تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب القبح والدّمامة

أخبرنا بعض أشياخ البصرة أنّ رجلا وامرأته اختصما إلى أمير من أمراء العراق، وكانت المرأة حسنة المنتقب قبيحة المسفر، وكان لها لسان، فكأنّ العامل مال معها، فقال: يعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة فيتزوّجها ثم يسيء إليها؛ فأهوى الزوج فألقى النّقاب عن وجهها، فقال العامل: عليك اللعنة، كلام مظلوم ووجه ظالم.

قال أبو زياد الكلابيّ: قدم رجل منّا البصرة فتزوّج امرأة، فلمّا دخل بها وأرخيت السّتور وأغلقت الأبواب عليه، ضجر الأعرابيّ وطالت ليلته، حتى إذا أصبح وأراد الخروج منع من ذلك وقيل له: لا ينبغي لك أن تخرج إلا بعد سبعة أيام؛ فقال:

أقول وقد شدّوا عليها حجابهاألا حبّذا الأرواح والبلد القفر
ألا حبّذا سيفي ورحلي ونمرقىولا حبّذا منها الوشاحان والشّذر
أتوني بها قبل المحاق بليلةفكان محاقا كلّه ذلك الشهر
وما غرّني إلّا خضاب بكفّهاوكحل بعينيها وأثوابها الصّفر
تسائلني عن نفسها هل أحبّهافقلت ألا لا والذي أمره الأمر
تفوح رياح المسك والعطر عندهاوأشهد عند الله ما ينفع العطر

وقال آخر:

أعوذ بالله من زلّاء فاحشةكأنّما نيط ثوباها على عود
لا يمسك الحبل حقواها إذا انتطقتوفي الذّنابى وفي العرقوب تحديد
أعوذ بالله من ساق لها حنبكأنّها من حديد القين سفّود

وقال آخر:

موتّرة العلباء محفوفة القفالها ندب من حكّها غير دارس
إذا ضحكت غصون كأنهاغباغب حرباء تحوّز شامس
كأنّ وريديها رشاء محالةمغاران من جلد من القدّ يابس

وقال آخر:

يا عجبا والدّهر ذو تعاجيبهل يصلح الخلخال في رجل الذيب

اليابس الكعب الحديد العرقوب

وقال آخر:

لها جسم برغوث وساقا بعوضةووجه كوجه القرد بل هو أقبح
وتبرق عيناها إذا ما رأيتهاوتعبس في وجه الضّجيع وتكلح
وتفتح- لا كانت- فما لو رأيتهتوهّمته بابا من النار يفتح
فما ضحكت في النّاس إلّا ظننتهاأمامهم كلبا يهرّ وينبح
إذا عاين الشيطان صورة وجههاتعوّذ منها حين يمسي ويصبح
وقد أعجبتها نفسها فتملّحتبأيّ جمال ليت شعري تملّح

رأى أعرابيّ امرأة في شارة وهيئة، فظنّ بها جمالا، فلما سفرت فإذا هي غول؛ فقال:

فأظهرها ربّي بمنّ وقدرةعليّ ولولا ذاك متّ من الكرب
فلمّا بدت سبّحت من قبح وجههاوقلت لها السّاجور خير من الكلب

كان سعيد بن بيان التّغلبيّ سيّد بني تغلب، وكانت تحته برّة وكانت من أجمل النساء، فقدم الأخطل الكوفة على بشر بن مروان، فدعاه سعيد بن بيان واحتفل ونجّد بيوته واستجاد طعامه وشرابه، فلما شرب الأخطل جعل ينظر إلى وجه برّة وجمالها، وإلى وجه سعيد وقبحه؛ فقال له سعيد: يا أبا مالك، أنت رجل تدخل على الخلفاء والملوك فأين ترى هيئتنا من هيئتهم! فقال الأخطل: ما لبيتك عيب غيرك؛ فقال سعيد: أنا والله أحمق منك يا نصرانيّ حين أدخلك منزلي، وطرده. فخرج الأخطل وهو يقول:

وكيف يداويني الطبيب من الجوىوبرّة عند الأعور ابن بيان
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلما على التقادم والبلى»
فهلّا زجرت الطّير إذ جاء خاطبابضيقة بين النّجم والدّبران

قال عبد بني الحسحاس يذكر قبحه:

أتيت نساء الحارثيين غدوةبوجه براه الله غير جميل
فشبّهنني كلبا ولست بفوقهولا دونه إن كان غير قليل

قال رجل للأحنف: «تسمع بالمعيديّ لا أن تراه»؛ فقال: ما ذممت منّي يا بن أخي؟ قال: الدّمامة وقصر القامة؛ قال: لقد عبت عليّ ما لم أؤامر فيه.

قال عبد الملك بن عمير: قدم علينا الأحنف الكوفة مع المصعب بن الزّبير، فما رأيت خصلة تذمّ إلا وقد رأيتها في الأحنف: كان صعل الرأس، متراكب الأسنان، أشدق، مائل الذّقن، ناتىء الوجه، غائر العين، خفيف العارض، أحنف الرّجل، ولكنه إذا تكلّم جلا عن نفسه.

أبو اليقظان قال: كان المحارش قبيحا فقال فيه هبنّقة:

لو كان وجهي مثل وجه محارشإذا ما قربت الدّهر باب أمير

قال: وأخذ محارش قذاة عن عبيد الله بن زياد؛ فقال: صرف عنك السّوء؛ فقال جلساؤه: إذا يصرف عنه وجهه.

سئل مدنيّ عن حلية رجل، فقال: حليته محجمه.

قال المأمون لمحمد بن الجهم: أنشدني بيتا حسنا أولّك به كورة؛ فقال:

قبحت مناظرهم فحين خبرتهمحسنت مناظرهم لقبح المخبر

فاستزاده، فأنشده:

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّهفطيب تراب القبر دلّ على القبر
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه»

فوّلاه الدّينور وهمذان.

قال أعرابيّ في امرأته:

ولا تستطيع الكحل من ضيق عينهافإن عالجته صار فوق المحاجر
وفي حاجبيها حزّة لغزارةفإن حلقا كانا ثلاث غرائر
وثديان أمّا واحد فكموزةوآخر فيه قربة لمسافر

وقال إسحاق الموصليّ: رأت قريبة بن سيابة مولى ابن أسد عندي، فقلت لها: يا أمّ البهلول كيف ترين هذا؟ قالت: ماله قبّحه الله عامّة! لو كان داء ما برىء منه.

وقال فاتك في سعيد بن سلم:

وإنّ من غاية حرص الفتىطلابه المعروف في باهله
كبيرهم وغد ومولودهمتلعنه من قبحه القابله

قال الأسعر الجعفيّ يهجو قوما:

زعانف سود كخبث الحديد يكفي الثلاثة شقّ الإزار
للشاعر الأسعر الجعفي، من قصيدة «كفيت حزيماً ومرانها»

وقال أبو نواس يذكر امرأة:

وقائلة لها في وجه نصحعلام قتلت هذا المستهاما
فكان جوابها في حسن سرّأأجمع وجه هذا والحراما

كان المغيرة بن شعبة قبيحا أعور، فخطب امرأة، فأبت أن تتزوّجه، فبعث إليها: إن تزوجتني ملأت بيتك خيرا، ورحمك أيرا؛ فتزوّجت به.

وسئلت عنه امرأة طلّقها فقالت: عسل يمانية في ظرف سوء.

أنشدنا دعبل:

بليت بزمّردة كالعصاألصّ وأسرق من كندش
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بليت بزمردة كالعصا»
لها شعر قرد إذا ازّيّنتووجه كبيض القطا الأبرش
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بليت بزمردة كالعصا»
كأنّ الثأليل في وجههاإذا سفرت بدد الكشمش
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بليت بزمردة كالعصا»

وقال أعرابيّ:

جزى الله البراقع من ثيابعن الفتيان شرّا ما بقينا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «جزى الله البراقع من ثياب»
يوارين الملاح فلا نراهاويزهين القباح فيزّهينا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «جزى الله البراقع من ثياب»

وقال آخر:

رأوه فازدروه وهو حرّوينفع أهله الرجل القبيح

كان ذو الرّمة يشبّب بميّة، وكانت من أجمل النساء ولم تره قطّ، فجعلت لله عليها بدنة حين تراه، فلما رأته رأته رجلا دميما أسود، فقالت:

وا سوءتاه! وا بؤساه! فقال ذو الرّمة:

على وجه ميّ مسحة من ملاحةوتحت الثياب الشّين لو كان باديا
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة
ألم تر أن الماء يخبث طعمهوإن كان لون الماء أبيض صافيا
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة

إسحاق الموصليّ قال: دخلت أعرابية على حمدونة بنت الرشيد، فلما خرجت سئلت عنها، فقالت: وما حمدونة! والله لقد رأيتها وما رأيت طائلا،

كأنّ بطنها قربة، وكأنّ ثديها دبّة، وكأن استها رقعة، وكأن وجهها وجه ديك قد نفش غفريّته يقاتل ديكا.

ذكر أعرابيّ امرأة حسنة اللفظ قبيحة الوجه، فقال: ترخي ذيلها على عرقوبي نعامة، وتسدل خمارها على وجه كالجعالة (وهي الخرقة التي تنزل بها القدر عن النار).

وقال دعبل في كاتب:

تمّت مقابح وجهه فكأنّهطلل تحمّل ساكنوه فأوحشا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «تمت مقابح وجهه فكأنه»
لو كان لاستك ضيق صدرك أو لصدرك رحب دبرك كنت أكمل من مشى
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «تمت مقابح وجهه فكأنه»

كان بعض المعلّمين يقعد أبناء المياسير والحسان الوجوه في الظلّ، ويقعد الآخرين في الشّمس، ويقول: يا أهل الجنة، ابزقوا في وجوه أهل النار.

وقال رجل من أبناء المهاجرين: أبناء هذه الأعاجم كأنهم نقبوا الجنّة وخرجوا منها، وأولادنا كأنهم مساجر التّنانير.

أبو المهلهل الحدائيّ قال: ارتحلت إلى الرمل في طلب ميّ صاحبة ذي الرّمّة، فما زلت أطلب موضعها حتى أرشدت إليه، فإذا خيمة كبيرة على بابها عجوز هتماء، فسلّمت عليها ثم قلت: أين منزل ميّ؟ قالت: أنا ميّ؛

فتعجّبت وقلت: عجبا من ذي الرمّة وكثرة قوله فيك! قالت: لا تعجبنّ فإني سأقوم بعذره عنك، ثم قالت: يا فلانة، فخرجت من الخيمة جارية ناهدة عليها برقع فقالت: اسفري، فلما سفرت تحيّرت لما رأيت من جمالها وبراعتها؛ فقالت: علقني ذو الرمّة وأنا في سنّها؛ فقلت: عذره الله ورحمه، فاستنشدتها فجعلت تنشد وأنا أكتب.

وقال أبو نواس في الرّقاشيّ:

قل للرّقاشيّ إذا جئتهلو متّ يا أخرق لم أهجكا»
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قل للرقاشي إذا جئته»
دونك عرضي فاهجه راشدالا تدنس الأعراض من شعركا
والله لو كنت جريرا لماكنت بأهجى لك من وجهكا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.