من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب العجز والمشايخ
الأصمعيّ قال: خاصم رجل امرأته إلى زياد، فكأن زيادا شدّد عليه، فقال الرجل: أصلح الله الأمير، إنّ خير نصفي الرجل آخرهما، يذهب جهله ويثوب حلمه ويجتمع رأيه، وإن شرّ نصفي المرأة آخرهما، يسوء خلقها ويحدّ لسانها وتعقم رحمها؛ فقال: اسفع بيدها.
وقال بعض الأعراب:
لا تنكحنّ عجوزا إن دعوك لهاوإن حبوك على تزويجها الذّهبا
وإن أتوك وقالوا إنها نصففإنّ أطيب نصفيها الذي ذهبا
الأصمعيّ قال: ضجر أعرابيّ بطول حياة امرأته، فقال:
ثلاثين حولا لا أرى منك راحةلهنّك في الدنيا لباقية العمر
فإن أنفلت من حبل صعبة مرّةأكن من نساء الناس في بيضة العقر
وقال أبو الأسود في امرأته أمّ عوف:
أبى القلب إلا أمّ عوف وحبّهاعجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد
كسحق اليماني قد تقادم عهدهورقعته ما شئت في العين واليد
وقال آخر يشبّب بعجوز:
عجوز عليها كرّة وملاحةوقاتلتي يا للرّجال عجوز
عجوز لو ان الماء ملك يمينهالما تركتنا بالمياه نجوز
كانت لرجل من الأعراب امرأة عجوز، وكانت تشتري العطر بالخبز؛ فقال:
عجوز ترجّي أن تكون فتيّةوقد غارت العينان واحدودب الظهر
تدسّ إلى العطّار سلعة أهلهاولن يصلح العطّار ما أفسد الدّهر
طلّق أبو الجنديّ امرأته؛ فقالت له: بعد صحبة خمسين سنة! فقال:
مالك عندي ذنب غيره.
وقال بعض الأعراب:
لا بارك الله في ليل يقرّبنيإلى مضاجعة كالدّلك بالمسد
لقد لمست معراها فما وقعتفيما لمست يدي إلا على وتد
وكلّ عضو لها قرن تصلّ بهجسم الضّجيع فيضحي واهي الجسد
وقال الطائي:
أحلى الرجال من النساء مواقعامن كان أشبههم بهنّ خدودا
وقال امرؤ القيس:
أراهنّ لا يحببن من قلّ مالهولا من رأين الشيب فيه وقوّسا
وقال علقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنّنيخبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب راس المرء أو قلّ مالهفليس له في ودّهنّ نصيب
يردن ثراء الماء حيث علمنهوشرخ الشباب عندهنّ عجيب
وقال آخر:
أرى شيب الرجال من الغوانيكموضع شيبهنّ من الرجال
وقال آخر:
أيا عجبا للخود يجري وشاحهاتزفّ إلى شيخ من القوم تنبال
دعاها إليه أنّه ذو قرابةفويل الغواني من بني العمّ والخال
وقال ذو الرّمّة بخلاف قول الأوّل:
وما الفقر أزرى عندهنّ بوصلناولكن جرت أخلاقهن على البخل
وقال المرّار في مثله:
وليس الغواني للجفاء ولا الذيله عن تقاضي دينهنّ هموم
ولكنّما يستنجز الوعد تابعمناهنّ حلّاف لهنّ أثيم
وما جعلت ألبابهنّ لذي الغنىفييأس من ألبابهنّ عديم»
كان عثمان بن عفّان ﵁ تزوّج نائلة بنت الفرافصة الكلبيّ-
والفرافصة يومئذ نصرانيّ- وكان وليّها مسلما وهو أخوها، فحملها الفرافصة.
فلما قدمت على عثمان وضع لها سريرا وله آخر، فقال لها عثمان: إمّا أن تقومي إليّ وإمّا أن أقوم إليك؛ فقالت: ما تجشّمت إليك من عرض السّماوة أبعد ممّا بيننا، بل أقوم أنا، فقامت حتى جلست معه على السرير، فوضع قلنسوته فإذا هو أصلع، فقال: يابنة الفرافصة، لا يهولنّك ما ترين من صلعتي، فإنّ وراء ذلك ما تحبّين؛ قالت: إني لمن نسوة أحبّ بعولتهنّ إليهنّ الكهول الصّلع؛ فقال: اطرحي درعك، ثم قال: اطرحي إزارك؛ قالت: ذاك اليك، ومسح رأسها ودعا لها بالبركة؛ فكانت أحبّ نسائه اليه، وولدت منه جارية يقال لها مريم.
ابن الكلبيّ قال: خطب دريد بن الصّمّة خنساء بنت عمرو، فبعثت جاريتها فقال: انظري إذا بال أيقعي أم يبعثر؟ فقالت لها الجارية: هو يبعثر، فقالت: لا حاجة لي فيه.
الأصمعيّ قال: تزوّج رجل امرأة بالمدينة فقالوا له: إنها شابّة طريّة، من أمرها ومن أمرها، ويدلّسون له عجوزا، فلما دخل بها نزع نعليه، وهم يظنّون أنه يضربها، فقلّدها إياهما وقال: لبّيك اللهمّ لبّيك، هذه بدنة؛ فأسكتوه وافتدوا منه.
عن عبد الله بن محمد بن عمران القاضي عن أبيه قال: شباب المرأة من خمس عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وفيها من الثلاثين إلى الأربعين مستمتع، وإذا اقتحمت العقبة الأخرى حسلت.
تزوّج جهم امرأة من بني فقعس وباع إبلا له ومهرها، فلما دخل بها إذا هي عجوز، فقال:
وما لمت نفسي مذ فطمت بليحةكما لمت نفسي في عجوز بني شمس
وبنت ولم أغبن غداة اشتريتهاوبعت تلاد المال بالثمن البخس
فإن مات جهم غيلة فاقتلوا بهقمامة إنّ النفس تقتل بالنفس
وقال بعض الشعراء:
كفاك بالشّيب ذنبا عند غانيةوبالشباب شفيعا أيّها الرجل
خطب الحارث بن سليل الأسديّ إلى علّقمة بن خصفة الطائيّ، وكان شيخا، فقال لأمّ الجارية: أريدي ابنتك على نفسها فقالت: أي بنيّة. أيّ الرجال أحبّ إليك: الكهل الجحجاح، الواصل المنّاح، أم الفتى الوضّاح، الذّهول الطمّاح؟ قالت: يا أمّتاه
إنّ الفتاة تحبّ الفتىكحبّ الرّعاء أنيق الكلا
فقالت: يا بنيّة، إن الشباب شديد الحجاب، كثير العتاب؛ قالت: يا
أمّتاه، أخشى من الشيخ أن يدنّس ثيابي، ويبلي شبابي، ويشمت بي أترابي؛ فلم تزل بها حتى غلبتها على رأيها؛ فتزوّج بها الحارث ثم رحل بها إلى قومه؛ فإنه لجالس ذات يوم بفناء مظلّته وهي إلى جانبه، إذ أقبل شباب من بني أسد يعتلجون، فتنفّست ثم بكت؛ فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ!؛ فقال: ثكلتك أمّك «تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها» - فذهبت مثلا-. أما وأبيك لربّ غارة شهدتها، وسبيّة أردفتها، وخمرة شربتها؛ فالحقي بأهلك، لا حاجة لي فيك.
الرّياشيّ قال: خرج رجل إلى الغزو فأصاب جارية وضيئة، وكان يغزو على فرسه ويرجع إليها، فوجد يوما فضلا من القول فقال:
ألا لا أبالي اليوم ما فعلت هندإذا بقيت عندي الحمامة والورد
شديد مناط المنكبين إذا جرىوبيضاء صنهاجيّة زانها العقد
فهذا لأيّام الحروب وهذهلحاجة نفسي حين ينصرف الجند
فنمي الشعر اليها فقالت:
ألا أقره منّي السلام وقلّ لهغنينا وأغنتنا غطارفة المرد
بحمد أمير المؤمنين أقرّهمشبابا وأغزاكم حواقلة الجند
إذا شئت غنّاني رفلّ مرجّلونازعني في ماء معتصر ورد
وإن شاء منهم ناشىء مدّ كفّهعلى كتد ملساء أو كفل نهد
فما كنتم تقضون حاجة أهلكمشهودا فتقضوها على النّأي والبعد
فلمّا بلغه الشعر أتاها، وقال: أكنت فاعلة؟ فقالت: الله أجلّ في عيني، وأنت أهون عليّ.
قال أبو عمرو بن العلاء: ما بكت العرب شيئا ما بكت الشباب، وما بلغت ما هو أهله.
كانت لبعض الأعراب امرأة لا تزال تشارّه وقد كان أسنّ وامتنع من النكاح، فقال له رجل: ما يصلح بينكما أبدا؟ فقال: لا، إنه قد مات الذي كان يصلح بيننا (يعني ذكره).
قال رجل لصديق له:
أعنّست نفسك حتى إذاأتيت على الخمس والأربعينا
تزوّجتها شارفا فخمةفلا بالرّفاء ولا بالبنينا
فلا ذات مال تزوّجتهاولا ولد ترتجي أن يكونا
بها أبدا فالتمس غيرهالعلّك تعطى بغثّ سمينا
قال أنو شروان: كنت أخاف إذا أنا شخت لا تريدني النساء، فإذا أنا لا أريدهنّ.
قال أعرابيّ:
إنّ العجوز فارك ضجيعهاتسيل من غير بكى دموعها
تمدّد الوجه فلا يطيعهاكأنّ من يضيفها يضيعها
وقال أبو النجم:
قد زعمت أمّ الخيار أنّيشبت وحنّى ظهري المحنّي
وأعرضت فعل الشّموس عنّيفقلت ما داؤك إلّا سنّي
لن تجمعي ودّي وأن تضنّي
قال يزيد بن الحكم بن أبي العاص:
فما منك الشّباب ولست منهإذا سألتك لحيتك الخضابا
وما يرجو الكبير من الغوانيإذا ذهبت شبيبته وشابا
وقال آخر:
فالغوانينوافر عن ملاحظة القتير
فقلت لها المشيب نذير عمريولست مسوّدا وجه النّذير
كان سعد بن أبى وقّاص يخضب بالسّواد، ويقول:
أسوّد أعلاها وتأبى أصولهافيا ليت ما يسودّ منها هو الأصل
وقال أسود بن دهيم:
لمّا رأيت الشّيب عيب بياضهتشبّبت وابتعت الشّباب بدرهم
وقال محمود الورّاق:
يا خاضب الشيب الذيفي كلّ ثالثة يعود
إنّ النّصّول إذا بدافكأنّه شيب جديد
وله بديهة روعةمكروهها أبدا عتيد
فدع المشيب كما أراد فلن يعود كما تريد
أنشد ابن الأعرابيّ:
ولقد أقول لشيبة أبصرتهافي مفرقي فمنحتها إعراضي»
عنّي إليك فلست من خير ولوعمّمت منك مفارقي ببياض
ولقلّما أرتاع منك وإننيفيما ألذّ وإن فزعت لماضي
فعليك ما اسطعت الظهور بلمّتيوعليّ أن ألقاك بالمقراض
وقال الفرزدق:
تفاريق شيب في السّواد لوامعوما خير ليل ليس فيه نجوم
وقال غيلان بن سلمة:
الشّيب إن يظهر فإن وراءهعمرا يكون خلاله متنفّس
لم ينتقص منّي المشيب قلامةولنحن حين بدا ألبّ وأكيس
وقال الطائي:
أبدت أسى أن رأتني فخلس القصبوآل ما كان من عجب إلى عجب
لا تنكري منه تحديدا تخلّلهفالسيف لا يزدرى إن كان ذا شطب
ولا يؤرّقك إيماض القتير بهفإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب
وقال آخر:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعبفلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جلّ قدر الشّيب إن كان كلّمابدت شيبة يعرى من الهو مركب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع