من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
العيون
قال إبراهيم النّخعيّ لسليمان الأعمش وأراد أن يماشيه: إن الناس إذا رأونا معا قالوا: أعور وأعمش، قال: ما عليك أن يأثموا ونؤجر، قال: ما عليك أن يسلموا ونسلم.
وقال ابن عباس بعد ما كفّ بصره:
أن يأخذ الله من عينيّ نورهماففي فؤادي وسمعي منهما نور
قلبي ذكيّ وعرضي غير ذي دخلوفي فمي صارم كالسيف مأثور
فأخذ الخريميّ هذا المعنى فقال:
فإن تك عيني خبا نورهافكم قبلها نور عين خبا
فلم يعم قلبي ولكنّماأرى نور عيني اليه سرى
فأسرج فيه إلى ضوئهسراجا من العلم يشفي العمى
وقال الخريميّ أيضا: [منسرج]
أصغي إلى قائدي ليخبرنيإذا التقينا عمّن يحيّيني
أريد أن أعدل السّلام وأنأفصل بين الشّريف والدّون
أسمع ما لا أرى فأكره أنأخطىء والسّمع غير مأمون
لله عيني التي فجعت بهالو أنّ دهرا بها يواتيني
لو كنت خيّرت، ما أخذت بهاتعمير نوح في ملك قارون
وتماشى أعوران، فقال أحدهما:
ألم ترني وعمرا حين نمشينريد السّوق ليس لنا نظير
أماشيه على يمنى يديهوفيما بيننا رجل ضرير
وقال قائل في طاهر بن الحسين:
يا ذا اليمينين وعين واحدهنقصان عين ويمين زائدة
وقال الأصمعيّ: جاءت رجلا أعور نشّابة فأصابت عينه الصحيحة، فقال: يا ربّ وأنا أيضا على محمل.
اشترى أبو الأسود جارية حولاء فأغار امرأته أمّ عوف، وكانت ابنة عمّه وكانت تشارّه في كلّ يوم وتقول: من يشتري حولاء؛ فلمّا أكثرت عليه قال:
يعيبونها عندي ولا عيب عندهاسوى أنّ في العينين بعض التأخّر
فإن يك في العينين سوء فإنهامهفهفة الأعلى رداح المؤخّر
أنشد أبو النجم هشام بن عبد الملك أرجوزته التي أوّلها:
الحمد لله الوهوب المجزل
فلم يزلّ هشام يصفق بيديه استحسانا لها، حتى إذا بلغ قوله في صفة الشمس:
فهي في الأفق كعين الأحولصغواء قد كادت ولمّا تفعل
أمر بوجء رقبته وإخراجه. وكان هشام أحول.
وقال آخر:
يقولون نصرانية أمّ خالدفقلت دعوها كلّ نفس ودينها
فإن تك نصرانيّة أمّ خالدفقد صوّرت في صورة لا تشينها
أحبّك أن قالوا بعينك زرقةكذاك عتاق الطير زرقا عيونها
وقرأت في الآيين أن الرجل إذا اجتمع فيه قصر وسبوطة وحول وعسم وشدق ... كان لا يستعمل في دار الملك، ويحال بينه وبين التصدير للملك، وكذلك المرأة البرشاء والبرصاء.
وقال بعض الشعراء في صحّة البصر مع الهرم:
إنّ معاذ بن مسلم رجلليس يقينا لعمره أمد
قل لمعاذ إذا مررت بهقد ضجّ من طول عمرك الأبد
قد شاب رأس الزمان واكتهل الدّهر وأثواب عمره جدد
يا نسر لقمان كم تعيش وكمتسحب ذيل الحياة يا لبد
قد أصبحت دار آدم طللاوأنت فيها كأنّك الوتد
تسأل غربانها إذا حجلتكيف يكون الصّداع والرّمد
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع