تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

البصل والثّوم

دخل داخل على نصر بن سيّار وحوله بنون له صغار، فقال: هل تدرون ما ولدي هؤلاء؟ هؤلاء بنو البصل؛ وكان يأكله نيئا ومشويّا ومطبوخا.

والأطبّاء تقول في البصل: إنه يشهّي إلى الطعام إن أكل مشويّا أو نيئا، ويشهّي إلى الجماع. وإن دقّ وشمّ عطّس وشهّى الطعام. وإن اكتحل بمائه مع العسل جلا البصر. وإن وضع مع الملح والسّذاب على عضّة الكلب الذي ليس بكلب نفع. والإكثار منه يفسد العقل. والمسلوق منه يدرّ البول والدّمعة.

العصافير إن أكلت بالزّنجبيل والبصل هيّجت شهوة الجماع وأكثرت المنيّ.

عن طارق بن شهاب قال: بعث سليمان النبيّ ﵇ بعض عفاريته وبعث معه رجلا وقال: ردّه إليّ وانظر إلى صنيعه. فمرّ على أهل بيت يبكون فضحك، ودخل إلى السوق ونظر إلى الناس فرفع رأسه إلى السماء وهزّه، ونظر إلى الثّوم وهو يكال كيلا والفلفل وهو يوزن وزنا، فضحك. فلما ردّه إلى سليمان ﵇ وأخبره بما جرى منه، قال: لم ضحكت من أهل البيت؟ ولم هززت رأسك حين نظرت إلى السوق؟ ولم ضحكت من الثّوم والفلفل؟ قال: أمّا أهل البيت فإنّ الله أدخل ميّتهم الجنّة وهم يبكون عليه؛ ونظرت إلى الناس في السّوق والملائكة من فوق رؤوسهم، والناس يملون والملائكة سراعا يكتبون، فهززت رأسي؛ ونظرت إلى الثّوم وهو شفاء يكال كيلا، وإلى الفلفل وهو داء يوزن وزنا. وعن وهب: أنّ سليمان ﵇ قال: مم كنت تضحك؟ قال إنّي مررت برجل يشتري خفّين ويقول لصاحبهما: شرطي عليك أن ألبسهما عشر سنين لا يتخرّقان؛ فعجبت كيف شرط أمله ونسي أجله. ومررت بعجوز دهريّة تتكهّن وتخبر الناس بما لا يعلمون، والّذي سخّر لك الريح وأذلّ لك الجنّ وعبّد الشياطين إنيّ لأعلم في بيتها تحت فراشها مطمورة فيها قناطير من ذهب وفضّة وهي لا تدري ما تحتها، وقد ماتت هزلا وجوعا وحاجة. ومررت بأخرى دهريّة تتطبّب وكان بها مرّة داء، فأكلت البصل فصادفت منه برءا، فظنّت أنه حسم داءها وشفاها، فهي تصفه للناس من كل داء، وقد كانت في ظهرها ريح حبست منذ زمان

فأكلت الثّوم أحدا وعشرين يوما فشفيت منه؛ فعجبت لها كيف تدع أن تصفه.

ومررت برجل على شاطىء نهر يستقي منه في قلّة له ومعه بغلة، فلما سقى البغلة ملأ القلّة وربط البغلة بأذن القلّة وذهب لبعض حاجته، فنفرت البغلة وكسرت القلة؛ فجعل يلعن الشيطان، وبرّأ عقله ونسي فعله. ومررت بقوم يذكرون الله فاجتهدوا ونصبوا وابتهلوا، فلما أظلّت الرحمة ملّة رجل منهم فقام، وجاء آخر لم ينصب معهم فجلس مجلسه، فنزلت الرحمة فدخل فيها معهم وحرمها الأوّل؛ فعجبت من سعادة هذا وشقاوة هذا.

وتقول الأطبّاء: إنّ الثّوم إذا شوي بالنار ووضع على الضّرس المأكول ودلكت به الأسنان التي يعرض فيها الوجع من الرطوبة والريح، أذهب ما فيها بإذن الله من الوجع.

قال: وهو ينفع من العطش الحادث من البلغم، ويقوم مقام التّرياق في لسع الهوامّ، والأمراض الباردة.

وتقول الروم في الثّوم: إنه دواء لمن أصابه وجع السّقي في بطنه.

وإن أكله من ظهر فيه حرّة من شرى أو غيره أبرأه. وإن دقّ الثّوم يابسا فأغلي بسمن ولبن ثم جعله من يشتكي ضرسه في فيه سخنا فأمسكه ساعة، ذهب وجع ضرسه؛ وهو نافع لمن اجتوى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.