من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب الحسن والجمال
عن عائشة ﵂ قالت: خطب رسول الله ﷺ امرأة من كلب، فبعثني أنظر إليها؛ فقال لي: كيف رأيت؟ فقلت: ما رأيت طائلا؛ فقال: لقد رأيت خالا بخدّها اقشعرّ كل شعرة منك على حدة؛ فقالت: ما دونك سرّ.
القحذميّ قال: دخل أبو الأسود على عبيد الله بن زياد فقال: أصبحت جميلا، فلو تعلّقت معاذة! فظنّ أنّه يهزأ به فقال:
أفنى الشّباب الذي أبليت جدّتهمرّ الجديدين من آت ومنطلق
لم يبقيا لي في طول اختلافهماشيئا يخاف عليه لذعة الحدق
عن حيّان بن عمير قال: دخلت على قتادة بن ملحان، فمرّ رجل في أقصى الدار فرأيته في وجه قتادة، فقال: إن النبي ﷺ مسح وجهه.
عن عون بن عبد الله قال: كان يقال: من كان في صورة حسنة ومنصب لا يشينه ووسّع عليه في الرزق، كان من خالصة الله.
وقال الحكم بن قنبر:
ليس فيها ما يقال لهكملت لو أن ذا كملا
كلّ جزء من ملاحتهاكائن من حسنها مثلا
لو تمنّت في متاعتهالم ترد من نفسها بدلا
وقال بعض المحدثين:
فلما رأوك العاذلون حججتهمبحسنك حتّى كلّهم لي عاذر
وقال أيضا:
تحيّر من حسنه فهمهوتاه وحقّ له أن يتيها
رأى غيره ورأى نفسهفلم ير فيه لشيء شبيها
وقال الأعشى في وصف امرأة:
فأفضيت منها إلى جنّةتدلّت عليّ بأثمارها
عن عائشة ﵂ قالت: يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأصبحهم وجها.
وقال جميل بن معمر: ما رأيت مصعبا يختال بالبلاط إلا غرت على بثينة، وبينهما ثلاثة أيّام.
عن الشّعبيّ قال: دخلت المسجد باكرا، وإذا بمصعب بن الزّبير والناس حوله، فلما أردت الانصراف قال لي: ادن، فدنوت منه حتى وضعت يدي على مرفقته؛ فقال: إذا أنا قمت فاتبعني؛ وجلس قليلا، ثم نهض فتوجّه نحو دار موسى بن طلحة فتتبّعته؛ فلما أمعن في الدار التفت إليّ وقال:
ادخل، فدخلت معه ومضى نحو حجرته وتبعته؛ فالتفت إليّ فقال: ادخل، فدخلت معه فإذا حجلة، فطرحت لي وسادة فجلست عليها، ورفع سجف
القبّة، فإذا أجمل وجه رأيته قطّ؛ فقال: يا شعبيّ، هل تعرف هذه؟ قلت:
نعم، هذه سيّدة نساء العالمين عائشة بنت طلحة؛ فقال: هذه ليلى، ثم تمثّل:
وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربيإلى اليوم أخفي إحنة وأداجن
وأحمل في ليلى لقوم ضغينةوتحمل في ليلى عليّ الضغائن
ثم قال: إذا شئت يا شعبيّ فقم فخرجت؛ فلما كان العشيّ رحت إلى المسجد فإذا مصعب بمكانه؛ فقال لي: ادن، فدنوت؛ فقال لي: هل رأيت مثل ذلك لإنسان قطّ؟ قلت: لا؛ قال: أتدري لم أدخلناك؟ قلت: لا؛ قال:
لتحدّث بما رأيت. ثم التفت إلى عبد الله بن أبي فروة فقال: أعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبا. فما انصرف أحد بمثل ما انصرفت به؛ بعشرة آلاف درهم، وبمثل كارة القصّار، ونظري إلى عائشة.
أبو الغصن الأعرابيّ قال: خرجت حاجّا، فلمّا مررت بقباء تداعى أهله وقالوا: الصّقيل الصّقيل ! فنظرت وإذا جارية كأنّ وجهها سيف صقيل، فلمّا رميناها بالحدق ألقت البرقع على وجهها، فقلنا: إنّا سفر وفينا أجر،
فأمتعينا بوجهك؛ فانصاعت وأنا أعرف الضّحك في وجهها وهي تقول:
وكنت متى أرسلت طرفك رائدالقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادرعليه ولا عن بعضه أنت صابر
ومرّ رجل بناحية البادية فإذا فتاة كأحسن ما تكون؛ فوقف ينظر إليها، فقالت له عجوز من ناحية: ما يقيمك على الغزال النّجديّ ولا حظّ لك فيه، فقالت الجارية: يا عمّتاه، يظنّ كما قال ذو الرّمّة:
وإن لم يكن إلّا تعلّل ساعةقليلا فإنّي نافع لي قليلها
وقال بعض المحدثين:
الخال يقبح بالفتى في خدّهوالخال في خدّ الفتاة مليح
والشّيب يحسن بالفتى في رأسهوالشيب في رأس الفتاة قبيح
وقال جعفر بن محمد: الجمال مرحوم.
رأى رجل شريحا يجول في بعض الطّرق فقال: ما غدا بك؟ فقال:
عسيت أن أنظر إلى صورة حسنة.
قالت امرأة خالد بن صفوان له يوما: ما أجملك! قال: ما تقولين ذاك وما لي عمود الجمال، ولا عليّ رداؤه ولا برنسه؛ قالت: ما عمود الجمال وما رداؤه وما برنسه؟ قال: أما عمود الجمال فطول القوام وفيّ قصر؛ وأمّا رداؤه
فالبياض ولست بأبيض؛ وأمّا برنسه فسواد الشعر وأنا أصلع، ولكن لو قلت:
ما أحلاك وما أملحك. كان أولى.
أبو اليقظان قال: كان يسمّى جيش ابن الأشعث جيش الطواويس، لكثرة من كان فيه من الفتيان المنعوتين بالجمال.
قال: وقال أبو اليقظان: سمع عمر بن الخطاب قائلا بالمدينة يقول:
أعوذ بربّ الناس من شرّ معقلإذا معقل راح البقيع مرجّلا
يعني معقل بن سنان الأشجعيّ، وكان قدم المدينة؛ فقال له عمر:
الحق بباديتك.
وسمع امرأة ذات ليلة تقول:
ألا سبيل الى خمر فأشربهاأم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج
وهذا نصر بن حجّاج بن علاط البهزيّ، وكان من أجمل الناس، فدعا به عمر فسيّره إلى البصرة- فأتى مجاشع بن مسعود السّلميّ فدخل عليه يوما وعنده امرأته شميلة وكان مجاشع أمّيّا، فكتب نصر على الأرض: أحبّك حبّا لو كان فوقك لأظلّك، أو تحتك لأقلّك؛ فكتبت هي: وأنا والله كذلك؛ فكبّ مجاشع على الكتابة إناء ثم أدخل كاتبا فقرأه، فأخرج نصرا وطلّقها- فقال نصر بن حجّاج:
وما لي ذنب غير ظنّ ظننتهوفي بعض تصديق الظنون أثام
لعمري إن سيّرتني أو حرمتنيوما نلت ذنبا إنّ ذا لحرام
أإن غنّت الذّلفاء ليلا بمنيةوبعض أمانيّ النساء غرام
ظننت بي الظنّ الذي ليس بعدهبقاء ومالي في النّديّ كلام
فأصبحت منفيّا على غير يبةوقد كان لي بالمكّتين مقام
ويمنعني ممّا تمنّت تكرّميوآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها ممّا تمنّت حياؤهاوحال لها مع عفّة وصيام
وهاتان حالانا فهل أنت راجعيوقد خفّ منّي كاهل وسنام
وأنا أحسب هذا الشعر مصنوعا.
قال لقيط بن زرارة:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههمدجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
قال أبو الطّمحان القينيّ:
يكاد الغمام الغرّ يرعد إن رأىوجوه بني لأم وينهلّ بارقه
وقال آخر:
وجوه لو انّ المعتفين اعتشوا بهاصدعن الدّجى حتى ترى الليل ينجلي
قال عمر بن الخطاب ﵁: إنّا إذا سمعنا بكم شعرنا أحسنكم وجوها، وإذا اختبرناكم كانت الخبرة أولى بكم.
قال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: خصصنا بخمس: بصباحة، وفصاحة، وسماحة، ورجاحة، وحظوة (يعني عند النساء). وسئل عن بني أميّة فقال: هم أغدر وأفجر وأمكر؛ ونحن أفصح وأصبح وأسمح.
رأت امرأة الزبير فقالت: من هذا الذي هو أرقم يتلمّظ؟ ورأت عليّا فقالت: من هذا الذي كأنّه كسر ثم جبر؟ ورأت طلحة فقالت: من هذا الذي كأنّه دينار هرقليّ؟.
ألبست سكينة بنت الحسين ابنة لها درّا كثيرا وقالت: والله ما ألبستها إيّاه إلّا لتفضحه.
وقال بعض الشعراء يذكر نساء جئن مع جارية:
أقبلن في رأد الضّحاء بهاوسترت وجه الشمس بالشمس
ذكر بعض الأعراب امرأة قال: خلوت بها والقمر يرينيها، فلمّا غاب أرتنيه.
وقال بعض الشعراء:
غلام رماه الله بالحسن يافعاله سيمياء لا تشقّ على البصر
كأنّ الثّريّا علّقت في جبينهوفي أنفه الشّعرى وفي وجهه القمر
ولمّا رأى المجد استعيرت ثيابهتردّى بثوب واسع الذّيل وأتزر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنهذليل بلا ذلّ ولو شاء لانتصر
قال غلام من الأعراب لأمّه:
نشدتك بالله هل تعلمينبأنّي طويل وأنّي حسن
قالت: قبّحك الله! فكان ماذا؟ قال:
وأنّي أقمّص بالدّارعينغداة الصّباح وأحمي الظّعن
قال عمّه: فهلّا كان ذا قبل!.
قال الشاعر:
بيضاء تسحب من قيام شعرهاوتغيب فيه وهو جثل أسحم
فكأنّها فيه نهار ساطعوكأنّه ليل عليها مظلم
وقال الطائيّ:
بيضاء تبدو في الظلام فيكتسينورا وتبدو في النهار فيظلم
وصف أعرابيّ امرأة فقال: كاد الغزال يكونها، لولا ما تمّ منها ونقص منه.
قال ابن الأعرابيّ: الحلاوة في العينين، والجمال في الأنف، والملاحة في الفم.
قال أعرابيّ يصف امرأة:
خزاعيّة الأطراف مرّيّة الحشافزاريّة العينين طائيّة الفم
كان المقنّع الكنديّ من أجمل الناس وكان يتقنّع لأنه كان متى سفر لقع (أي أصيب بعين)، وهو القائل:
وفي الظّعائن والأحداج أملح منحلّ العراق وحلّ الشام واليمنا
جنّيّة من نساء الإنس أحسن منشمس النهار وبدر الليل لو قرنا
الحكم بن صخر الثّقفيّ قال: خرجت حاجّا مختفيا، فلمّا كنت ببعض الطريق أتتني جاريتان من بني عقيل لم أر أحسن منهما وجوها، ولا أظرف ألسنة ولا أكثر علما وأدبا، فقصّرت بهما يومي فكسوتهما. ثم حججت من قابل ومعي أهلي، وقد أصابتني علّة فنصل لها خضابي، فلمّا صرت إلى ذلك الموضع فإذا أنا بإحداهما، فدخلت عليّ، فسألت مسألة منكر فقلت:
فلانة! قالت: فدى لك أبي وأمي! تعرفني وأنكرك؟! قلت: أنا الحكم بن
صخر؛ قالت: إني رأيتك عام أوّل شابّا سوقة وأراك العام ملكا شيخا، وفي دون هذا ينكر المرء صاحبه؛ قلت: ما فعلت أختك؟ قالت: تزوجها ابن عمّ لها وخرج بها إلى نجد فذلك حيث يقول:
إذا ما قفلنا نحو نجد وأهلهفحسبي من الدّنيا قفول إلى نجد
فقلت: لو أدركتها لتزوّجتها؛ فقالت: ما يمنعك من شقيقتها في حسبها، ونظيرتها في جمالها؟ - تعني نفسها- قلت: يمنعني من ذلك ما قال كثيّر:
إذا وصلتنا خلّة كي تزيلناأبينا وقلنا الحاجبيّة أوّل
فقالت: فكثير بيني وبينك، أليس هو القائل:
هل وصل عزّة إلا وصل غانيةفي وصل غانية من وصلها خلف
فسكت عيّا عن جوابها.
قال أبو حازم المدنيّ: بينا أنا أرمي الجمار رأيت امرأة سافرة من أحسن الناس وجها ترمى الجمار، فقلت: يا أمة الله، أما تتّقين الله! تسفرين في هذا الموضع فتفتنين الناس! قالت: أنا والله يا شيخ من اللواتي قال فيهنّ الشاعر:
من اللّاء لم يحججن يبغين حسبةولكن ليقتلن البريء المغفّلا
قلت: فإني أسأل الله ألّا يعذّب هذا الوجه بالنار.
قال أعرابيّ:
يا زين من ولدت حوّاء من ولدلولاك لم تحسن الدنيا ولم تطب
أنت التي من أراه الله صورتهانال الخلود فلم يهرم ولم يشب
وقال أعرابيّ:
إذا هنّ أبدين الخدود وحسّرتثغور عن الأفواه كي تتبسما
أجاد القضاة العادلون قضاءهملهنّ بلا وهم وإن كنّ أظلما
وقال عروة بن أذينة:
إنّ التي زعمت فؤادك ملّهاخلقت هواك كما خلقت هوى لها
فإذا وجدت لها وساوس سلوةشفع الفؤاد إلى الضمير فسلّها
بيضاء باكرها النعيم فصاغهابلباقة فأدقّها وأجلّها
وقال أعرابيّ يرقّص ابنا له:
يا ربّ ربّ مالك بارك فيهبارك لمن يحبّه ويدنيه
ذكّرني لمّا نظرت في فيهأجزع نور غربت أواخيه
والوجه لما أشرقت نواحيهدينار عين بيد تبريه
وقال ابن شبرمة: ما رأيت لباسا على رجل أزين من فصاحة، ولا رأيت لباسا على امرأة أزين من شحم.
قيل لأعرابيّ: إنك لحسن الكدنة فقال: ذلك عنوان نعمة الله عندي.
قال الحجّاج: لا يحسن نحر المرأة حتى يعظم ثدياها.
وقال المرار العدويّ:
صلتة الخدّ طويل جيدهاضخمة الثّدي ولمّا ينكسر
وقال عليّ بن أبي طالب ﵇: لا تحسن المرأة حتى تروي الرضيع، وتدفىء الضّجيع.
عن رجل من بني أسد قال: أضللت إبلا لي، فخرجت في طلبهنّ، فهبطت واديا وإذا أنا بفتاة أعشى نور وجها نور بصري؛ فقالت لي: يا فتى، مالي أراك مدلّها؟ فقلت: أضللت إبلا لي فأنا في طلبها؛ قالت: أفأدلّك على من هي عنده وإن شاء أعطاكها؟ قلت: نعم ولك أفضلهنّ؛ قالت: الذي أعطاكهنّ أخذهنّ وإن شاء ردّهنّ، فسله عن طريق اليقين لا من طريق الاختبار؛ فأعجبني ما رأيت من جمالها وحسن كلامها، فقلت: ألك بعل؟
قالت: قد كان، ودعي فأجاب فأعيد إلى ما خلق منه. قلت: فما قولك في بعل تؤمن بوائقه، ولا تذمّ خلائقه؟ فرفعت رأسها وتنفّست وقالت:
كنّا كغصنين في أصل غذاؤهماماء الجداول في ورضات جنّات
فاجتثّ خيرهما من جنب صاحبهدهر يكرّ بترحات وفرحات
وكان عاهدني إن خانني زمنألّا يضاجع أنثى بعد مثواتي
وكنت عاهدته إن خانه زمنألّا أبوء ببعل طول محياتي
فلم نزل هكذا والوصل شيمتناحتى توفّي قريبا مذ سنيّات
فاقبض عنانك عمّن ليس يردعهعن الوفاء خلاف بالتحيّات
قال أبو اليقظان: دخل متمّم بن نويرة على عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: أرى في أصحابك مثلك! قال: يا أمير المؤمنين، أما والله إنّي مع ذلك لأركب الجمل الثّفال، وأعتقل الرّمح الشّطون، وألبس الشّملة الفلوت. (ولقد أسرني بنو تغلب في الجاهليّة، فبلغ ذلك مالكا فجاء ليفتديني، فلما رآه القوم أعجبهم جماله، وحدّثهم فأعجبهم حديثه، فأطلقوني له بغير فداء.
كان يقال: المنظر محتاج إلى القبول، والحسب محتاج إلى الأدب، والسّرور محتاج إلى الأمن، والقرابة محتاجة إلى المودّة، والمعرفة محتاجة إلى التّجارب، والشرف محتاج إلى التّواضع، والنجدة محتاجة إلى الجدّ.
قال الحسن بن وهب:
ما لمن تمّت محاسنهأن يعادي طرف من نظرا
لك أن تبدي لنا حسناولنا أن نعمل البصر
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع