من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الحواكير
هِيَ كالحدائق فِي سفح قاسيون والفاصل بَينهَا وَبَين جبل الربوة عقبَة دمر الَّتِي بجانبها قبَّة السيار وَقد تضاربت الآراء فِي هَذَا الْقبَّة فَحكى البدري فِي نزهة الانام فِي شَأْنهَا حِكَايَة ملتقطة من أَفْوَاه الْعَوام مُدعيًا صِحَّتهَا وَهِي لَا أصل لَهَا قَالَ ان نصرا وسيارا كَانَا أَخَوَيْنِ فِي الله وابتنى كل وَاحِد مِنْهُمَا قبَّة يتعبد فِيهَا وَكَانَا اذا اشتاق احدهما لصَاحبه مَشى اليه فِي الْهَوَاء وَهَذِه كَمَا ترى مَوْضُوعَة ملفقة وَزعم كتاب الجرائد فِي عصرنا ان قبَّة السيار مرصد للفلك وَلَيْسَ بِصَحِيح وَالْأَقْرَب للصِّحَّة مَا رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه بِسَنَدِهِ الى أَحْمد بن الْخَيْر الْوراق الدِّمَشْقِي قَالَ لم تزل مُلُوك بني الْعَبَّاس تخف الى دمشق طلبا للصِّحَّة وَحسن المنظر مِنْهُم الْمَأْمُون فانه اقام بهَا وأجرت اليها قناة من نهر منين فِي سفح جبلها الى مُعَسْكَره بدير مران وَبنى الْقبَّة الَّتِي فِي اعلى جبل دير مران وصيرها موقدا توقد النَّار فِي اعلاها لكَي ينظر الى مَا فِي عسكرة اذا جن عَلَيْهِ اللَّيْل وَكَانَ ضوؤها وضياؤها يبلغان الى ثنية الْعقَاب والى جبل الثَّلج انْتهى وَهَاتَانِ القبتان احداهما فِي الْجَبَل الغربي عَن الصالحية وَهِي الْآن بَاقِيَة وَالثَّانيَِة على قمة جبل قاسيون فِي الْجَانِب الشمالي وَقد تهدمت وَلم يبْق مِنْهَا الا بعض آثَار
وَهنا انْتهى مَا أردنَا أيراده فِي هَذَا السفرالمبارك بعد تجشم مشاق فِي التنقيب
على تِلْكَ الْآثَار وَكَثْرَة عناء فِي مشاهدتها عيَانًا لانطماسها وتبدل أوضاعها كَمَا يعلم مِمَّا تقدم وتعب فِي استحصال بعض الْكتب التاريخية لِأَن بَعْضهَا فِي دِيَارنَا أصبح معدما وَهُوَ الْقسم الْمعول عَلَيْهِ وَالْبَعْض يتعسر الْوُصُول اليه وَالْبَعْض الآخر لَا يُوجد لدينا الا نَاقِصا ولنذكر هُنَا الْكتب الَّتِى استحضرناها لهَذَا الْمَقْصد الْجَلِيل وَهِي تَنْبِيه الطَّالِب وارشاد الدارس لاحوال مَوَاضِع الْفَائِدَة بِدِمَشْق كدور الْقُرْآن والْحَدِيث والمدارس للشَّيْخ عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد النعيمي الدِّمَشْقِي ومختصره للشَّيْخ عبد الباسط العلموي وذيله لمحمود الْعَدوي ومختصره أَيْضا للبقاعي وثمار الْمَقَاصِد فِي الْجَوَامِع والمساجد ليوسف بن عبد الْهَادِي الْمَعْرُوف بِابْن الْمبرد وتحفة الانام فِي فضل الشَّام للبصروي ونزهة الانام فِي محَاسِن الشَّام للبدري والضوء اللامع لأهل الْقرن التَّاسِع للسخاوي وبهجة الناظرين الى تراجم الْمُتَأَخِّرين لرضي الدّين مُحَمَّد الْغَزِّي العامري وتاريخ دمشق لِلْحَافِظِ عَليّ ابْن عَسَاكِر وَمُنْتَخب شذرات الذَّهَب لعبد الرَّحِيم بن شقدة وَالنّصف الاول من الذيل الوافي على المنهل الصافي ليوسف بن تغري بردي وَكتاب مورد للطافة لَهُ وَكتاب صور الاقاليم والمقصد الارشد فِي طَبَقَات أَصْحَاب الامام أَحْمد لابراهيم بن مُفْلِح وطبقات الْحَنَابِلَة لِلْحَافِظِ عبد الرَّحْمَن بن رَجَب والطبقات للكمال بن حَمْزَة وَالْكَوَاكِب السائرة للنجم الْغَزِّي وذيلها لطف السحر لَهُ ايضا وطبقات الشَّافِعِيَّة لِابْنِ السُّبْكِيّ وطبقات الْحَنَفِيَّة والشقائق النعمانية لطاش كبري وتاريخ عبد الرَّحْمَن بن شاشو الَّذِي ضاهى بِهِ نفخه الريحانة وتاريخ ابْن الاثير وكتابوفيات الْأَعْيَان لِابْنِ خلكان وفوات الوفيات للصلاح الصَّفَدِي فَهَذِهِ الْكتب الَّتِي كنت اعتني بمراجعتها اثناء التاليف وَكنت أراجع غَيرهَا أَحْيَانًا من الْكتب المطبوعة كتاريخ مصر للاسحاقي وتحفة الناظرين للشرقاوي وتاريخ المحبي وتاريخ الْمرَادِي وَغير هَؤُلَاءِ من بعض قطع من تَارِيخ ابْن كثير والصفدي والذهبي وَغَيرهم وَالله تَعَالَى أسأَل ان يَجْعَل بِهِ النَّفْع عَاما وان يحيي آثارنا كُنَّا عنينا باحياء آثَار من قبلنَا وان يغْفر لنا زلاتنا وَيسْتر عوراتنا ويسهل أمورنا وَشرح صدورنا وَأَن يعيننا على اتمام مَا قصدناه بِنِعْمَة تَعَالَى وَكَرمه وَقد كَانَ الْفَرَاغ من تبييضه فِي أَوَائِل شهر ربيع الاول سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة والف من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وأكسل وأكمل التَّحِيَّة على يَد ناظم عقده وناسخ برده الْفَقِير اليه تَعَالَى عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن مصطفى بن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد الشهير كأسلافه بِابْن بدران الدِّمَشْقِي عَفا الله عَنهُ وَعَن وَالِديهِ ومشايخه وَعَن جَمِيع الْمُسلمين آمين
بعد كِتَابَة مَا تقدم ظَفرت بِخمْس وَأَرْبَعين ورقة من أول كتاب الْبَرْق المتالق فِي محَاسِن جلق للشَّيْخ مُحَمَّد كَمَال الدّين الْغَزِّي العامري الدِّمَشْقِي فالتقطت مِنْهُ مَا يتَعَلَّق بمتنزهات دمشق الَّتِي طمس الدَّهْر أثار أَكْثَرهَا وَقد صدر ذَلِك الْفَاضِل كِتَابه بأرجوزة مُطَوَّلَة من نظمه واليك هِيَ بِتَمَامِهَا قَالَ
الْحَمد لله مفيض النعممول لمن شَاءَ صنوف الْكَرم
مكون الاكوان بالاتقانصنع حَكِيم مبدع متقان
بِلَا مِثَال سَابق قد صوراهَذَا الْوُجُود فَكُن بذا مُعْتَبرا
فَفِيهِ أكبر شَاهد التَّوْحِيدولقو الايمان كالتشييد
فكم بقاع خصها بالشرفواختها قضى لَهَا بالسخف
وبلدة حوت رياضا وزهروورودا يانعات ونهر
وبلدة من عاصفات الْحرظمأى وسقيا أرْضهَا من بِئْر
وقرية ربت من الأ مطارتسقى بِمَاء الديمة المدرار
مَشِيئَة قد شاءها الرَّحْمَنبكفه الاعطاء والحرمان
هذي دمشق الشَّام دَار اللَّهْوفاسند حَدِيثي عَن رباها وارو
حاكت جنان الْخلد عِنْد الْعرضبل قيل عَنْهَا جنَّة فِي الارض
بل شامة الدُّنْيَا وَعين الْملكوَيعرف الدِّينَار عِنْد السبك
أنهارها عد النُّجُوم الزهروَلَيْسَ الا فِي رياض تجْرِي
(وكل روض فِي مِثَال الْجنَّة
واق لاخوان الصَّفَا كالجنة)
فان ترم تَفْصِيل ذَا قُم واستمعسهل القريض أَخا الذكاء الْمُمْتَنع
بعد التَّحِيَّات الغزار الجمةتهدي لخير الْخلق مهدى الْأمة
وَآله الانجاد ثمَّ الصحبوَكلهمْ فِي فَضله كالسحب
هاك اسْتمع مني حَدِيث الشَّامدَار التصابي وَالنَّعِيم السَّامِي
قد خصها الرَّحْمَن بالانهاروَطيب الْأَرْوَاح والازهار
وخصها الْمولى بِذَاكَ الْجَبَلوَقل ان يَخْلُو مَكَان من ولي
فكم بنى ضمه قاسونوَكم ولي عِنْده مدفون
وَكم صَحَابِيّ بهَا استشهداوَفِي خبايا أرْضهَا قد الحدا
ودير مران على قاسونكَأَنَّهُ فِي ملك أفريدون
وَتَحْته تِلْكَ الرياض الغضهوَبَينهَا الامواه مثل الفضه
غنت بهَا الاطيار فِي الأفنانفمالت الأغصان كالنشوان
كَذَا الحواكير الَّتِي ينسابفِيهَا يزِيد السلسل المطياب
كم أَن دولاب عَلَيْهِ وشكىوشاقه عهد الرياض فَبكى
وقطر الدُّمُوع فِي الْحِيَاضوباح بالاسرار للرياض
وقرية النّخل مَكَان الصلحافكم بهَا قصد نزيل نجحا
بالصالحية سميت يَا صَاحبل منتدى اللَّذَّات والافراح
تحفها الْقُصُور والجواسقكَأَنَّهَا بَين الربى سرادق
تظلها الادواح كالأعلامتزورها الْأَرْوَاح للسلام
وكل طير آخذ فِي مغنىوكل حزب مِنْهُم فِي معنى
وموكب الازهار فِي المكافحةونافخات الطّيب مِنْهَا نافخة
فَلَو ترى الريحان بَين الآسواصفر الخيري كالنبراس
كَذَلِك المنثور والسوسانوَعِنْده خشخاشة ألوان
وحلقه المحبوب بَين الزهرحاكت سنا الْيَاقُوت فَوق النَّحْر
وفَاق عرف الطّيب عرف الديكلَهُ مقَام السَّبق كالتمليك
للياسمين الغض عطر ذاكييَحْكِي ضِيَاء الزهر فِي الافلاك
وَعِنْده النسرين ثمَّ الفاغيةقد أشبها فِي الطّيب نفح الغالية
كَذَاك زهر الأرغوان الباهيوَثمّ عنبر بوي زهر زاهي
شقائق النُّعْمَان فِي الأزهاركجلنار فاح فِي الاسحار
وسنبل فِي اللَّوْن كالفيروزجوزنبق يزهو بِوَجْه أَبْلَج
ونرجس بالطل عين شكرىباتت تناجينا بِعَين شهرا
وَغَايَة الآمال زهر المضعفوَفعله فِي الرَّوْض فعل القرقف
واطيب الازهار بعد الْورْدزهر القرنفل عطره كالند
زهر الأقاحي حَقه من تبركَذَا البهار قِطْعَة من صفر
وَعند زهر البان لذ القصفوطاب لي فِيهِ الثنا وَالْوَصْف
وَكم مُنَادِي الشوق فِينَا لعلعلَدَى زهور سميت باللعلع
كَذَلِك البلسان زاكي الْعطربالليلك أنعم ياله من زهر
ان البنفسج فَضله لاينكروعرفه الذاكي كَذَا اللينوفر
وزهر أزريون فِي الازهاريَحْكِي عبير الْمسك فِي الاسحار
وَعند مرزنجوش طَابَ النشرفَلَا تقل ذرين لَا والشحر
ومبهم الأسما زهور شَتَّىوَلم أقل فِي وصف شَيْء حَتَّى
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع