاشتراها من تركته أَيُّوب وَالِد صَلَاح الدّين فَكَانَت دارة
قَالَ ابْن كثير وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وسِتمِائَة شرع فِي بِنَاء الدَّار الَّتِي تعرف بدار العقيقي تجاه العادلية لتجعل مدرسة وتربة للْملك الظَّاهِر وَلم تكن من قبل إِلَّا دَارا للعقيقي وَهِي الْمُجَاورَة لحمام العقيقي وَأسسَ أساس التربة فِي خَامِس جُمَادَى الْآخِرَة وأسست الْمدرسَة أَيْضا وَجعلت على الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة
وَفِي كَلَام ابْن شُهْبَة مَا يُشِير إِلَى أَن الْملك الظَّاهِر بيبرس هُوَ الَّذِي أَنْشَأَهَا وَجعلهَا دَار حَدِيث ومدرسة وَهُوَ مُخَالف لما ذكره فِي آخر كَلَامه فانه قَالَ أَن هَذِه الْمدرسَة إنْشَاء الْملك السعيد ابْن الْملك الظَّاهِر أَنْشَأَهَا بعد موت أَبِيه بيبرس بعد أَن سمع خبر موت أَبِيه وَكَانَ قد تقدم مَوته وَبَقِي مُدَّة بقلعه دمشق إِلَى أَن حضر السعيد إِلَى دمشق فَاشْترى دَار العقيقي ثمَّ انشأ التربة فَبين أول كَلَامه وَآخره مُخَالفَة وَالَّذِي يظْهر أَن الْبَانِي لَهَا السعيد لَا أَبوهُ وَكَانَ بناؤها سنة تسعين وسِتمِائَة وَقد درس بهَا جمَاعَة من الْفُضَلَاء مِنْهُم اليونيني وَأَبُو حَفْص عمر الفارقي الدِّمَشْقِي وعلاء الدّين ابْن بنت الاعز ثمَّ الصفي الْهِنْدِيّ ثمَّ ابْن الزملكاني ثمَّ الْجمال القلانسي ثمَّ ابْن قَاضِي الزبداني ثمَّ مُحَمَّد بن الشَّهِيد ثمَّ أفاضل يطول تعدادهم
أَقُول أَن هَذِه الْمدرسَة بَاقِيَة إِلَى الْآن وَهِي مَشْهُورَة مَعْرُوفَة وبابها بِنَاؤُه من الْعَجَائِب يدْخل مِنْهُ إِلَى ساحتها فَيكون عَن يَمِين الدَّاخِل التربة الظَّاهِرِيَّة وَهِي فِي قبَّة شاهقة فِي الْهَوَاء وجدرانها من الرخام الْأَبْيَض وَالْأسود مزخرفة بالفسيفساء وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين وثلاثمائة وَألف غيرت بلاطتها وبركتها الْكَبِيرَة وأبدل ذَلِك بطراز لطيف وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يبْق فِي داخلها من الْبناء الأول إِلَّا الْجِهَة الْقبلية وَأما الْبَاقِي فقد غير وَجعل مدرسة لصغار الطّلبَة سميت باسم نموذج الترقي وَفِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف كَانَ المرحوم مدحت باشا واليا على سورية فاهتم بإنشاء الْمكَاتب ثمَّ علم أَن دمشق كَانَ بهَا مَا لَا يعد من خَزَائِن الْكتب الْمَوْقُوفَة على المشتغلين بِالْعلمِ فمدت إِلَيْهَا أَيدي المختلسين بالنهب وَالْبيع حَتَّى لم يبْق مها إِلَّا النّذر الْقَلِيل فخاف على
الْبَاقِي من الضّيَاع فَكتب إِلَى مقرّ السلطنة بذلك كتابا يَقُول فِيهِ لما كَانَت الْكتب الْمَوْقُوفَة والمشروطة لاستفادة الْعُمُوم قد حصرت بأيدي المتولين وَحرمت النَّاس من مطالعتها كَانَ من اللَّازِم جمعهَا وَجعلهَا فِي مَكَان مَخْصُوص ليَكُون الِانْتِفَاع بهَا عَاما فصدر لَهُ الْأَمر بذلك فِي الْيَوْم الْخَامِس عشر من شباط سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف رُومِية الْمُوَافقَة للتاريخ الْمَذْكُور وَأعْطِي الْقَرار من طرف مجْلِس الإدارة على ذَلِك وجمعت الْكتب الْمَوْجُودَة من عشر خَزَائِن
من خزانَة الْمدرسَة العمرية الَّتِي بالصالحية وَكَانَ بهَا كتب عَظِيمَة فَلم تصل يَد الَّذين جمعوها إِلَّا إِلَى بَعْضهَا
وَمن مدرسة عبد الله باشا الْعظم ومكتبتها من وَقفه ﵀ فِي سنة إِحْدَى عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكَانَ وَالِده مُحَمَّد باشا قد كتب وَقفهَا من قبله سنة تسعين وَمِائَة وَألف وَكَانَ مقرها فِي مدرسته إِلَّا أَن نسبتها اشتهرت إِلَى عبد الله باشا
ومكتبة سُلَيْمَان باشا الْعظم وَهِي مكتبة وَقفهَا الْمَذْكُور سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَكَانَ مقرها فِي مدرسته فِي بَاب الْبَرِيد
ومكتبة المنلا عُثْمَان الْكرْدِي وَكَانَ مقرها فِي الْمدرسَة السليمانية
ومكتبة الخياطين وَهِي مكتبة وَقفهَا اِسْعَدْ باشا الْعظم بعد سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَكَانَ مقرها فِي مدرسة وَالِده الْحَاج إِسْمَاعِيل باشا فِي محلّة الخياطين قرب الْمدرسَة النورية
ومكتبة الْمدرسَة المرادية
ومكتبة السميساطية وَهِي مكتبة حَدِيثَة الْعَهْد وَقفهَا أهل الْخَيْر
ومكتبة الْمدرسَة الياغوشية وَكَانَت مَوْضُوعَة فِي مدرسة سياوش باشا فِي محلّة الشاغور
ومكتبة الْأَوْقَاف وَهِي مكتبة مَجْمُوعَة من مكتبات مُتَفَرِّقَة تشَتت أمرهَا فَوضعت فِي ديوَان الْأَوْقَاف حفظا لَهَا
ومكتبة بَيت الخطابة وَكَانَت مَوْضُوعَة فِي حجرَة الخطابة فِي جَامع بني أُميَّة
ثمَّ جعل مقرّ تِلْكَ الْكتب كلهَا فِي تربة الْملك الظَّاهِر فِي الْمدرسَة الْمَذْكُورَة لمتانتها ولياقتها لتِلْك الْغَايَة وطبع دفتر بأسماء الْكتب وَعين الْوَالِي لَهَا محافظين لكل وَاحِد مِنْهُمَا مِائَتي قِرْش فِي الشَّهْر وبوابا بِخَمْسِينَ قرشا وَلما أنْتَهى المرحوم مدحت باشا تنظيمها وترتيب قانونها عزل عَن ولَايَة سورية وَجَاء بعده حمدي باشا فِي أَوَائِل سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَكتب الْحجر الَّذِي على بَاب المكتبة باسمه فكم ساع لقاعد سنة الله فِي خلقه والمكتبة الْمَذْكُورَة مَفْتُوحَة الْبَاب للمطالعين وَزَاد أهل الْخَيْر فِي كتبهَا مَا هُوَ قريب من الأَصْل وَكَانَ بِهَذِهِ الْمدرسَة دَار حَدِيث بَين إيوَان الْحَنَفِيَّة القبلي وإيوان الشَّافِعِيَّة الشَّرْقِي وَقد صَارَت بَيْتا مُنْذُ التسْعمائَة والى الْآن ودرس بهَا كثير من المدرسين مِنْهُم اليونيني الْمُحدث الْمَشْهُور وَعمر الربعِي الفارقي وَابْن بنت الْأَعَز والصفي الْهِنْدِيّ وَابْن الزملكاني والقلانسي وَابْن قَاضِي الزبداني وَابْن الشَّهِيد وَإِبْرَاهِيم اللوري وَاحْمَدْ بن غنيمَة الوَاسِطِيّ وَغَيرهم من الْمَشَاهِير وَمن وقف هَذِه الْمدرسَة الحصص بالقنيطرة ثمَّ كفر عاقب والصرمان بكمالها والاشرفية قبلي دمشق وَنصف قَرْيَة الإسطبل بالبقاع وَنصف الطرة والبستان بالصالحية
تَرْجَمَة واقفها المنسوبة إِلَيْهِ هُوَ السُّلْطَان ركن الدّين بيبرس العلائي البندقداري الصَّالِحِي صَاحب الفتوحات وَهُوَ الرَّابِع من مُلُوك التّرْك قَالَ فِي تحفة الناظرين اصله تركي اشْتَرَاهُ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب واعتقه وَلَا زَالَت الأقدار تساعده حَتَّى وصل إِلَى مَا وصل وَكَانَ ملكا شجاعا مقداما يُبَاشر الحروب بِنَفسِهِ لَهُ مَعَ التتار الوقائع الهائلة ثمَّ الإفرنج وَقد بنى مدرسة بِالْقَاهِرَةِ تجاه المارستان عَام اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَتمّ الْبناء فِي سنة سبع وَقد تقلب الزَّمَان على مدرسته بِالْقَاهِرَةِ إِلَى أَن جعلهَا الإفرنج قلعة سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف حينما استولوا على مصر وَذَلِكَ لمتانتها وصلابتها وإتقان بنائها وَقَطعُوا مَا حولهَا من الْأَشْجَار وهدموا الْأَبْنِيَة الَّتِي كَانَت بَينهَا وَبنى أَيْضا قناطر أبي المنجى بالقليوبية وقناطر السبَاع بطرِيق مصر وَغير ذَلِك من قلاع وحصون وقناطر وخانات بِالشَّام وَغَيرهَا واكمل عمَارَة الْمَسْجِد النَّبَوِيّ من الْحَرِيق وَله فتوحات كَثِيرَة فتح النّوبَة ودنقلة وَلم تفتح قبله مَعَ كَثْرَة غَزْو الْخُلَفَاء والسلاطين لَهَا
وَملك قيسارية وَلبس التَّاج وَضربت باسمه الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وجدد عمَارَة جَامع الْأَزْهَر بعد أَن خرب وَله صدقَات وأوقاف كَثِيرَة وَلما خرج إِلَى قتال التتار استفتى الْعلمَاء فِي أَخذ أَمْوَال من الرّعية فأفتوه إِلَّا النَّوَوِيّ فانه امْتنع وَكَلمه كلَاما شَدِيدا فَغَضب مِنْهُ وَأمره بِالْخرُوجِ من الشَّام فَخرج إِلَى بَلَده نوى ثمَّ رسم لَهُ بِالرُّجُوعِ فَقَالَ لَا ادخلها وَالظَّاهِر بهَا وَفِي أَيَّامه انْتَقَلت الْخلَافَة إِلَى الديار المصرية فَكَانَ أول خَليفَة بِمصْر الْمُسْتَنْصر دَخلهَا سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة فَاجْتمع بِالْملكِ الظَّاهِر واثبت نسبه عِنْد قُضَاة الشَّرْع وَبَايَعَهُ بالخلافة وأجرى عَلَيْهِ نَفَقَة وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر إِلَّا اسْم الْخَلِيفَة وَأَوْلَاده من بعده على هَذَا المنوال يأْتونَ إِلَى السُّلْطَان الَّذِي يُرِيدُونَ تَوليته وَيَقُولُونَ وليناك السلطنة هَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ويتلقبون بألقاب الْخُلَفَاء وَكَانَ سلاطين الأقاليم تتبرك بهم ويرسلون لَهُم إحسانا وَيطْلبُونَ السلطنة بِاللِّسَانِ فيكتبون لَهُم تَقْلِيد وَكَانَ آخر الْخُلَفَاء بِمصْر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب الملقب بالمتوكل وَلما افتتحت الدولة العثمانية مصر أَخذه مَعَه فاتحها السُّلْطَان سليم متبركا بِهِ فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَان سليم عَاد إِلَى مصر إِلَى أَن توفّي بهَا سنة خمسين وَتِسْعمِائَة وبموته انْقَطَعت الْخلَافَة العباسية وَالَّذِي حَكَاهُ فِي تحفة الطَّالِب فِي تَرْجَمته الْملك الظَّاهِر انه ولد فِي حُدُود الْعشْرين وسِتمِائَة وَقَالَ اشْتَرَاهُ الْأَمِير عَلَاء الدّين البندقداري فَقبض الْملك الصَّالح عَلَيْهِ واخذ بيبرس مِنْهُ وطلع شجاعا ضَارِبًا شهد وقْعَة الْمَنْصُور وَكَانَ أَمِيرا فِي الدولة المعزية ثمَّ صَار من أَعْيَان البحرية وَولي السلطنة سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة قَالَ وَلَوْلَا ظلمه وجبروته فِي بعض الْأَحَايِين لعد من الْمُلُوك العادلين توفّي فِي الْيَوْم الثَّامِن وَالْعِشْرين من محرمسنة سِتّ وَسبعين وسِتمِائَة بقصره الأبلق بِدِمَشْق وَخلف من الْأَوْلَاد السعيد مُحَمَّد وشلامش وَالْخضر وَسبع بَنَات وَكَانَ بيلبك قد أخْفى مَوته وَخرج من دمشق إِلَى مصر بمحفة يُوهم أَن الظَّاهِر بهَا إِلَى أَن دخل مصر فسلطن
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع