من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
خطب النكاح
قال حدّثني محمد بن داود قال حدّثنا أبو غسّان مالك بن عبد الواحد عن معتمر عن خالد القسريّ قال- وكان قد جمع الخطب فكان يستحسن هذه ويذكرها-:
ذكرتم أمرا حسنا جميلا، وعد الله فيه الغنى والسّعة، فلا خلف لموعود الله ولا رادّ لقضاء الله؛ اذا أراد جماع أمر فلا فرقة له؛ واذا أراد فرقة أمر فلا جماع له. عرضت كذا، فإذا قال: نعم، قال: قد نكحت.
وخطب محمد بن الوليد بن عتبة الى عمر بن عبد العزيز أخته؛ فقال:
الحمد لله ذي العزّة والكبرياء، وصلّى الله على محمد خاتم الأنبياء. أما بعد، فقد حسن ظنّ من أودعك حرمته واختارك ولم يختره عليك؛ وقد زوّجناك على ما في كتاب الله: إمساك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
خطب بلال على أخيه امرأة من بني حسل من قريش؛ فقال: نحن من قد عرفتم، كنا عبدين فأعتقنا الله، وأنا أخطب على أخي خالد فلانة، فإن تنكحوه فالحمد لله، وإن تردّوه فالله أكبر، فأقبل بعضهم على بعض فقالوا:
هو بلال؛ وليس مثله يدفع، فزوّجوا أخاه. فلما آنصرفا قال خالد لبلال: يغفر الله لك! ألا ذكرت سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله ﷺ! قال بلال: مه ! صدقت فأنكحك الصّدق.
كان الحسن البصريّ يقول في خطبة النّكاح بعد حمد الله والثناء عليه:
أما بعد، فإن الله جمع بهذا النّكاح الأرحام المنقطعة، والأسباب المتفرّقة، وجعل ذلك في سنّة من دينه، ومنهاج واضح من أمره؛ وقد خطب إليكم فلان وعليه من الله نعمة، وهو يبذل من الصّداق كذا، فاستخيروا الله وردّوا خيرا يرحمكم الله.
قال الأصمعيّ: كان رجالات قريش من العرب تستحب من الخاطب
الإطالة ومن المخطوب إليه الإيجاز.
وأتى رجل عمر بن عبد العزيز يخطب أخته، فتكلّم بكلام جاز الحفظ؛ فقال عمر: الحمد لله ذي الكبرياء وصلّى الله على خاتم الأنبياء؛ أما بعد، فإن الرّغبة منك دعت إلينا، والرغبة فيك أجابت منا؛ وقد زوّجناك على ما في كتاب الله: إمساك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.
العتبيّ قال: لما زوّج شبيب ابنه ابنة سوّار القاضي قلنا: اليوم يعبّ عبابه، فلّما اجتمعوا تكلّم فقال: الحمد لله، وصلّى الله على رسول الله. أما بعد، فإنّ المعرفة منا ومنكم وبنا وبكم تمنعنا من الإكثار، وإنّ فلانا ذكر فلانة.
العتبيّ قال حدّثني رجل قال: حضرت ابن الفقير يخطب على نفسه امرأة من باهلة فقال:
فما حسن أن يمدح المرء نفسهولكنّ أخلاقا تذمّ وتمدح
وإن فلانة ذكرت لي.
قال: وحدّثني أبو عثمان قال: مررت بحاضر وقد اجتمع فيه، فسألت بعضهم: ما جمعهم؟ فقالوا: هذا سيّد الحيّ يريد أن يتزوّج منّا فتاة؛ فوقفت أنظر، فتكلّم الشيخ فقال: الحمد لله، وصلّى الله على رسول الله، أما بعد ذلك، ففي غير ملالة من ذكره والصلاة على رسوله؛ فإن الله جعل المناكحة
التي رضيها فعلا وأنزلها وحيا سببا للمناسبة. وإن فلانا ذكر فلانة وبذل لها الصّداق كذا، وقد زوّجته إيّاها، وأوصيته بوصيّة الله لها. ثم قال للفتيان على رأسه: هاتوا نثاركم، فقلبت على رؤوسنا غرائر التّمر.
قال وقال شبّة بن عقّال: ما تمنّيت أنّ لي بقليل من كلامي كثيرا من كلام غيري إلا يوما واحدا، فإنّا خرجنا مع صاحب لنا نريد أن نزوّجه، فمررنا بأعرابيّ فأتبعنا، فتكلّم متكلّم القوم فجاء بخطبة فيها ذكر السموات والأرض والجبال؛ فلما فرغ قلنا: من يجيبه؟ قال الأعرابيّ: أنا، فجثا لركبته ثم أقبل على القوم فقال: والله ما أدري ما تحتاطك وتلصاقك منذ اليوم! ثم قال:
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد خير المرسلين. أمّا بعد، فقد توسّلت بحرمة، وذكرت حقّا، وعظّمت عظيما، فحبلك موصول، وفرضك مقبول؛ وقد زوّجناها إيّاك، وسلّمناها لك؛ هاتو خبيصكم.
قال ابن عائشة: زوّج سلم بن قتيبة ابنته من يعقوب بن الفضل، فقال:
الحمد لله، قد ملكت باسم الله.
حضر المأمون إملاكا وهو أمير، فسأله من حضر أن يخطب، فقال:
المحمود الله، والمصطفى رسول الله، وخير ما عمل به كتاب الله؛ قال الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ
. ولم يكن في المناحكة آية منزّلة ولا سنة متّبعة إلا ما جعل الله في ذلك من تآلف
البعيد وبرّ القريب، وليسارع اليها الموفّق ويبادر اليها العاقل اللّبيب. وفلان من قد عرفتموه، في نسب لم تجهلوه؛ خطب إليكم فلانة فتاتكم، وقد بذل لها من الصّداق كذا، فشفّعوا شافعنا، وأنكحوا خاطبنا، وقولوا خيرا تحمدوا عليه وتؤجروا؛ أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع