من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)
وجوه في إياك نعبد (٢)
في تفسير النيشابوري عند قوله تعالى في سورة الجاثية: " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " ما صورته قال أبو يعقوب النهرجوري: سخر لك الكون وما فيه لئلا يسخرك منه شيء وتكون مسخراً لمن سخر لك الكل فمن ملكه شيء من الكون وأسرته زينة الدنيا وبهجتها فقد جحد نعمة الله وجعل فضله وآلاءه عنده إذ خلقه حراً من الكل عبداً لنفسه فاستعبد الكل ولم يشتغل بعبودية الحق بحال.
عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ﵁ أن فقيراً أتى النبي ﷺ وعنده رجل غني فكف الغني ثيابه عنه، فقال رسول الله ﷺ ما حملك على ما صنعت؟ أخشيت أن يلصق فقره بك أو يلصق غناك به؟ ﴿فقال يا رسول الله: إذا قلت هذا فله نصف مالي، فقال رسول الله للفقير: أتقبل منه قال: لا، قال: ولم؟ قال أخاف أن يدخلني ما دخله. روى أنه كان في جبل لبنان رجل من العباد منزوياً عن الناس في غار في ذلك الجبل، وكان يصوم النهار ويأتيه كل ليلة رغفيف يفطر على نصفه ويتسحر بالنصف الآخر، وكان على ذلك الحال مدة طويلة لا ينزل من ذلك الجبل أصلاً، فاتفق أن انقطع عنه الرغيف ليلة من الليالي، فاشتد جوعه وقل هجوعه فصلى العشائين وبات في تلك الليلة في انتظار شيء يدفع به الجوع فلم يتيسر له شيء، وكان في أسفل ذلك الجبل قرية سكانها نصارى فعندما أصبح العابد نزل إليهم واستطعم شيخاً منهم فأعطاه رغيفين من خبز الشعير، فأخذهما وتوجه إلى الجبل وكان في دار ذلك الشيخ كلب جرب مهزول، فلحق العابد ونبح عليه وتعلق بأذياله فألقى عليه العابد رغيفاً من ذينك الرغيفين ليشتغل به عنه، فأكل الكلب ذلك الرغيف ولحق العابد مرة أخرى وأخذ في النباح والهرير فألقى إليه العابد الرغيف الآخر فأكله ولحقه تارة ثالثة واشتد هريره وتشبث بذيل العابد ومزقه فقال العابد سبحان الله﴾ إني لم أر كلباً أقل حياءً منك إن صاحبك لم يعطني إلا رغيفين وقد أخذتهما مني ماذا تطلب بهريرك وتمزق ثيابي، فأنطق الله تعالى الكلب فقال: لست أنا قليل الحياء، إعلم أني ربيت في دار النصراني أحرس غنمه وأحفظ داره وأقنع بما يدفع إلي من خبز أو عظام، وربما نسيني فأبقى أياماً لا آكل شيئاً ربما تمضي أيام لا يجد هو لنفسه شيئاً ولا لي ومع ذلك لم أفارق داره منذ عرفت نفسي ولا توجهت إلى باب غيره، بل كان دأبي أنه إن حصل شيء شكرت وإلا صبرت، وأما أنت فبانقطاع الرغيف عنك ليلة واحدة لم يكن عندك صبر ولا كان لك تحمل حتى توجهت من باب رزاق العباد إلى باب نصراني وطويت كشحك عن الحبيب وصالحت عدوه المريب فقل أينا أقل حياءً أنا أم أنت؟ فلما سمع العابد ذلك ضرب بيديه على رأسه وخر مغشياً عليه مات لأبي الحسين بن الجزار حمار فكتب إليه بعض أصحابه
مات حمار الأديب قلت لهممضى وقد فات فيه ما فاتا
من مات في عزه استراح ومنخلف مثل الأديب ما ماتا
فأجابه ابن الجزار
كم من جهول رآنيأمشي لأطلب رزقا
فقال لي صرت تمشيوكل ماش ملقى
فقلت مات حماريتعيش أنت وتبقى
من كلا الأستاذ الأعظم الشيخ محمد البكري الصديقي خلدت أيام إفاداته وهو مما كتبته عنه بمصر المحروسة سنة اثنين وتسعين وتسعمائة.
بين أهل القلوب والحق حالهو سر يدق عنه المقال
ما لشخص إلى علاهم طريقلا ولا في الحديث عنهم مجال
احذر احذر أهل القلوب وسلمأمرهم إنهم فحول رجال
لا يكن منك ذرة بنكيرفسيوف الأقوال منها صقال
وشباها يشب نار انتقامليس يطفي لوقدها اشتعال
مرهفات بترتقد وتفريسلها فتية الوغى الأبطال
فإذا ما رأيت نكراً فأولليزول الإنكار والإشكال
لا ترد وسعة المقال لحالرب حال يضيق عنه المقال
لو ترى القوم في الدياج سكارىوعليهم أديرت الجريال
كل بسط من بسطهم مستفادكل عطف لسكرهم ميال
شاهدوا الحق من سرايا نفوسجل عن كشفها الرفيع منال
إنما العين بالحقيقة للعينتجلت فما هناك خيال
تحت أستار عزة وجلالٍما سواها جميعه أسمال
يا لقومي من سكرة بمدامما لعقل الندمان منها خبال
هاتها هاتها على كل حالواسقنيها فما عليك مقال
لا تبالي لعاذل في هواهالم يذقها فقوله بطال
كل ذنب لشاربيها سماحوعشار لمحتسيها مقال
فشمال والكأس فيها يمينويمين لا كأس فيها شمال
الذي بقسطنطنية من العمارات في يومنا هذا من تقرير بعض الثقات وخطه سنة تسعمائة واثنان وتسعون.
محلات حارات المسلمين الجوامع مساجد الحارات - مكتب خانه - الأبنية العالية والخانقاهات - الزوايا التي فيها المشايخ والعباد - الخانات - العيون المبني عليها - المحال المعدة للوضوء - الفرون - مدارات الرحى - المواضع الوسيعة التي يجلب إليها أشياء - الحمامات.
حارات الكفار
النصارى. حارات اليهود - الكنايس - المنارات.
لما دنى موت الشبلي قال بعض الحاضرين وهو محتضر أيها الشيخ قل لا إله إلا الله فأنشد الشبلي:
إن بيتاً أنت ساكنهغير محتاج إلى السرج
كتب ابن دقيق إلى ابن نباتة في سفره:
كم ليلة فيك وصلنا السرىلا نعرف الغمض ولا نستريح
واختلف الأصحاب ماذا الذييزيل من شكويهم أو يريح
فقيل تعريسهم ساعةوقيل بل ذكراك وهو الصحيح
فأجابه ابن نباتة
في ذمة الله وفي حفظهمسراك والعود بعزم نجيح
لو جاز أن تسلك أجفانناإذاً فرشنا كل جفن قريح
لكنها بالبعد معتلةوأنت لا تسلك إلا الصحيح
الشيخ محمد البكري الصديقي وهو ما كتبته عنه بمصر المحروسة.
شربنا قهوة من قشر بنتعين على العبادة للعباد
حكت في كف أهل اللطف صرفاًزباداً زائباً وسط الزباد
سئل محمد بن سيرين عن الرجل يقرأ عليه القرآن فيصعق، فقال: ميعاد بيننا وبينه أن يجلس على حايط ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن سقط فهو كما قال: انتهى. لبعضهم:
إن الوجود إن تعده ظاهراوحياتكم ما فيه إلا أنتم
أنتم حقيقة كل موجود بداووجود هذه الكائنات توهم
في باطني من حبكم ما لو بداأفتى بسفك دمي الذي لا يعلم
نعمتموني بالعذاب وحبذاصب بأنواع العذاب منعم
للشيخ محي الدين بن عربي من قصيدة:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبيإذا لم يكن ديني إلى دينه داني
وقد صار قلبي كل صورةفمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائفوألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهتركائبه فالدين ديني وإيماني
غيره:
قد قال لي العاذل في حبهوقوله زور وبهتان
ما وجه من أحببته قبلةقلت لا قولك قرآن
لله در من قال:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتنيأو كنت أعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتنيوعلمت أنك جاهل فعذرتكا
قال كثير من المفسرين عند قوله تعالى بسم الله: إن لفظ اسم يمكن أن يكون مقحماً كما في قول لبيد وقد بلغ مائة وخمسة وأربعين سنة وهو القائل:
ولقد سئمت من الحياة وطولهاوسؤال هذا الناس كيف لبيد؟
ولما احتضر قال يخاطب ابنتيه
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهماوهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
فقوما وقولا بالذي تعلمانهولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر
وقولا هو المرؤ الذي لا صديقهأضاع ولا خان الخليل ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكماومن يبك حولاً كاملاً فلقد عذر
ونازع في بعض فضلاء العربية وقال: لو جاز إقحام الاسم، لجاز أن يقول: ضربت اسم زيد وأكلت اسم الطعام ثم قال: والحق أن السلام اسم من أسماء الله تعالى والكلام إغراء والمعنى الزما اسم الله تعالى فكأنه قال عليكما بسم الله وتقدم المغرى به ورد في اللغة.
قال الراجز يا أيها الماتح دلوي دونكا أي دونك دلوي أو يقال: إن المراد اسم الله حفيظ عليكما كما يقول الناظر إلى شيء يعجبه: اسم الله عليه يعوذه بذلك من السوء. ملخص من حاشية السيوطي على البيضاوي.
قال في حياة الحيوان عند ذكر الحجل إن بعض مقدمي الأكراد حضر على سماط بعض الأمراء، وكان على السماط حجلتان مشويتان فنظر الكردي إليهما وضحك فسأله الأمير عن ذلك فقال: قطعت الطريق في عنفوان شبابي على تاجر، فلما أردت قتله تضرع فما أفاد تضرعه فلما رآني أقتله لا محالة التفت إلى حجلتين كانتا في الجبل، فقال: اشهدا عليه أنه قاتلي، فلما رأيت هاتين الحجلتين تذكرت حمقه، فقال الأمير قد شهدتا ثم أمر بضرب عنقه.
لبعضهم
إن الوجود وإن تعدد ظاهراًوحياتكم ما فيه إلا أنتم
أنتم حقيقة كل موجود بداووجود هذي الكائنات توهم
في باطني من حبكم ما لو بداأفتى بسفك دمي الذي لا يعلم
نعمتموني بالعذاب وحبذاصب بأنواع العذاب لينعم
لبعض أصحاب الشهود أظنه شيخ محيي الدين:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبيإذا لم يكن ديني إلى دينه داني
فقد صار قلبي قابلاً كل صورةفمرعى لغزلان وديراً لرهبان
وبيتاً لأوثان وكعبة طائفوألواح تورية وأوراق قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهتركائبه أرسلت ديني وإيماني
غيره قال لي العاذل في حبهوقوله زور وبهتان
ما وجه من أحببته قبلةقلت ولا قولك قرآن
آخر
أعظم ما لاقيتهمن معضلات الزمن
وجه قبيح لامنيفي حب وجه حسن
البدر البشتكي
وقالوا يا قبيح الوجه تهوىمليحاً دونه السمر الرشاق
فقلت وهل أنا إلا أديبفكيف يفوتني هذا الطباق
النواجي
غالطني اللاحي علىمن هممت فيه وعذل
وقال يحكي وجههبدر الدجى قلت أجل
في التضمين لبعضهم
إن كنت تعجز أن تفوه بوصفهحسناً ومثلك من يفوق قريضه
سل عن سواد الشعر نرجس طرفهيخبرك بالليل الطويل مريضه
ابن الخراط
في غلام على خده ثلاث خالات كنقط الشين:
في خده الروضي لا تحسبواثلاث شامات بدت عن حقيق
بل كاتب الحسن على خدهنقط بالعنبر شين الشقيق
لكاتب الأحرف
يا بدر دجى خياله في باليمذ فارقني وزاد في بلبالي
أيام نواك لا تسل كيف مضتوالله مضت بأسوء الأحوال
وله
يا عاذل كم تطيل في أتعابيدع لومك وانصرف كفاني ما بي
لا لوم إذا همت من الشوق فماذاق قلبي فرقة الأحباب
مما كتبته إلى الهراة إلى والدي طاب ثراه من قزوين سنة تسعمائة وواحد وثمانين.
بقزوين جسمي وروحي ثوتبأرض الهراة وسكانها
وهذا تغرب عن أهلهوتلك أقامت بأوطانها
القيراطي
لم يبك حين بكيت منهجرانه متحسرا
لكن حكى لك خدهالمصقول صورة ما جرى
جمال العارفين الشيخ محيي الدين بن عربي.
مرضي من مريضة الأجفانعللاني بذكرها عللاني
شدت الورق في الرياض وناحتشجو هذا الحمام مما شجاني
يا خليلي عرجا بعنانيلأرى رسم دارها بعياني
وإذا ما بلغتما الدار حطاوبها صاحباي فلتبكيان
وقفا بي على الطلول قليلاًنتباكى أو ابك مما دهاني
لو ترانا براته نتعاطىأكؤساً للهوى بغير بنان
والهوى بيننا يسوق حديثاًطيباً مرباً بغير لسان
لرأيتم ما يذهل العقل فيهيمن والشآم معتنقان
كذب الشاعر الذي قال قبليوبأحجار عقله قد رماني
أيها المنكح الثريا سهيلاًعمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استهلتوسهيل إذا استهل يماني
آخر
عظم ما لاقيتهمن معضلات الزمن
وجه قبيح لامنيفي حب وجه حسن
البدر البستكي:
وقالوا يا قبيح الوجه تهوىمليحا دونه السمر الرشاق
فقلت وهل أنا إلا أديبفكيف يفوتني هذا الطباق
النواجي:
غالطني اللاحي علىمن همت فيه وعذل
وقال يحكي وجههبدر الدجى قلت أجل
في التضمين لبعضهم:
إن كنت تعجز أن تفوه بوصفهحسنا ومثلك من يفوق قريضه
سل عن سواد الشعر نرجس طرفهيخبرك بالليل الطويل مريضه. لجامع الكتاب:
يا بدر الدجى خياله في باليمذ فارقني وزاد في بلبالي
أيام نواك لا تسل كيف مضتوالله مضت بأسوأ الأحوال
وله أيضا:
يا عاذل كم تطيل يفي إتعابيدع لومك وانصرف كفاني ما بي
لا لوم إذا أهيم بالشوق فليقلب ما ذاق فرقة الأحباب. وله أيضا:
كم بت من المسا إلى الأشراقفي فرقتكم ومطربي أشواقي
والهم منادي زنقلي سهريوالدمع مدامتي وجفني الساقي
وله مما كتبه إلى وزالده بالهراة _ طاب ثراه - من قزوين سنة وأجاد:
قزوين جسمي ثوتبأرض الهراة وسكانها
لهذا تغرب عن أهلهوتلك أقامت بأوطانها
أنشد الشيخ شمس الدين محمد الغالاتي لصاحبه شمس الدين المحلي المشهور بالسبع وقد غابت زوجته بإيهام أنها ذاهبة إلى الحمام، وبقيت ثمانية أيام وكان اسمها الست، أخرى اسمها رابعة:
بحق واحد بلا ثان منير الدمسطلق ثلاثة وخل رابعة بالخمس
ذي الست يا سبع غابت يوم ثامن أمستسعى لغيرك فعاشر غيرها يا شمسي
ابن الوردي فيمن طال شعره إلى قدميه:
كيف أنسى جميل شعر حبيبي؟وهو كان الشفيع في لديه
شعر الشعر أنه رام قتليفرمى نفسه على قدميه
وله فيمن وصل شعره إلى ردفه:
ذوائبه تقول لعاشقيهقفوا وتأملوا قلقي وذوبوا
فإني قد وصلت إلى مكانعليه تحسد الحدق القلوب
الصنوبري
بالذي ألهم تعذيبي ثناياك العذاباوالذي ألبس خديك من الورد نقابا
والذي صير حظي منك هجراً واجتناباوالذي أودع في فيك من الشهد شرابا
ما الذي قالته عيناك لقلبي فأجابا.
ابن الزين في أعمى
قد تعشقت فاتر اللحظى أعمى ... طرفه من حيائه ليس يلمح لا تعيبن نرجس اللحظ منه ... فهو في روض حسنه لم يفتح
غيره في محموم
لا أحسد الناس على نعمةوإنما أحسد حماكا
أما كفاها أنها عانقتقدك حتى قبلت فاكا
مرض ابن عنين، فكتب إلى السلطان هذين البيتين:
انظر إلي بعين مولى لم يزليولي الندى وتلاف قبل تلاف
أنا كالذي أحتاج ما تحتاجهفاغنم دعائي والثناء الوافي
فحضر السلطان إلى عيادته، وأتى إليه بألف دينار وقال له: أنت الذي وهذه الصلة وأنا العايد.
قال بعض الأدباء: قول الملك وأنا العايد يمكن حمله على ثلاثة وجوه ثالثها أن يكون من العود بالصلة مرة أخرى.
لإبراهيم بن سهل وكان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه:
تنازعني الآمال كهلاً ويافعاويسعدني التعليل لو كان نافعا
وما اعتنق العليا سوى مفرد غدالهول الفلا والشوق والنوق رائعا
رأى غرمات الحق قد نزعت بهفساعدني الله النوى والنوازعا
وركباً دعتهم نحو يثرب نيةفما وجدت إلا مطيعاً وسامعا
يسابق وخد العيش ماء شؤونهمفينفون بالشوق المدى والمدامعا
قلوب عرفن الحق بالحق وانطوتعليها جنوب ما ألفن المضاجعا
خذوا القلب يا ركب الحجاز فإننيأرى الجسم في أسر العلائق كانعا
مع الجمرات ارموه يا قوم إنهحصاة تلقت من يد الشوق صارعا
ولا ترجعوه إن قفلتم فإنماأمانتكم أن لا تردوا الودائعا
تخلص أقوام وأسلمني الهوىإلى غلق سدت علي المطامعا
هم دخلوا باب القبول بقرعهموحسبي أن ألفى لبيتي قارعا
أنيفك عزمي عن قيود الأناة أويفك الهوى عن طيبة القلب طايعا؟
ويسعف ليت في قضاء لبانتيويترك سوف فعل عزمي المضارعا
إذا أشرق الإرشاد خابت بصيرتيكما تبعث شمس السراب المخادعا
فلا الزجر ينهاني وإن كان مرهباًولا النصح يثنيني وإن كان ناصعا
فيا من بناء الحرف خامر طبعهفصار لتأثير العوامل مانعا
بلغت نصاب الأربعين فزكهابفعل ترى فيه منيباً وراجعا
وبادر بوادي السم إن كنت راقياوعاجل وقوع الفتق إن كنت راقعا
فما اشتبهت طرق النجاة وإنماركبت إليها من يقينك ظالعا
كان بعض الحكماء يقول: لا تطلب من الكريم يسيراً فتكون عنده حقيراً. نقل في الإحياء عن الصادق جعفر بن محمد ﵁ أنه قال: مودة يوم صلة، ومودة شهر قرابة ومودة سنة رحم، ماسة من قطعها قطعه الله. وكان الحسن يقول: كم من أخ لم تلده أمك وقال بعضهم: القرابة تحتاج إلى المودة، والمودة لا تحتاج إلى القرابة وقيل لحكيم: أيما أحب إليك أخوك أو صديقك فقال: إنما أحب الأخر إذا كان صديقاً من باب حقوق الأخوة.
أنشد الشيخ شهاب الدين ابن حجر حين انهدمت منارة جامع المؤيد بمصر المحروسة وكان الناظر عليه قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني لجامع مولانا المؤيد.
لجامع مولانا المؤيد رونقمنارته بالحسن تزهو بلا مين
تقول وقد مالت عليه تأملوافليس على جسمي أضر من العيني
ولما وصل ذلك إلى العيني:
أنشد
منارة كعروس الحسن قد جليتوهدمها بقضاء الله والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلطما آفة الهدم إلا خسة الحجر
ابن نباتة في غلام حضر في وليمة طهور.
قام غلام الأمير يحسب فييوم طهور البنين طاووسا
فأنزل الحاضرون من شبقوصاد ذاك الطهور تنجيسا
الشيخ علاء الدين الودائي في مليح من المغل
وظبي من بني الأتراك حلو التيه والدل
له قد كغصن البان ميال إلى العدل
أقول لعاذلي فيه رويدك يا أبا جهل
فقلبي من بني تيم وعقلي من بني ذهل وما يبرى هو المشتاق الأريقة المغل
في القاموس عند ذكر النفس ما صورته: النفس في قول ﷺ: لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن وأجد نفس ربكم من قبل اليمن: اسم وضع موضع المصدر من نفس تنفيساً أي فرج تفريجاً، والمعنى أنه تفرج الكرب وتنشر الغيث وتذهب الجدب وقوله ﷺ من قبل اليمن المراد ما تيسر له ﷺ من أهل المدينة، فإنهم يمانون من النصرة والإيواء.
مدت السماط بين يدي كسرى، فلما صحنت الصحون انقلب من بعضها شيء على السفرة فنظر كسرى إلى ماد السماط شزراً، فعلم أنه يقتله البتة، فأكفاء الصحن بأجمعه على السفرة فقال له كسرى ما هذا الفعل، فقال: أيها الملك تيقنت أنك قاتلي على ذلك الأمر الحقير الذي لا يوجب القتل فتكون مذموماً عند الناس فأردت أن أفعل ما لو قتلتني به لم تذم فعفى عنه وقربه.
طعن الزمخشري في قرائة ابن عامر: " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم " وجعلها سمجة وقد شنع عليه كثير من الناس.
قال الكواشي: كلام الزمخشري يشعر: بأن ابن عامر ارتكب محظوراً، وأنه غير ثقة، لأنه يأخذ القراءة من المصحف لا من المشايخ، ومع ذلك أسندها إلى النبي ﷺ وليس الطعن في ابن عامر طعناً فيه، وإنما هو طعن في علماء الأمصار، حيث جعلوه أحد القراء السبعة المرضية وفي الفقهاء حيث لم ينكروا عليه وإنهم يقرؤونها في محاريبهم والله أكرم من أن يجمعهم على الخطأ انتهى كلامه.
قال أبو حيان: أعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قرائة متواترة موجود نظيرها في كلام العرب، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقاً وغرباً، واعتمدهم المسلمون لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم.
وقال المحقق التفتازاني: هذا أشد الجرم حيث طعن في إسناد القراء السبعة وروايتهم، وزعم أنهم إنما يقرؤن من عند أنفسهم، وهذه عادته يطعن في تواتر القراءات السبع، وينسب الخطأ تارة إليهم كما في هذا الموضع، وتارة إلى الرواة عنهم وكلاهما خطأ؛ لأن القراء ثقات، وكذا الروايات عنهم.
وقال ابن المنير: نتبرأ إلى الله ونبرأ من جملة كلامه عما رماهم به فقد ركب عميا، وتخيل القرائة اجتهاداً واختياراً، لا نقلاً وإسناداً، ونحن نعلم أن هذه القرائة قرأها النبي ﷺ على جبرئيل كما أنزلها عليه وبلغت إلينا بالتواتر عنه، فالوجوه السبعة متواترة جملاً وتفصيلاً، فلا مبالاة بقول الزمخشري وأمثاله، ولولا عذر أن المنكر ليس من أهل
علمي القراءة والأصول، لخيف عليه الخروج عن ربقة الإسلام، ومع ذلك فهو في عهدة خطيرة وزلة منكرة، والذي ظن أن تفاصيل الوجوه السبعة فيها ما ليس متواتراً غلط، ولكنه أقل غلطاً من هذا، فإن هذا جعلها موكولة إلى الآراء ولم يقل ذلك أحد من المسلمين. ثم إنه شرع في تقرير شواهد من كلام العرب لهذه القرائة.
وقال في آخر كلامه: ليس الغرض تصحيح القرائة بالعربية بل تصحيح العربية بالقرائة.
ابن مكانس
لله ظبي زارني في الدجامستوفراً ممتطياً للخطر
فلم يقف إلا بمقدار أنقلت له أهلاً وسهلاً ومر
النواجي
شغفت به رشيق القد ألمىيعذبني بهجران وبين
وقال احمل مشيباً مع سهادفقلت له على رأسي وعيني
لبعضهم
يا غايب الشخص عن عيني ومسكنهعلى الدوام بقلبي الواله العاني
أضحى المقدس لما أن حللت بهلكنه ليس فيه عين سلوان
ولبعضهم ملغزاً في علي
اسم الذي تيمني أوله ناظرهإن فاتني أوله فإن لي آخره
ولبعضهم ملغزاً في إبراهيم
سماه إبراهيم مالكهولحسنه وصف يصدقه
أضحى كإبراهيم يسكن فينار القلوب وليس تحرقه
ولآخر فيه:
عجبت لنار قلبي كيف تبقىحرارتها وحبك يحتويه
فيا نيرانه كوني سلاماًوبرداً إن إبراهيم فيه
سعد الدين ابن العربي فيمن اسمه أيوب:
يلوم على حبه العاذلونولا سمع للعذل فيه ولا يسمى بأيوب محبوبنا ... ولكن عاشقه المبتلى
ابن نباتة في موسى
رأيت في جلق غزالاتحار في وصفه العيون
فقلت ما الاسم قال: موسىقلت هنا تحلق الذقون
ابن العفيف في مالك
مالك قد أحل قتلي برمحالقد منه وراح قلبي طعينه
ليس يفتي سواه في قتل صبكيف يفتي؟ ومالك بالمدينه
ابن نباتة مضمناً في من اسمه فرج:
أقول لقلبي العاني: تصبروإن بعد المساعف والحبيب
عسى الهم الذي أمسيت فيهيكون وراء فرج قريب
ولبعضهم فيمن اسمه فرح بالمهملة:
يا خبيراً بالمعمى خبرة تعلو وتطفوهات قل لي أيما اسمٍ عندما يقلب حرف
عز الدين الموصلي فيمن اسمه سعيد:
اسم الذي شاقني سعيدولي شقاء به يزيد
إذا اجتمعنا يقول ضديهذا شقي وذا سعيد
ابن نباتة في صديق له عشق غلاماً اسمه علم:
لي صديق يسوؤنيما يقاسي من الألم
كيف تخفي شجونهوهي نار على علم
برهان الدين القيراطي فيمن لقبه مشمش:
ومهفهف في خدهنار تهيج لي الهوى
قد لقبوه بمشمشٍلكنه مر النوى
البهازهير
أنا من يسمع منه ويرىلا تكذب عن غرامي خبرا
لي حبيب كملت أوصافهحق لي في حبه أن أعذرا
حين أضحى حسنه مشتهرارحت في الوجد به مشتهرا
كل شيء من حبيب حسنلا أرى مثل حبيبي لا أرى
أحور أصبحت فيه حائراأسمر أمسيت منه سمرا
وتراني باكياً مكتئباوتراه ضاحكاً مستبشرا
أيها الواشون ما أغفلكم؟ !لو علمتم ما جرى في ما جرى
قد أذعتم عن فؤادي سلوةإن هذا لحديث مفترى
بين قلبي وسلوى والهوىمثل ما بين الثريا والثرى
ولبعضهم في رجل صبغ لحيته وفي جبهته أثر يزعم أنه من السجود:
قالت وقد أبصرت بلحيتهصبغاً وسجادة بجبهته
هذا الذي كنت قبل أعرفهيكذب في وجهه ولحيته
ولبعضهم
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب بهيوم اللقاء هو الثوب الذي خلعا
الدهر لي ما تم إن غبت يا أمليوالعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا
ولبعضهم
فيا رسولي إلى من لا أبوح بهإن المهمات فيها يعرف الرجل
بلغ سلامي وبالغ في الخطاب لهوقبل الأرض عني عندما تصل
بالله عرفه عني إن خلوت بهولا تطل فحبيبي عنده ملل
وتلك أعظم حاجاتي إليك فإنتنجح فما خاب فيك القصد والأمل
ولم أزل في أموري كلما عرضتعلى اهتمامك بعد الله أتكل
فالناس بالناس والدنيا مكافأةوالخير يذكر والأخبار تنتقل
لجامع هذا الكتاب
لعينيك فضل جزيل عليوذاك لأني يا قاتلي
تعلمت من سحرها فعقدتلسان الرقيب مع العاذل
في إخراج الحرف المضمر
أغن عناني لا أفيق لظلمهويطمعني في أن يفك عناء
إذا قال إني خاف غيالحيلةيظن الضنا إن جاء زال شقاء
جلا حيث أضحى في حشا كلشيق جلي خصال لاح ليس خفاء
يذود أناساً ما يصدهم صدايزيد ضناهم ما يرى ويشاء
وكل الورى تزهو بعارض خالهلغرته ضوء الصباح إزاء
وفيه أيضاً
أطاع الدور في الجد السنيصفاجد الفتى جد غني
بري من تحقق ظن عيبشدي لا يصبر عن شدي
ووجه صفحة شفق جلاهحثيث هز سجسجه غوي
لمنصور شدته خندريس ... ملازمة لملك كسروي قوي لا يصبر عن ضعيفٍ ... كظيم غيظه عنف وطي
خليل ابن العلاني المقدسي ومن خطه نقلته
مذ عرفت الأنام أحمدت رائيفي انفرادي وطاب وقتي وحالي
واعتزلت الورى وهذا عجيبأشعري يقول بالاعتزال
في القهوة
يقولون لي قهوة البنهل تباح وتؤمن آفاتها
فقلت نعم هي مأمونةما الصعب الامضا فاتها
لبعضهم
قف واستمع ما قالهملك الهوى لجليسه
تكك الملاح يحلهامن حل عقدة كيسه
الصاحب بن عباد في من اسمه عباس وهو ألثغ
وشادن قلت له ما اسمه؟فقال لي بالغنج عباث
فصرت من لثغته ألثغاًوقلت أين الطاث والكاث؟
آخر في لثغ
رشاء من آل يافثطرفه للسحر نافث
ماله في الحسن ثانٍوهو للبدرين ثالث
مخطىء السين إلىثاء المثاني والمثالث
قلت عدني بوصالقال دع عنك الوثاوث
القاضي البيضاوي صاحب التصانيف المشهورة اسمه عبد الله؛ ولقبه ناصر الدين وكنيته أبو الخيرين عمر بن محمد بن علي البيضاوي، وبيضا قرية من أعمال شيراز تولى القضاء بفارس، وكان زاهداً عابداً متورعاً، دخل تبريز فصادف دخوله مجلس إجلاس بعض الفضلاء، فجلس في أخريات القوم بصف النعال بحيث لم يعلم أحد بدخوله، فأورد المدرس اعتراضات وتبجح، وزعم أن أحداً من الحاضرين لا يقدر على جوابها فلما فرغ من تقريرها، ولم يقدر أحد من الحاضرين على التخلص عنها، شرع البيضاوي في الجواب، فقال له المدرس: لا أسمع كلامك حتى أعلم أنك فهمت ما قررته فقال القاضي: تريد أن أعيد كلامك بلفظه أم بمعناه، فبهت المدرس وقال: أعدها بلفظها فأعادها، وبين أن في تركيب ألفاظه لحناً ثم إنه أجاب عن تلك الاعتراضات بأجوبة شافية، ثم أورد لنفسه اعتراضات بعددها وطلب من المدرس الجواب عنها، فلم يقدر فقام الوزير من المجلس وأجلس البيضاوي في مكانه وسأله من أنت؟ فقال البيضاوي ناصر الدين وطلب قضاء شيراز فأعطاه ما طلبه أكرمه وخلع عليه، وكانت وفاة البيضاوي سنة خمس وثمانين وستمائة؛ وذك في تبريز وقبره هناك، ومن مصنفاته كتاب الغاية في الفقه وشرح المصابيح والمنهاج والطوالع والمصباح في الكلام وأشهر مصنفاته في زماننا هذا تفسيره الموسوم بأنوار التنزيل.
ابن الوردي في مليحة ومليح يلعبان بالنرد.
مهفهفان لعبابالنرد أنثى وذكر
قالت أنا قمرتهقلت اسكتي فهو قمر
آخر
لا تحسبوا من همت في حبهمعبس الوجه لقلب قسا
وإنما ريقته خمرةفكلما استنشقها عبسا
من تفسير النيسابوري عند قوله تعالى: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم " ما صورته: وفي بعض الأخبار المروية المسندة تشهد عليه أعضاؤه بالزلة فتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن في الشهادة له فيقول الحق تعالي تكلمي يا شعرة عينه واحتجي لعبدي فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد هذا عتيق الله بشعرة.
قيس هو مجنون ليلى اسمه أحمد وقيس لقبه وحاله أشهر من أن يذكر ومن شعره قوله:
وآذيتني حتى إذا ما قتلتنيبقول يحل العصم سهل الأباطح
تجافيت عني حين لالى حيلةوخلفت ما خلفت بهن الجوانح
إلى كوكب النصر انظري كل ليلةفإني إليه بالعشية ناظر
عسى يلتقي لحظي ولحظك عندهونشكو إليه ما تجن الضمائر
لبعض المتأخرين
إذا رأيت عارضاً مسلسلافي وجنة كجنحة يا عاذلي
فاعلم يقيناً أنني من أمةتنقاد للجنة بالسلاسل
يقال إن أغنج بيت قالته العرب قول الأعشى:
قالت هريرة لما جئت زائرهاويلي عليك وويلي منك يا رجل
ذكر صاحب الأغاني: أن المأمون، قال: يوماً لبعض جلسائه، أنشدوني بيتاً لملك يدل على أن قائله ملك فأنشده بعضهم:
قول امرىء القيس
أمن أجل أعرابية حل أهلها ... جنوب الحمى عيناك تبتدران فقال: ليس في هذا ما يدل على أنه ملك، فإنه يجوز أن يقول: هذا سوقي حضري ثم قال: الشعر الذي يدل على أن قائله ملك قول الوليد بن اليزيد:
إسقني من سلاف ريقة سلمىواسق هذا النديم كاساً عقارا
أما ترون إشارته إلى قوله: هذا النديم؟ فإنها إشارة ملك.
لجامع هذا الكتاب وهو مما سنح بالخاطر في طريق الحجاز.
ما زلت عليه بالكرى محتالاحتى وافى خياله مختالا
لولا حذر انتباهه تفجعنيفي القرب به قمت له إجلالا
من أبيات الحاجزي
قد كنت لما كنت في غبطةأحب طول العمر حباً كثير
واليوم قد صرت لما حل بيأحسد من مات بعمر قصير
ذكر في الكامل في حوادث سنة مائتان وخمس وثمانون: أنه حدث بالبصرة ريح صفراء، ثم خضراء، ثم سوداء ثم تتابعت الأمطار وسقط برد وزن كل واحدة مائة وخمسون درهماً وفي هذه السنة
حدث بالكوفة ريح صفراء وبقيت إلى المغرب، ثم اسودت فتضرع الناس إلى الله ﷾ ثم حصل مطر عظيم ومطرت قرية من نواحي الكوفة تسمى أحمد آباد حجارة سوداء وبيضاء في أوساطها طين وحمل منها إلى بغداد فرأته الناس.
قال بعض العارفين: إذا كان أبونا آدم ﵇ بعد ما قيل له: اسكن أنت وزوجك الجنة لما صدر منه ذنب واحد، أمر بالخروج من الجنة، فكيف نرجو نحن دخولها مع ما نحن مقيمون عليه من الذنوب المتتابعة والخطايا المتوالية؟ !
هويته أعجمياً فوق وجنتهلامية عوذتها من أحرف القسم
في وصفها السن الأقلام قد نطقتوطال شرحي في لامية العجم
هل مثل حديثها على السمع وردهل أحسن من طلعتها الصب وجد
واها للسان فتن العقل بهلو حث على السجدة إبليس سجد
في بعض التواريخ بعد إيراد جماعة ممن قتله العشق أو أدهشه أنشد المؤرخ هذين البيتين:
إذا كان حب الهائمين من الورىبليلى وسلمى يسلب اللب والعقلا
فماذا عسى أن يصنع الهائم الذيسرى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى
في بعض التفاسير عند قوله تعالى: " أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله " والآية في سورة الزمر ما لفظه: كان أبو الفتح بن برهاني قد برع في الفقه،
وتقدم عند العوام وحصل له مال كثير ودخل بغداد وفوض إليه تدريس النظامية وأدركه الموت بهمدان، فلما دنت وفاته قال لأصحابه: أخرجوا فخرجوا فطفق يلطم وجهه ويقول: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله، ويقول يا أبا الفتح ضيعت العمر في طلب الدنيا وتحصيل الجاه والمال والتردد إلى أبواب السلاطين وينشد:
عجبت لأهل العلم كيف تغافلوايجرون ثوب الحرص عند المهالك
يدورون حول الظالمين كأنهميطوفون حول البيت وقت المناسك
ويردد هذه الآية حتى مات إلى هنا بلفظ المفسرة نعوذ بالله من الموت على هذه الحالة ونسأله جل شأنه أن يمن علينا بالتوفيق للخلاص من هذا الوبال والضلال.
يا من له الرونق البديعسرك ما عشت لا أذيع
فاحكم بما شئت في فؤاديفإنني سامع مطيع
وهو حمول لكل شيءيهوى على أنه خليع
أبو نواس
كسر الجرة عمداوسقى الأرض شرابا
صحت والإسلام دينيليتني كنت ترابا
لبعضهم
إذا حرك الوجد السماع فإنهمباح وإلا فالسماع حرام
ومن هزه طيب استماع حديثكمفمال من الأشواق ليس يلام
ولا عجب إن شتت الحب جمعهفليس لأخوال المحب نظام
غذا بلبان الحب قدماً ومالهسواه إذا آن الفطام فطام
يسير مع الأشواق أنى توجهتوليس له في الكاينات مقام
أبو نواس:
كسر الجرةوسقى الأرض شرابا
صحت والإسلام دينيليتني كنت ترابا
غيره
حلفت مهجته لا تهجعأو ترى الشمل بجمع يجمع
وتقضى في منى القرب المنىولنيل الوصل فيها يرجع
واله يطمع في عرب الحمى ... بالرضا لا خاب ذاك المطمع كاد أن تحرقه نار الأسى ... ولهيب الشوق لولا الأدمع
كلما لعلع سعد باللقىفي الدجى وقال هذا لعلع
قال يا سعد أعد ذكر الحمىإنه أطيب شيء يسمع
قال الجاحظ: كنت مع محمد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي وهو يريد الإنصراف من سر من رأى إلى مدينة السلام، والدجلة في غاية الزيادة في حراقة فأمر بالخمر فشربنا ثم أمر يشد الستارة بيننا وبين جواريه وأمرهن بالغناء فغنت إحداهن.
كل يوم قطيعة وعتابينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذادون غيري أم هكذا الأحباب؟
ثم سكنت فغنت أخرى
وارحمتا للعاشقينما إن يرى لهم معين
فإلى متى هم يبعدون؟ويطردون ويهجرون
ويعذبون من الأحبةبالجفا ما يصنعون
فقالت لها إحداهن: يا فاجرة فيصنعون ماذا؟ قالت: يصنعون هكذا، وضربت بيدها الستارة، فهتكتها وبرزت علينا كالقمر وألقت نفسها في دجلة، وكان على رأس محمد غلام رومي بديع الجمال وبيده مروحة يروح بها، فألقى نفسه فوقها وهو يقول:
لا خير بعدك في البقاوالموت ستر العاشقين
واعتنقا في الماء وغاصا فطرح الملاحون أنفسهم في أثرهما؛ فلم يقدروا على إخراجهما وأخذهما الماء وغابا رحمهما الله تعالى.
وكان ابن الجوز يعظ على المنبر، إذ قام إليه بعض الحاضرين، وقال أيها الشيخ ما تقول في امرأة بها داء الابنة؟ فأنشد على الفور في جوابه:
يقولون، ليلى في العراق مريضةفيا ليتني كنت الطبيب المداويا
وكان له مرأة تسمى نسيم الصبا فطلقها وندم، فحضرت يوماً مجلس وعظه وحال بينه وبينها امرأتان فأنشد مخاطباً لهما:
أيا جبلي نعمان بالله خليانسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
قال الفاضل الأديب صلاح الدين الصفدي في شرح لامية العجم ما صورته حضر يوماً في صفد سنة ست وعشرين وسبعمائة مجلس الشيخ الإمام علي بن الصلاح الفارسي، وقد عقد مجلساً يتكلم فيه على سورة الضحى، فاستطرد الكلام إلى قول النبي ﷺ: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقال: ذهب بعض الصوفية إلى أن قال فإن لم تكن بمعنى إن غبت عن وجودك ولم تكن رأيته وحسن ذلك واستحسنه من حضر فقلت إن هذا حسن لو ساعده الأعراب، فإن هذا شرط وجوب وهما مجزومان واللفظ الصحيح على ذلك التقدير فإن لم تكن تره بالجزم فاعترف بذلك.
ومن الكتاب المذكور: سئل أبو الفرج ابن الجوزي كيف ينسب قتل الحسين ﵁ إلى يزيد وهو بالشام والحسين ﵁ بالعراق، فأنشد قول الرضي:
سهم أصاب وراميه بذي سلممن بالعراق لقد أبعدت مرماك
كتب: إلى شيخ الإسلام الشيخ عمر وهو المفتي بالقدس الشريف أبياتاً في بعض الأغراض فأجبته أدام الله مجده بهذه الأبيات:
يا أيها المولى الذي قد غدافي الخلق والخلق عديم المثال
وحل من شامخ طود العلىفي ذروة المجد وأوج الكمال
وعطر الكون بمنظومةنظامها يزري بعقد اللئال
كأنها بكر بألحاظهاسحر به تسلب لب الرجال
أو روضة ممطورة مر فيأرجائها صبحاً نسيم الشمال
لو لم يكن أسحرني لفظهالقلت حقاً هي سحر حلال
يا سادة فاقوا الورى عبدكمأحقر من أن تحضروه ببال
أرضعتموه در ألطافكموما له عن ودكم من فصال
ومذ أناخ الركب في أرضكمسلا عن الأهل وعم وخال
أنتم بنو اللطف وألطافكمعلى الورى ما برحت في اتصال
في قمة الفضل لكم منزلما مر في وهم ولا في خيال
وعبدكم أعجزه مدحكمفصار باللغز يطيل المقال
يا سيداً قد حاز من سائرالفنون حظاً وافراً لا ينال
ما بلدة أولها سورة؟ ... بل جبل صعب بعيد المنال وما سوى آخرها قد غدا ... إسماً وفعلاً وهو حرف يقال
وقلبه فعل وإسم لمايصير منه الجسم مثل الخلال
وعجزها أن ينتقص نصفهمن صدرها فهو طعام حلال
وما سوى أولها قلبهأمر به كل جميع الخصال
وقلبها إن زال نصف لهيصير ما قلبي غدا منه غال
وإن تزده النصف منه يكنحاجب من يرمي بقلبي نبال
مولاي إن العبد من شعرهفي خجل متصل وانفعال
قال يراعي حين كلفتهتحرير هذا الهذر ماذا الخبال
يقابل الدر بهذا الحصالاشك في عقلك بعض اختلال
فكتب خلد الله ظلاله في الجواب:
حلت وقد جئت برفع النقابوابتسمت عن نظم در الحباب
وأسفرت إذ ما بدت تنجليفخلت بدراً قد بدا من سحاب
تمايست عجباً ومالت قناًوعطرت بالطيب تلك الرحاب
واسرعت نحوي وقد أبدعتوأودعت سمعي لذيذ الخطاب
وأرشفتني من لمى لفظهافرحت سكران بغير الشراب
مستغرقاً في بحر ألفاظهاكأنني مما عراني مصاب
وليس ذا مستغرباً حيثماأبرزها بحر خضم عباب
فيا إمام النظم أذكرتنيبهذه العادة عصر الشباب
فحركت ساكن شوقي إلىأن رحت سكران بغير الشراب
ألغزت يا مولاي في بلدةقدامها الداعي بنص الكتاب
مضافها الروح بلا شبهةمطهراً من دنس الإرتياب
إذا أزلت القلب من لفظهاتصر فصيح العرب لب اللباب
وإن تزدها واحداً تلفهاسفينة تجري بما يستطاب
كذاك إن زدت إلى قلبهاواواً تجد إسماً لمولى الثواب
عساك إن جئت إلى حبهاتقدس الذات وتنفي الشواب
وتثلج الصدر بما صغتهمن در لفظ ومعانٍ عذاب
فاسلم ودم في نعم ملغزاًفي أرفع القدس رفيع الجناب
وكتب في آخر هذه الأبيات هذا المصراع دامت معاليك ليوم الحساب مما ينسب إلى جار الله الزمخشري.
العلم للرحمن ﷻوسواه في جهلاته يتغمغم
ما للتراب وللعلوم وإنمايسعى ليعلم أنه لا يعلم
وللإمام الرازي
نهاية أقدام العقول عقالوغاية سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من سعينا طول عمرناسوى أن جمعنا فيه قيل وقال
وأرواحنا محبوسة في جسومناوحاصل دنيانا أذى ووبال
ولجامع الكتاب بالعربية في هذا المضمون أيضاً:
يا بدر دجى فراقه الجسم أذابقد ودعني فغاب صبري إذ غاب
بالله عليك أي شيء قالت؟عيناك لقلبي المعنى فأجاب
لبعض المغاربة
وكان يعشق غلاماً أعور يسمى بركات:
بركات يحكي البدر عند تمامهحاشاه بل بدر السما يحكيه
لم تزو إحدى زهرتيه وإنماكملت بذاك بدائع التشبيه
فكأنه رامٍ يغمض طرفهليصيب بالسهم الذي يرميه
ابن دقيق العبد
أتبعت نفسك بين ذلة كادحطلب الحياة وبين حرص مؤمل
وأضعت عمرك لا خلاعة ماجنحصلت فيه ولا وقار مبجل
وتركت حظ النفس في الدنيا وفيالأخرى ورحت عن الجميع بمعزل
لما كان الخلاف بين القوم في أصالة أنوار ما عدا القمر من الكواكب واكتسابها غير مختص بالبعض، بل واقعاً في الكل كما هو مشهور، وفي الكتب مسطور، وكان من المعلوم أن قول العلامة بعد ذكر اكتساب نور القمر من الشمس: اختلفوا في أنوار
الكواكب، إشارة إلى هذا الخلاف الواقعي المعروف بين الفريقين حملنا كلامه على العموم.
فإن قلت: فهلا جعلت الضمير في قوله: والأشبه أنها ذاتية راجعاً إلى البعض بنوع من الاستخدام. قلت: لا يخفى ما فيه من البعد والتعسف فإن التعبير عن اختيار شق ثالث غير معروف أصلاً بمثل هذه العبارة يشبه الرطانة كما يشهد به الذوق السليم.
فإن قلت: يمكن حمل كلامه ابتداءاً على بيان الخلاف في البعض أعني الخمسة المتحيرة وتخصيصه نقل الخلاف بالخلاف بالبعض ليس بمعنى: أنه لا خلاف في غيرها حتى يكون كاذباً في دعواه، إذ الخلاف في الكل يستلزم الخلاف في البعض.
قلت: عدم وجدان طريق إلى إثبات ذاتية أنوار الكل إنما يصلح وجهاً لتخصيص الدليل بالبعض، لا لنقل الخلاف في البعض، والقول: بأنه غير كاذب في هذا النقل، لأن الخلاف في الكل يستلزم الخلاف في البعض، كلام مموه لا يحسن صدوره عن ذي روية، إذ المحذور ليس لزوم كذب العلامة في هذا النقل، بل لزوم كون كلامه حينئذ كلاماً مرذولاً شديد الفجاجة، كثير السماجة، ونظيره أن يقول بعض الطلبة: اختلف المعتزلة والأشاعرة في أفعال العباد هل هي صادرة عنهم حقيقة أو كسباً؟ والأصح الأول، فيقال له: يا هذا الخلاف إنما هو في كل أفعالهم، فكيف نقلته في بعضها؟ فيجيب: بأن الخلاف في الكل يستلزم الخلاف في البعض، وإنما نقلت الخلاف في البعض لأني لم أجد طريقاً إلى إثبات صدور الكل حقيقة، وهذا كلام لا يرتاب ذو مسكة في تهافته وسخافته، ومفاسد الكلام غير منحصرة في كونه كاذباً، بل كثير من مفاسده لا يقصر في الشناعة عن كذبه.
فإن قلت: في كلام العلامة شواهد كثيرة دالة على أن كلامه مختص بالخمس المتحيرة، منها قوله: فإن قيل: هذا إنما يصح في الكواكب التي تحت الشمس، وأما في العلوية إلى آخره، فإن المتبادر من العلوية في مصطلحهم هو ما فوق الشمس، من السيارات لا جميع ما فوقها منها ومن الثوابت، ومنها أن كلامه هذا مذكور في ذيل بيان خسوف القمر واستفادة نوره من الشمس، وحيث أنه من السيارة فيناسبه ذكر أحوالها لا أحوال بقية الكواكب ومنها أن قوله بعيد هذا المبحث: اختلفوا في أنه هل للكواكب لون؟ والأكثر على أن الأظهر ذلك مثل كمودة زحل ودرية المشتري والزهرة وحمرة المريخ وصفرة عطارد وفي الشمس خلاف، وأما في القمر فلونه ظاهر في الخسوف، لا ريب أنه بيان للاختلاف في ألوان السيارات فقط كما يشهد له التمثيل بها فيكون ما قبله بياناً للاختلاف في أنوارها فقط أيضاً، إذ لواحق الكلام تدل على أن المراد من سوابقه ذلك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع